Feeds:
Posts
Comments

billie-holiday-on-stage-raw

يوم رحلت السَّيدة- فرانك أوهارا-ترجمة أماني لازار

 

إنه يوم الجمعة في نيويورك والسَّاعة تشير إلى 12:20

بعد مرور ثلاثة أيام على ذكرى يوم الباستيل، نعم

إنه العام 1959 وأذهب لألمع حذائي

لأني عند السَّاعة 4:19سأستقل القطار الذَّاهب إلى إيست هامبتن

لأصل عند الخامسة والربع ثم أذهب مباشرة لتناول العشاء

ولا أعرف الناس الذين سوف أكون باستضافتهم

أسير في الشَّارع المغمّ الذي تلفحه الشَّمس

أتناول شطيرة لحم وأشرب كوباً من الحليب المالح واشتري

مجلة كتابة العالم الجديد البغيضة لأرى ما يفعله الشُّعراء

في غانا هذه الأيام

أواصل المضي إلى المصرف

والآنسة ستيلواجن (سمعت مرة اسمها وكان ليندا)

لا تتحقق من رصيدي لأول مرة في حياتها

ومن الغولدن غريفين أشتري كتاباً صغيراً لفيرلين

هدية من أجل باتسي فيه رسومات لبونار مع أني

أفكر بهسيود، ترانس. ريتشموند لاتيمور أو

بمسرحية برندن بيهان الجديدة أو مسرحيتي الشُّرفة أو الزنوج

لجينيه، لكني أحجم عنها، أختار فيرلين

بعدها فعلياً سوف أذهب إلى النوم وأنا في حيرة من أمري

ومن أجل مايك حسبي أني تمشيت نحو البارك لين

وهو متجر للخمور وطلبت زجاجة ستريجا

من ثم أعود من حيث أتيت إلى الجادة السَّادسة

وبائع السَّجائر في مسرح زيغفيلد و

وأشتري في عجالة كرتونة سجائر من نوع غولواز وأخرى

من نوع بيكيونس، وعدداً من صحيفة نيويورك بوست تحمل صورة وجهها

وأنا أتصبب عرقاً الآن وأفكر

الاتكاء على باب غرفة الرجال في نادي ال 5 SPOT

بينما همست أغنية وكان يرافقها في العزف

على البيانو مال والدرون خطفت أنفاسي وأنفاس الجميع

14907616_1319251374751647_5424868027906820827_n

 

كلُّ شيء ممكن: إلى رياض الصَّالح الحسين

القصيدة من تأليف الشاعر الاميركي فيليب تيرمان وترجمة أماني لازار.

وكل ما هو منشور في هذه المدونة من ترجمتي أنا أماني لازار إلا ما يشار إليه بغير ذلك.

 

مثل انفجار مفاجئ

أو نوبة قلبيَّة،

 

تأتي قصائدك من

ذلك البلد الكسير.

 

أصمٌّ أبكم ووسيم،

قيل لي إنَّك “صريح، مثل

 

ويتمان ومولع

بالكحول والنِّساء-

 

نجمٌ شعري”. إلى أن

عُذِّبت وسُجنت، النُّدوب

 

النفسيَّة تغلغلت عميقاً.

يدَّعي أحد المصادر أنَّ موتك

 

نجم عن “الإهمال”، ويدَّعي آخر أنه:

“ناجم عن حزن ساحق للقلب”.

 

وجدك أصدقاؤك وحيداً

في شقَّتك متكوِّراً

 

على سريرك، ترتجف،

تهذي، مستجدياً

 

رشفة ماء. رياض،

لم يسمع عنك أحد

 

في بلادي. لكن

ها أنت ذا هنا: جميل

 

في هذه اللوحة المرسومة بالفحم:

شعر أسود وكثيف يشبه شعر لوركا،

 

وجه منحوت، عينان داكنتان،

وقورتان تحدِّقان

 

إلى ثمَّة كارثة وشيكة،

تغوص في محيط

 

صورك الخاصَّة: طيور، قنابل-

سوريا التعيسة مثل عظمة

 

بين أسنان كلب؛

كمشرطٍ في يد جراح.

 

رياض، تسافر كلماتك في النص،

الأصلي من اليمين إلى اليسار،

 

من شرقك الأوسط

إلى غربي الأوسط.

 

أيمكن لهذه التَّرجمة

أن تعيد إليك الصَّوت

 

الذي أعرته اهتمامك في خلوة روحك؟

أردت أن تبني غرفة

 

تتسع لألف صديق.

لا حدَّ لرغباتك-

 

جيب محشو بالأجراس،

زلزال من الحكمة؛

 

غيوم تحت سريرك. رياض،

أحاول أن أهذي معك،

 

لأعرف تلك الإيقاعات المتفجِّرة.

لكن ما الذي يجمعني بك، أنا الذي

 

نشأت على نص مقدسٍ آخر،

يعادي شعب كل منا الآخر،

 

يلعنان بعضهما البعض

لأجيال قادمة-

 

ذلك ما كان يمكن أن أستفسر عنه

لو قيِّض لنا الجلوس في غرفة مكتبي الصَّغيرة،

 

نحتسي الشَّاي في الضُّوء المتحوِّل

إلى ظلمة تتحوَّل إلى حلمٍ

 

يقول إنَّ كل شيء ممكن. رياض،

أردت أن تحرث المجرَّة،

 

أن تحيا بعدد الموتى، أن تضع

نهراً في السِّجن. هل هبطت شياطينك

 

عندما كنت تدخِّن سيجارة

مغمضاً عينيك؟

 

قليلٌ من الدَّهشة.

تلك التي أدوِّنها الآن، من بعدك.

 

موقع الشاعر الاميركي فيليب تيرمان:

موقع الشاعر فيليب تيرمان

Incontro con Italo Calvino

أنت ثرىً وموت.

أوانك العتمة

والصَّمت. ما من كائن

حي يزيدك نأياً

عن الفجر.

عندما تظهر للعيان

معمماً بالأسى

ذلك البادي في عينيك وفي دمك

لكنك لا تشعر به. أنت تعيش

مثل حجر حي،

مثل صلب الثَّرى.

وأنت مكسو بالأحلام

بحركات راجفة

تلك التي تتجاهلها. أسى

مثل مياه بحيرة

ترتعش محدقةً بك.

هناك حلقات على المياه.

تتركها لتتوارى.

أنت ثرى وموت.

3/12/1945

 

 

 

1

من مجموعة القصائد-القصص التي تحمل عنوان “صوت الضَّحك” تأليف إيلاهي راهرونيا.

إلى فتيات شارع الثَّورة

لا أعرف فيما إذا كان شارعاً أم مفترق طرق. كان شديد الازدحام لدرجة أنه كان من الصَّعب رؤية ما هو حولك. أتت موجات اللون من الجهات كثيفةً ورحيبة، حتى أنه كان ينبغي عليك دفعها جانباً بكلتا يديك كي تتمكن من التقدم. تذكرت العبور بأسراب الأسماك الملونة في المياه الدافئة. جاءت الفراشات من كل صوب بالعشرات. عشرات بألوان الأصفر والزهري والبرتقالي والأرجواني من فراشات كانت معلَّقة في الفضاء بدلاً من الهواء، كما لو أنه كان حفلاً لطهو الفراشات. كما لو أنه كان يوجد عدد هائل من القدور الكبيرة ملآى بالفراشات على سطح كل منزل، طهيت وأطلقت في الهواء مراراً وتكراراً.

لم يكن السَّير يسيراً، لذا فكرت أنه من الأفضل أن أطير. أطبقت ساقي وفتحت جناحي ولحقت بالفراشات. كنتَ أنت تقف في الجهة الأخرى من السَّاحة واضعاً يدك في جيبك. طويل القامة، بجسارة تزهو بصدرك الثخين، وبإيماءة من رأسك تطلب مني موافاتك. جئتُ إليك، جلست على كتفك مثلما اتَّخذ ببغاء جارتي من كتفها مجلساً له.

سألت: “جائعة؟”

أجبت: “جائعة وعطشى على حد سواء”.

سألت: “نبيذ أم رحيق؟”

أجبت: “كلاهما، إن لم يكن من إزعاج”.

ابتسمتَ تعرض شفتيك كما لو في تقدمة، وشربت كلاً من النبيذ والرحيق حدَّ الارتواء. عندما حلَّ الليل وضعتني في جيب صدرك، تسلقتَ شجرة هائلة ونمنا على غصن رحيب تحت ضوء القمر. في الصَّباح عندما استيقظنا، لم يكن هناك شيء، لا مدينة، ولا فراشة، لا شيء. كنت أنتَ فقط، شجرة وصحراء مترامية الأطراف وأنا. شعرنا بالخوف، أنا وأنت على حدٍّ سواء، نظرنا إلى الشَّجرة، على الأقل كانت تفوقك وتفوقني عمراً وعرفت الأسرار غير المكتوبة خيراً من كلٍّ منا. لكن صمت الشَّجرة وعنق ملوي أخبرنا أن السير في درب لا نهاية لها مقدر لنا.

بدأنا السَّير، قدمك على الأرض وقدمي في الهواء، مضينا وواصلنا المضي وزاد عطشنا عطشاً. كانت شفتاك متيبستين من العطش ولم يكن هناك من نبيذ أو رحيق. ووجدنا أن في مواصلة السير أملاً أكبر مما هو في الإقامة، لذا تابعنا مع أن جسدينا المتعبين كانا يفتقران إلى الحياة. إلى أن انهرتَ ورفرفتُ فوق جسدك المنهك والثِّقيل، في حين كان ذلك السُّؤال الشاسع والمتكرر يتنقَّل بين يدي ويديك مثل ليل ونهار.

“أين ذهبت الفراشات؟ ولماذا؟” وكنت أصفق بجسدي عند كتفيك لأمنعك من أن تتردى نحو موت هاجع.

أربعة عشر قرناً مرت ولا أزال أرفرف فوق كتفيك راجية أن تستيقظ مجدداً، أزيل الغبار الثقيل عن ملابسك رويداً رويداً بجناحي الصَّغيرين… إلى أن سقطت ذات يوم فراشة على الأرض من غيمة، ثم أخرى وأخرى… وبدأ ينهمر وابل الفراشات كالمطر. واكتسى جسدك بالفراشات. ذهبنا جميعاً إلى مخبأها الخفي تحت الأرض، ووجد كل واحد منا بتلة أو ورقة ليحمل قطرات الندى ويصبها قطرة قطرة في فمك الجاف ليوقظك. عبرنا أربعين سنة واحدة تغدو وأخرى تروح، أربعين مرة فارقنا الحياة ثم بعثنا من جديد باحثين عن النَّدى، في أربعين بحر وأربعين جبل وأربعين حقل إلى أن في نهاية السنة الأربعين انفجرت بالضَّحك وانبثق نبع فوَّار من النبيذ والرحيق من أسنانك البيضاء. تجمَّعت الفراشات تحت ذلك الغدق العذب وأنا التي كنت منهكة بشدة، أخرجت وسادتي من جيب صدرك، فرشتها على كتفك بهدوء وخلدت إلى النَّوم.

إيلاهي راهرونيا كاتبة إيرانية، فنانة بصرية، ومخرجة سينمائية. نشرت مجموعتين شعريتين ورواية وعدداً من المقالات النقدية في إيران. نشرت مجموعتها الشِّعرية الأولى عام 2001 في طهران، تبعتها روايتها الأولى ملك الزهرة الصَّفراء المنشورة عام 2007. مجموعتها الشِّعرية الثانية الإعلان عن بيع الحصان التركماني نشرت عام 2010. تقيم حالياً في النروج.

على الرابط التالي يمكن مشاهدة أحد أعمالها التي تندرج تحت مسمى الفن المفاهيمي أو الـ Conceptual Art:

 

 

 

 

 

 

رغبة-أماني لازار

  DSC00416

ممزَّقة بين قلقي ومخاوفي، بؤسي وعجزي، بين خبرٍ في الصَّباح عن انفجار شاحنة، وخبر بعد الظَّهيرة عن انفجار عبوةٍ ناسفة في حافلة عامَّة، بين حياتي الطَّويلة هنا التي لم تعد جديرة باسمها، حبيسةً انتقل من سجن البيت إلى سجن العمل، وأقطع بضع مئات من الأمتار لأصل إلى حافلة تقلُّني وأخرى تعيدني. وبين رغبتي بالسَّفر، العصيَّة على التَّحقق لأني لم أستطع اتِّخاذ القرار الصَّعب بتركِ كلَّ شيء ورائي، كل شيء لا أزال أعتقد بوجوده، واهمةً، ولأن السَّفر هرباً أو غرقاً يكلِّف مالاً لا أملكه، أزداد تمزقاً.. أجلس ساهمةً أنتزع ذلك الجلد المحيط بأظفاري واحداً واحداً حتى يسيل دمي لأتألَّم عبثاً وينزاح بعض الخدَر، ألمٌ ليس في وسعه أن يكون دليلاً على وجود ينبض بالحياة…
لم تكن مأساتي يوماً نابعة من ظروف الحرب، ربما هي حجَّة أتذرَّع بها كي لا ألقي باللوم على نفسي، أو هذا ما يظنه النَّاس فأسايرهم، لكن ظنهم هذا يجعلني أرى في كلماتهم شفقةً أكرهها فتزيد كراهيتي لنفسي. لأني أعرف تمام المعرفة أن مأساتي سابقة على الحرب ولن تنتهي بانتهائها، إنه جبني وترددي، خوفي وقلقي، وتعلُّقي وارتباطي بأشياءٍ وأناس تعلقاً زائفاً، بخيوط لا وجود لها إلا في خيالي، بل ربما أكثر من ذلك، خيوط أدّعي وجودها لأكذب على نفسي بوعي تامٍ مني.. أنا جبانة ولم أدافع يوماً عن أحلامي، ربما لأنه لم يكن لديّ أحلام لأدافع عنها بكل ما عندي من قوة، ولم أرغب يوماً في شيء إلى درجة تجعلني أسعى إلى نيله. يقولون: سافري، نعم أريد أن أسافر، هل حقاً أريد أن أسافر؟ لا أعرف، ربما لا أريد شيئاً، قد أفعل إذا ما جاء شخص من اللا مكان وقال لي: هيَّا احزمي أمتعتك لأننا مسافرون. لكن هذا الشَّخص لن يأتي لأنه غير موجود أصلاً ولن ينوجد يوماً. كل ما أعرفه أنني أكرهني وأن هذا الإحساس سيرافقني طويلاً جداً…

أعرف أني نموذج شخص لا يُقدم على الانتحار، يفكِّر فيه، نعم، لكن لا يقدم عليه. لماذا؟ الجواب ببساطة: لأني أخاف. ربما أخاف من الفكرة مجردة من مرأى الدَّم؛ ففكرة الانتحار ترتبط عندي بسكين ورسغ مقطوع وبركة من الدِّماء، أعلم أن هناك طرقٌ أخرى… أغمي عليَّ مرات عدَّة في حياتي لأسباب غريبة، مرة في المرحلة الإعدادية في درس العلوم عندما جاءت المُدرّسة بعين حيوان ما لتشرح لنا عن العين، مرة أخرى أغمي عليَّ عندما كنا نقف في الباحة مع زميلة لنا كانت تشرح كيف وقعت عن الدَّرج وأصيبت عينُها، أذكر المرة الأخيرة حدث هذا بعد مشاهدتي فيلم بعنوان “مائة وسبع وعشرون 127 ساعة”، كان وقع الإغماءة شديداً على أمِّي لظنها أني متّ، وظلت أسبوعاً كاملاً تقبلني وتضمني وتسألني عن السَّبب، مع أنها لم تكن معتادة على ذلك سابقاً! قسا قلبي مع مرور السَّنوات ولا سيَّما الأخيرة منها، رأيتُ جثثاً على قارعة الطَّريق وسمعتُ وشاهدتُ أخباراً كثيرة عن القتل والإصابات أتحاشاها قدر المستطاع لأني وإن لم أفقد الوعي فالكوابيس لن تفارقني أياماً طويلة. هكذا ولأسباب كثيرة، منها ما أجهله، لست شخصاً ينتحر ولكني أُجنّ، أشعر بأني أقرب ما يمكن إلى الجنون، وبأن الصَّرخة تقف في حلقي ولا يزال في وسعي أن أمنعها من الإفلات، لكنها بالتأكيد ستغدر بي يوماً وتتمكن من الخروج، حادَّة، مدويَّة، ونقيَّة. سأجنّ وأصرخ قائلة: “أيتها الحياة أريد أن أعيشك!” حينها ربما ستصلها صرختي، ولكن بعد فوات الأوان.

3قرنفلات

1

داعبتِ الريح

أوراق شجرة التُّفاح

لتسلِّي وحشتي

أوَّل الليل.

لطول ما وقفتُ

إلى النَّافذة

صارت صديقتي،

سألتها:

تُراهم لماذا يحكمون على ميْتٍ

بالسِّجن؟

لم تُحر جوابًا،

لكني رأيت على خدِّها

سيل الدُّموع.

2

لم نكن جالسين معًا في مقهى

لتنهض وتتركني هناك وحيدة.

ولم نتحدَّث على الهاتف

بعد أن أغلقته دوني.

لكنَّ كلماتك الأخيرة

التي قذفتني بها كانت رسائل مكتوبة

لا يزال رجع صداها يتردد في رأسي

مثل منشار يحزُّ جذع شجرة

جيئة وذهابًا.

أحاول عبثًا أن أجد فيها

نبرة مهادنة قد تشفُّ

عن بقايا حنوٍّ أو عاطفة

كما لو أنها حجر مصمتٌ في بئرٍ لا قرار لها.

3

رذاذُ نيسانَ، ضحكاتٍ طفولية في ليلِ السَّامرين‏

فرَح ٌشقيٌ، يحلو لهُ السَّهر.

الطلُّ الَّذي يهطلُ اليومَ-في أيَّار-

لهُ طعمُ الوجع

دافئ، كالشَّوقِ إليكَ.

برفقٍ يتهادى منَ السماء متبعثراً

كما أنا،

عندما لا يصلني بَريدُكَ…

4

رأيتُ صورتكَ على صفحةِ صديقنا المشترك

كان ثغركَ يفترُّ عن ابتسامةٍ عريضة

شعرت بالابتسامة ترتسم على وجهي

وغصَّت عيناي بالدموع

احتار قلبي، أيلهج بالشُّكر

على نعمة الأصدقاء المشتركين؟

أم يلعن الأقدار على سخريتها

وصار يجهش بالبكاء حينًا

ويضحك حينًا آخر

هكذا،

بتنا نسترق النَّظر على من كانوا

ينادون إذ ينادوننا

روحي، حياتي…

5

أيلول زار آذار أربعاً

وما زال

صدى صوتك يتردد في الأنحاء

تؤرجحه الرياح

وحيداً في عتمة ليل القرية

الرابضة على سفح الجبل البعيد

جنوباً،

عائداً من سهرة الرفاق

وعلى وقع خطواتك المرتجفة

فتاة حزينة تغني ألحان الحب.

6

كطفل صغير في خطواته الأولى

يحلو له العبث بكل شيء يقع تحت ناظريه

تمنعه، تجعل من جسدك حاجزاً

وفي هنيهة أقصر من رفة عين، يغافلك

ويجري، يجري سريعاً

حدّ الذهول…

كما دموعي تنسرب

لا أدري، من اليمين، والشمال

أعرف كيف تبدأ

كيف تبدأ فقط…

هي الجاردينيا التي بها سررت

7

خيمة

في فناءِ بيتنا الصَّغير،

اخترعتُ خيمةً صغيرة. ‏

ومنْ حولِها ما زالت قطراتُ المطرِ

‏ تتبعثر، ‏

هُنا، حيثُ لا يتَّسع المكان

إلاَّ لبعضِ أغنيات جيلبير بيكّو،

زهرةُ الجاردينيا التي زَرعتُها

‏ على اسمِكَ،

كتابٌ (اسمهُ أحمَر) ‏

كأسُ شايٍ بنكهةِ آيرل جراي،

كما تفضّله،

وأشواقٌ وحشيةٌ‏

أُروِّضها…‏

أجلسُ،

وأحلمُ بالحريَّة. ‏

8

وصلت دفعة صغيرة من كنزات الربيع،

شاهدت هذا الصباح، شجرة لوز

تفرك عينيها، تبتسم وترتدي واحدة!

9

رغبات

أن أمرَّ بك في المقهى
ساعة الغروب،

وأجلس بقربك حتى تنهي كوب
شايك البارد، ثم نمضي، يداً بيد
نذرع الدروب التي تضيئها
النجوم، كضالين
لا ينشدان هداية.

10

أهرع بشوق إلى
شجرة الكرز
وإذ بها تمنح نحلة قبلتها
ألتقط لهما صورة.

11

كان يا مكان
كان هناك فتاه بعد عودتها من المدرسة
تساعد أمها في غسيل أطباق وجبه الغداء
وهي تستمع إلى شريط كاسيت أزرق
وتبكي عندما يقول المغني
يا أم العيون حزينة تشبه سما الخريف..
حدث ذلك في تسعينات القرن الماضي
وكان اسم المغني هاني شاكر!

12

لماذا لا يأتينا البحر

عندما نشتاقه ولا يكون

في وسعنا الذهاب إليه؟

13

ها هو عمري يتقدم وحيداً مسرعاً أمامي
ويتركني طفلة تلهو بأرجوحة
شجرة التوت الكبيرة
في بيت الأجداد واسع الأرجاء
وقد فرقت أهلوه اليوم الرياح الأربع.

غداً، عندما تنتهي الحرب،

سأعلق في حديقتي أرجوحة
قد تنفع حبالها لتكون مشنقة
عندما يكف القلب عن التحليق!

 

 

14

كمن يحاول أن يصنع مقلباً صغيراً

فيضع العلب الصغيرة داخل العلب

الكبيرة ويغلفها لتبدو كالهدية،

هكذا، مجازاً كنت أصف حياتي

بسجون داخل سجون،

البلاد والمدن فالبيوت

وحتى أضيق الغرف

أما الآن فالسجن أضحى

حقيقة ولم يعد هناك

ما يثير الضحك أبداً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Didda & Sigur Rós – Dót

ألعاب

استعدتُ ذات مرة وعيي بنفسي

ممددةً على الأرض في ثمَّة ما يشبه المستودع

كانت الرفوف تزخر بالألعاب

ألعابٌ لها شكل ضفادع لأطفال حتى عمر ثلاثة أعوام

آلات بلاستيكية، دراجات بلاستيكية، ودمى

لها عيون مدوَّرة فارغة بكماء

كنت عاريةً هناك

وجسم ذكوري حاضر للاستلقاء فوقي

أعضاؤه التناسلية المتدلية أمسكت بمنفرجه

وكان طاعناً في السِّن كما لو أن اللحم كان مرمياً عليه

لم ألمس أطرافي

ولم أتمكَّن من تحريكها

كانت وجوه الأطفال وأجراس أشبه بنقيض صارخ لهذا الرجل العجوز الهائج

وحالما تمدد فوقي صعد القيء إلى حلقي

وانقلبتُ على جنبي

وتقيأت على الحصيرة البيضاء الناعمة المصنوعة من الفراء

نطق الرجل بشتيمة موبخاً إياي لأني لوثت السَّجادة

وشرع بتنظيفها

استعدتُ رباطة جأشي بطريقة ما ولم أمتلك فضلةً من طاقة لأنبس بكلمة

ليس حتى لأركل الرجل

والدمى جلست مستريحة وظريفة

ومقل عيونها ارتعشت في وجوهها عندما خرجتُ مترنحة.

Montgomery-Roth-03-23

كنت أتحدَّث ذات مرة مع فيليب روث عن سباحة الممرات، أمرٌ تبيَّن أن كلاً منا أحبَّ فعله، على الرغم من أنه استطاع السِّباحة مسافة أطول وعلى نحو أسرع مني بكثير. سألني: “بماذا تفكرين وأنت تقطعين كل مسافة؟” أخبرته بالحقيقة الرتيبة: “أفكر، المسافة الأولى، المسافة الأولى، المسافة الأولى، من ثم المسافة الثانية، المسافة الثانية، المسافة الثانية. وهلم جرا”. أضحكه ذلك. “هل تريدين أن تعرفي رأيي بالموضوع؟” أردت ذلك. “أختارُ سنة، لنقل العام 1953. ثم أفكر حول ما حدث في حياتي أو ضمن حلقتي الصَّغيرة في تلك السنة. ثم أنتقل للتفكير بشأن ما حدث في نيوارك، أو نيويورك. ثم في أمريكا. من ثم إذا كنت أقطع المسافة قد أبدأ بالتفكير بأوروبا، أيضاً. وهلم جرا”. أضحكني ذلك. الطاقة، المدى، الدِّقة، الاتساع، حب الاستطلاع، الإرادة، الذكاء. لم يكن روث في بركة السِّباحة مختلفاً عن روث الجالس إلى مكتبه الثَّابت. كان كاتباً حتى النُّخاع. لم يكن مخففاً بأمور أخرى كما هو الحال معنا نحن البقية، بصورة رحيمة. كان يكتب بإخلاص وكل ما فعله كان في خدمة الكتابة. تعلَّم، وكان بعد يافعاً، على غير العادة، ألا يكتب ليحمل الناس على أن يحسنوا به الظن، وألا يكتب كي يعرض للآخرين، من خلال القصص، النوع المناسب من الأفكار، فبالتالي يفكرون به على أنه الشخص المناسب.

قال يوماً: ” ليس الأدب مسابقة جمال أدبية”. لم يكن الأدب بالنسبة لروث أداة من أي نوع. كان الشيء الموقر لذاته. أحب القصّ و(بخلاف الكثيرين، نصف أو ثلاثة أرباع الكتاب) لم يكن يوماً خجلاً منه. أحبه في طيشه، في هزله، في فحشه، وفي استقلاليته المقدسة. هو لم يخلط يوماً بينه وبين أمور أخرى مصنوعة من الكلمات، مثل تصريحات عن العدالة الاجتماعية أو آراء شخصية، خطب صحفية أو سياسية، كلها حيوية وضرورية للحيوات التي نعيشها خارج القصص، لكن أياً منها ليست قصاً، وهو وسيلة يتعين عليها دوماً أن تجيز لنفسها، عندما لا تستطيع تلك الصيغ الأخرى، إمكانية التعبير بحميمية والحقائق المزعجة.

أدلى روث بالحقيقة دوماً-حقيقته، حقيقة ذاتية-من خلال اللغة ومن خلال الأكاذيب، المحركان التوأم في لبِّ الأدب المحرج. محرج للآخرين، وليس لروث أبداً. ذوات ثانية، ذوات زائفة، ذوات وهمية، ذوات بديلة، ذوات مروِّعة، جذلة، ذوات مخزية-رحب بها جميعاً. مثل جميع الكتاب، كان هناك أمور وأفكار تتجاوز إدراكه أو تصوره، امتلك نقاطاً مخفيَّة، أحكاماً مسبقة، ذوات تمكن من تخيلها جزئياً فقط، أو ذوات أساء فهمها أو وضعها في غير مكانها. لكن على خلاف الكثير من الكتاب، لم يتق إلى رؤيا تامة. عرف باستحالة الأمر. الذاتية محددة برؤيا الشخص، ومهمة الكتابة هي أن تبذل ما بوسعك مع ما تملك. استعمل روث كل نبذة صغيرة امتلكها. لم يكن هناك شيء مستبقى أو مصون من الكتابة، لا شيء مدخر لوقت الحاجة. كتب كل كتاب عزم على كتابته وقال كل شيء قصد قوله. بالنسبة لكاتب، ليس هناك مطمح أعظم من ذلك. أن تسبح الامتدادات الخمسة وثمانين في بركة السباحة من ثم تخرج دون أن تلتفت إلى الوراء.

في الوقت الذي التقيت فيه روث كان قد توقَّف عن الكتابة، كان يقرأ. التاريخ الأميركي بشكل حصري تقريباً، والموضوع الذي بدا أنه يهمه أكثر من أي شيء كان الاستعباد. كانت كتب حول الموضوع مكدسة على طاولة القهوة خاصته-كتب رسمية، متخصصة، ومبهمة-والكثير من قصص العبودية، بعضها مشهور ومعروف بالنسبة لي، سواها لم أسمع عنها من قبل، والتي اقترضتها أحياناً لأعيدها بعد شهر أو اثنين وأناقشها. كلما تحدثت مع أي شخص عن قراءة روث العلمية المفرطة، بدوا دوماً مندهشين، لكن بالنسبة لي كان أمراً متماسكاً مع الرجل وعمله. كان روث كاتباً وطنياً استثنائياً، لكن حبه لوطنه لم يفق أهمية أبداً أو حجب فضوله بشأنه. هو أراد دوماً أن يعرف أمريكا، في جمالها ووحشيتها المطلقة، وأن يرى صورتها الكاملة: المثل النبيلة، الواقع الدموي. لم يتوجب على الأمر أن يكون سليماً كي يشغله، وذلك سرى بشكل مضاعف على النَّاس، الذين في عالم روث لطالما عنوا حقاً شخصيات. الخلطة المكوَّنة من البديع والجامح الموجودة في الناس، المثالي والباطل، الجميل والقبيح، هي ما عرفه وفهمه وعفا عنه دوماً، حتى لو لم يسامحه الناس الذين كتب عنهم دوماً لملاحظته لهم. كان من المحتمل أن يقوده إلى الجنون القول بوجود شيء ممعن في القدم وحاخامي في هذا الانجذاب إلى التناقض والنقصان، لكني سأقوله بأية حال. طاقة بحتة-موهبة روث الرئيسية والخاصيَّة التي تشاركها مع أميركا ذاتها-هي ترِكتُه للأدب، ولسوف تكون دوماً موجودة، جاهزة ليُنهل منها أو لمزجها مع ثمَّة عنصر جديد من قبل شخص جديد. سوف تكون تلك الروح الروثيَّة-زاخرة بالناس والقصص والضَّحك والتَّاريخ والجنس والغضب-مصدراً للطاقة ما دام الأدب موجوداً. أول ما فكرت به بعد وفاته أنه كان واحداً من أكثر الناس حيوية ووعياً الذين التقيتهم أبداً، حتى النهاية. فكرة أن وعياً مثل ذلك تمكَّن في وقت ما من التوقف عن كونه واعياً! ومع ذلك ها هو محفوظ، في كتاب تلو آخر، حمداً لله.

 

عن مجلة النيويوركر.

 

 

terman-hatless

1

المهنة: شاعر

أليست مهمَّتي أن أتكاسل وأتَّكئ على الطَّاولة،

وأغفو في السَّاعات المضنية؟

أوَ لستُ أكسب أجراً مقابل أن أتحدَّث

على نحو غير ملائم، وأن ألزم الصَّمت

وأنا مزحوم بالعمل، وأن أتهرَّب من الاجتماعات؟

أوَ تفضِّلني مراعياً للمواعيد؟

عندما يأتي الثَّلج، نفحوني أجراً

لقاء أن أمدَّ لساني. عندما

عندما ينكسر المصباح، تتجلى مهمتي

في وصف الظلمة. لا تنتظر مني

أن أعود دوماً إلى الكرسي نفسه

مثلما يعود كلب إلى قدر الصَّفيح نفسه

في ركن الوجار. أنام

والآخرون سهارى، أستيقظ

والآخرون نيام. الجوع

هو المكوِّن الأكثر أهمية

في حميتي الغذائية. عندما تشير

إلى طائرة، أنا أحدق نحو القمر.

عندما تشير إلى القمر،

أحفر التراب بأسناني.

سوف أوقِّع على عريضتك بملحمتي الشِّعرية.

لا تتبعني إلا إذا كنت راغباً

بالذَّهاب إلى مكان آخر. لا

تتفاجأ إذا ما قابلت

قصاصكَ

بعناق. أو إذا ما كنت أدعي

أن كومة الرَّوث نعيماً.

أو إذا ما أسهبت بالكلام طويلاً بعد

نطق الريح لمرثيتها الأخيرة.

2

الصَّيف الذي قرأت فيه بروست

أوَ تتذكر الصَّيف الذي قرأتَ فيه بروست؟

في الأرجوحة الشَّبكية المعلَّقة إلى أشجار التُّفاح

اللائي تسلَّقتها بناتك، تندمج ظلالهنَّ

مع ظلال الأوراق

تنسكب على تلك العبارات الطَّويلة المضنية،

طوال الأصيل وحتى المساء-طيور أبو الحنَّاء،

طيور الزرياب، الكلب البعيد، الأرجحة من حين لآخر،

كيف تهدهدتِ السَّاعات جيئةً وذهاباً،

وذلك الكتاب الضَّخم يستحوذ عليك في عشِّه المحبوك-

لم تكتفِ من الصَّفحات، تمنَّيتَ

لو أنَّ ألف صفحة تضاف عند كل منعطف،

تجرُّك الكلمات إلى النَّوم، النَّوم

يوقظك على الكلمات، ذلك الصَّيف الذي قرأت

فيه بروست، الذي دام ما حييت.

فيليب تيرمان يقرأ القصيدة

3

 

في دار النَّقاهة، قدَّموا لأمي طعاماً محرماً

يضع الخادم طبق البطاطا الحلوة ولحم الخنزير المقدَّد أمام أمي، التي لم تتناول طوال حياتها سوى الطَّعام المباح، وفصلت الأجبان عن اللحم، الأطباق في خزائن منفصلة، الأواني الفضيَّة في أدراج متقابلة، تبعت طوال حياتها نصَّ القانون على قدر استطاعتها، أضاءت الشُّموع وفق الوصايا، ضفرت الخبز من أجل السَّبت، صامت كفارةً، كل يقظة ونهوض، على شرف والديها، طبقاً لمشيئة الله، الكلمات التي حفظتها غيباً، الحركات التي ورثتها وأورثتها-وما هي ذروة هذا التفاني؟

فيما مضى، في غرفتها الأشبه بصندوق، والشَّمس تجري من خلفها، شعر أشيب مبعثر على وجهها النَّحيل، تلقَّفت ذراعي وابتهلت: أنا ميتة. تهزها ريح لا مرئية. أنت لن تنساني؟ لا تنسني، بابا. كانت ابنتي، أنا من دفعها نحو المكان الذي وجدنا أنفسنا فيه فجأة-أسماؤنا تتحلل، علاقتنا-أم وطفل، جسد ينفصل وينجرف، كما تنجرف الآن عن الطَّبق الموضوع أمامها، عيناها تتحولان، من جانب إلى آخر، كما لو عن شيء لا يمكن التَّعرف إليه.

موقع الشاعر فيليب تيرمان

 

f79969fa44efe905e5a84962dd073ed7

في المكتبة-تشارلز سيميك

إلى أوكتافيو

يوجد كتاب يدعى

“قاموس الملائكة”.

لم يفتحه أحد منذ خمسين عاماً،

أعرف، لأني فتحته،

صرَّ الغلاف، الصَّفحات

تفتتت. وعندئذٍ اكتشفت

أن عدد الملائكة كان في السَّابق موفوراً

مثلما هو الحال مع أنواع الذباب.

لطالما كانت السَّماء عند

الغسق مثخنة بهم.

كان عليك التَّلويح بكلتا ذراعيك

كي تبقيهم بعيداً.

الشَّمس تشع الآن

عبر النَّوافذ الطويلة.

المكتبة مكان هادئ.

ملائكة وآلهة احتشدوا

في الكتب القاتمة غير المفتوحة.

السِّر العظيم يتوضَّع

على ثمَّة رفٍّ تمرُّ به الآنسة

جونز يومياً أثناء جولاتها.

قوامها ممشوق للغاية، لذا تميل

رأسها دوماً كما لو أنها تصغي.

الكتب تهمس.

لا أسمع شيئاً، لكنها تسمع.