Feeds:
Posts
Comments

دعتني صديقتي سوزانا لحضور الأمسية التي ستحييها في مكتبة بلدة هورنبك، Hornbæk التي تبعد عن مدينة إلسينور، Helsingør  حيث أقيم، مسافة12.8كم. تندرج هذه الفعالية ضمن ما يسمى أسبوع الأدب الشمالي Nordisk Litratureuge وتسمَّى غسق المساء أو Skumringsaften بالدنماركية، ويطلق عليها هذا الاسم بطبيعة الحال لأنها تقام في الوقت الذي يلي الغروب قبل حلول الظلام، وفيها يتم اختيار عملاً -عادة رواية-من الأعمال الأدبية الصادرة في دول الشمال أو الدول الاسكندنافية (الدنمارك، السويد، والنروج) لتقرأ في عدد من المكتبات العامة في أرجاء هذه البلدان في تاريخ ووقت محددين. هذا العام وقع الاختيار على قصَّة الكاتبة الدنماركية كارن بليكسن التي تحمل اسم “وليمة بابت”. وبما أني ترجمت هذه القصة عن اللغة الإنجليزية (التي كُتبت بها في الأصل) إلى اللغة العربية وصدرت عن دار الخان في الكويت العام 2018، اقترحت سوزانا مشكورة أن تقدمني للحضور وأن أقرأ مقطعاً ولو صغيراً منها بالعربية على مسامعهم.

تحكي وليمة بابت قصة امرأة فرنسية تهرب من مدينة باريس الثائرة في العام 1871 لتعمل مدبرة منزل في قرية صغيرة شمال النروج. بابت التي تتجاوز فنونها في الطهو متطلبات الخدمة تحضِّر بإخلاص وجبات بسيطة لأختين مسنتين تكرسان حياتيهما لخدمة الله. لكن ذات يوم تتسلم بابت رسالة تكسر روتين حياتها اليومية. تكسب 10 آلاف فرنك من ورقة يانصيب كانت لوقت طويل صلة وصلها مع فرنسا. تقرر بابت أن تبذل كل مالها لتحضير وجبة باذخة. سوف يتذكرها الجميع لوقت طويل.

وليمة بابت هي واحدة من أكثر قصص كارن بليكسن شهرة وتندرج ضمن أهم الأعمال في الأدب الدنماركي. أنتج في العام 1987 فيلماً مقتبساً عن القصة حمل الاسم نفسه وفاز بجائزة الأوسكار في العام 1988 عن فئة أفضل الأفلام الأجنبية.

كارن بليكسن (1885-1962) كاتبة دنماركية معروفة عالمياً أعمالها جزء من مجموعة المؤلفات الأدبية الدنماركية. كتبت باللغتين الدنماركية والانجليزية بالاسماء المستعارة ايساك دنسن، أوسكيولا، وبيير اندريزل. ولدت في رونغستيدلوند، Rungstedlund في الدنمارك لكنها عاشت ردحاً طويلاً من حياتها في إفريقيا حيث أدرات مزرعة للقهوة مع زوجها البارون برور فون بليكسن فينيكه. زواجها لم يكن سعيداً ومزرعة القهوة أفلست في العام 1932، لكن بعد عامين دخلت عالم الكتابة من خلال مجموعتها القصصية “سبع حكايات قوطية”. لا تزال هذه المجموعة القصصية من أشهر أعمالها بالإضافة إلى خارج إفريقيا. نشرت وليمة بابت باللغة الإنجليزية عام 1950 وباللغة الدنماركية في العام 1952. كانت كارن بليكسن روائية ذات أسلوب فني متميز ورشحت قصصها عدة مرات لنيل جائزة نوبل في الأدب لكن لم يحالفها الحظ.

جاءت سوزانا في الساعة السادسة مساء لتصحبني بسيارتها مع صديقها أولي، كان الجو بارداً والريح شديدة غير أن قرص القمر المكتمل أضاء دربنا إلى هورنبك القريبة. اعتادت صديقتي سوزانا أن تحيي هذا النوع من الأمسيات مدة 15 عشر عاماً منذ بداية هذا التقليد، أثناء عملها كأمينة مكتبة في مكتبة مدينة إلسينور، وهي لا تزال حتى الآن تقوم بذلك بحب رغم أنها أحيلت على التقاعد.

 

كان لطفاً منها في البداية أن تقدمني إلى الحضور باعتباري كنت الكاتب الضيف على مدينة السينور في عامي 2017 و2018 وتحدثهم عن ترجمتي للقصة ثم قرأت مقطعين صغيرين منها بالعربية. بعد ذلك قرأت سوزانا مقاطع طويلة مختارة من القصة لأن الوقت لا يتسع لقراءتها كلها، كما غنت صحبة صديقها اولي Ole وهو يعزف على الجيتار، العديد من الأغنيات الجميلة التي تنسجم موضوعاتها مع موضوع القصة، ومنها أغنيات من النروج والسويد بالإضافة إلى الأغاني الدنماركية. وفي الختام وبما أن الوليمة هي موضوع القصة، احتسينا كأساً صغيرة من النبيذ قدمته إلينا السيدة أمينة المكتبة على وقع الأغنية القديمة (بالتأكيد يمكننا أن نكون سعداء، Vi kan sagtens være glade) المستمدة جملتها الموسيقية الرئيسية من مينويت، Minuet موزارت وكتب كلماتها كاي روستغورد فرونيKay Rostgaard Frohne). يمكن الاستماع إلى الأغنية عبر الرابط التالي.
https://www.youtube.com/watch?v=e4f-o1WugZg

كنت قد التقطت بعض الصور كي تحفظ ذكرى هذه الأمسية اللطيفة ثم ودعت سوزانا واولي بعد أن أوصلاني إلى البيت وقلبي مفعم بالحب والامتنان على هذا الوقت الهانئ في صحبتهما، ووعدت نفسي قبل أي شيء أني سأكتب عن هذه الأمسية.
يمكن مشاهدة إحدى الأغنيات من أمسية البارحة على الرابط التالي:
https://youtu.be/aao-lBT8tgA

Sardines-Michael Goldberg

لماذا أنا لست برسَّام-فرانك أوهارا

أنا لست رساماً، أنا شاعر.

لماذا؟ أظن أني أفضِّل لو أكون

رساماً، لكني لست كذلك. حسناً،

على سبيل المثال، مايك غولدبرغ

يبدأ برسم لوحة. أمرُّ به.

يقول: “اجلس واحتسِ شراباً”.

أشرب، نشرب. أرفع

بصري. “أنت ترسم أسماك سردين فيها”.

“نعم، تطلب الأمر وجود شيء ما هناك”.

“أوه”. أذهب وتمضي الأيام

وأمر به ثانية. اللوحة

لم تُنه بعد، وأذهب، والأيام

تمر. أزوره. اللوحة

أنهيت. “أين أسماك السَّردين”؟

كل ما بقي مجرد

أحرف، ” كانت أكثر من اللازم”، يقول مايك.

لكن أنا؟ أفكر ذات يوم

بلون: البرتقالي. أكتب سطراً

عن البرتقالي. وسرعان

ما تمتلئ صفحة كاملة بالكلمات، وليس السُّطور.

ثم صفحة أخرى. لابد أن يكون هناك

المزيد، ليس من البرتقالي، من

الكلمات، عن كم مريع هو اللون البرتقالي

والحياة. وتمضي الأيام.  حتى أنه مكتوب

نثراً، أنا شاعر حقيقي. قصيدتي

منتهية ولم أشر

إلى اللون البرتقالي بعد. إنها اثنتا عشرة قصيدة، أطلق عليها اسم

برتقال. وذات يوم في معرض

أرى لوحة مايك، تحمل اسم سمك السردين.

James Baldwin poses at his home in Saint-Paul-de-Vence, France in 1979.

كومة الحجارة- جيمس بالدوين

ترجمتها عن الإنكليزية أماني لازار

مقابل منزلهم، على الجهة الأخرى من الشَّارع، كان يوجد كومة من الحجارة في قطعة أرض فارغة بين منزلين. كان وجود كتلة بارزة من الصَّخر الطبيعي مستغرباً في هذا المكان. شخص ما أخبرهم ذات يوم، ربما العمَّة فلورنس، بأمر الصَّخرة وعن عدم إمكانية إبعادها، فمن دونها كانت عربات التّرام تحت الأرض لتتطاير وتقضي في طريقها على حياة النَّاس جميعاً. كان هذا تفسيراً مثيراً للاهتمام إلى حدٍّ بعيد لتعرُّضه لثمَّة لغز طبيعي يتعلَّق بكل من سطح ومركز الأرض على حدٍّ سواء، وعلاوة على ذلك خلع على كومة الصُّخور أهميَّة غامضة لدرجة أن روي شعر أن من حقِّه، إن لم نقل من واجبه، أن يلعب هناك.

كان أولاد آخرون يتواجدون هناك كلَّ أصيل، بعد العودة من المدرسة ويومي السَّبت والأحد، ويتشاجرون على كومة الحجارة. هاجموا بعضهم بعضاً وتشبَّثوا بالقمم، ثابتي الأقدام وخطرين وطائشين، يختفون أحياناً في ظل الجانب الآخر في فوضى من الغبار والصُّراخ وبأقدام سائبة ومنقلبة. قالت والدتهم وهي تراقب ذات يوم من سلَّم النَّجاة: “أعجبُ من أنهم لا يقتلون أنفسهم. أيها الأطفال ابتعدوا عن هناك، هل تسمعونني؟” ومع أنها قالت “أطفال” إلا أنها كانت تنظر إلى روي حيث جلس إلى جانب جون على سلَّم النجاة. ثمّ واصلت: “يعلم الله أني لا أريدكم أن تعودوا إلى البيت نازفين في كل يوم يرسله الرَّب”. انزاح روي متبرماً وواصل التَّحديق نحو الشَّارع كما لو أنه يستطيع بهذا أن يحظى بجناحين. لم ينبس جون ببنت شفة، لم يتوجَّه إليه أحد بالكلام حقاً: كان فزعاً من الصَّخرة ومن الأولاد الذين يلعبون هناك.

جلس كل من جون وروي على سلَّم النجاة صباح كل يوم سبت وراقبا الشَّارع المحظور عليهما في الأسفل. جلست والدتهما أحياناً في الغرفة خلفهما، تخيط أو تلبس أختهما الصُّغرى أو تطعم الرَّضيع بول. هبطت الشَّمس عليهما وعلى سلَّم النَّجاة بفتور خيِّر وعالٍ، تحتهما رجال ونساء وأولاد وفتيات، جميعهم أشرار ومتسكعون، بين الحين والآخر مرَّ أحد أعضاء الكنيسة ورآهما فلوَّح لهما. ثم كانوا مُهابين لحظة لوحوا له باحتشام. راقبوا القدِّيس سواء كان رجلاً أو امرأة حتى اختفائه عن مرمى النظر. جعلهم عبور أحد المفتدين يحتسبون لخباثة الشَّارع مهما كان خاوياً، لخبثهما الكامن بالجلوس مكانهم وجعلهم يفكرون بوالدهما الذي يعود إلى البيت باكراً أيام السَّبت وقد يظهر قريباً جداً عند هذه الزاوية ويدخل الردهة المظلمة تحتهما.

لكن ريثما يأتي ويضع حداً لحريتهما، جلسا يراقبان ويتحرَّقان لهفة فوق الشَّارع. عند طرف الشَّارع الأقرب إلى منزلهما كان الجسر الذي عبر نهر هارلم وأفضى إلى مدينة تدعى برونكس حيث تقيم العمَّة فلورنس. برغم ذلك، عندما شاهداها قادمة لم تكن آتية من جهة الجسر، بل من الطرف المقابل للشارع. هذا فسرته تفسيراً ضعيفاً في اعتقادهما بالقول إنها استقلَّت المترو غير راغبة بالسَّير، وأنها علاوة على ذلك لم تقطن في ذلك الجزء من برونكس. لعلمهما أن برونكس تقع في الجهة الأخرى من النهر لم يصدِّقا هذه القصَّة قط، لكن بتبنيهما نحوها موقف والدهما، افترضا أنها غادرت للتو مكاناً آثماً لم تجرؤ على تسميته، صالة سينمائية على سبيل المثال.

سبح الأولاد في النَّهر في فصل الصَّيف، يغطسون عن السِّقالة الخشبية، أو يخوضون فيه انطلاقاً من ركام النفايات الصَّلبة. ذات يوم غرق فتى في النهر، كان يدعى ريتشارد. لم تعرف أمه بمكانه، حتى أنها جاءت إلى منزلهم لتسأل إذا كان هناك. ثمَّ في المساء، عند السَّاعة السَّادسة، سمعوا من الشَّارع صوت صراخ امرأة تولول وهرعوا إلى النوافذ وتطلعوا منها. في الشَّارع جاءت المرأة، أم ريتشارد تصرخ، وجهها مرفوع نحو السَّماء والدُّموع تجري عليه. سارت امرأة إلى جانبها تحاول أن تهدئ من روعها وأن تسندها. مشى خلفهما رجل، والد ريتشارد، وجسد ريتشارد بين ذراعيه.

كان هناك رجلا شرطة أبيضا البشرة يسيران في الميزاب، لم يبدُ عليهما أنهما يعرفان ما الذي ينبغي عمله. كان كلاً من والد ريتشارد وريتشارد مبتلَّين، وجسد ريتشارد يفترش ذراعي والده مثل طفل رضيع. ملأ صراخ المرأة الشَّارع، أبطأت السَّيارات وحدَّق ركابها، فتح الناس نوافذهم ونظروا منها وخرجوا مندفعين من الأبواب ليقفوا في الميزاب، يراقبون. ثم اختفى الموكب الصَّغير داخل المنزل الواقع إلى جانب كومة الحجارة. ثمَّ صرخت والدتهم اليزابيث: “يا رب، يا رب، يا رب!”، وأغلقت النَّافذة بعنف.

ذات يوم سبت، قبل ساعة من موعد مجيء والده إلى البيت، أصيب روي على الصَّخرة بجرح وحُمل صارخاً إلى الطابق العلوي. كان هو وجون جالسين على سلَّم النَّجاة وذهبت والدتهما إلى المطبخ لتحتسي الشَّاي مع الأخت مكَّندلس. شيئاً فشيئاً استبد الملل بروي وجلس إلى جانب جون في صمت متضجِّر، وجون بدأ يرسم في دفتره المدرسي إعلاناً صحفياً أبرز قاطرة كهربائية جديدة. مرَّ بعض أصدقاء روي تحت سلَّم النجاة ونادوا عليه. بدأ روي يتضجَّر، يصيح نحوهم عبر القضبان. ثم حلَّ صمت. رفع جون بصره. وقف روي يتطلع إليه.

قال: “أنا ذاهب إلى الأسفل”.

“من الأفضل أن تبقى حيث أنتَ يا فتى. أنت تعرف أن ماما لا تريدك أن تنزل”.

“سأعود. سوف لن تعرف حتى بأني ذهبت إلا إذا أخبرتها”.

“سوف لن أخبرها. ما الذي يمنعها من المجيء إلى هنا والنَّظر من النافذة؟”

قال روي وقد شرع بدخول المنزل: “إنها تتحدَّث”.

 “لكن أبي سوف يصل إلى المنزل عمَّا قريب!”

“سأعود قبل ذلك. ماذا دهاك حتى أصبحت على أشدِّك من الخوف طوال الوقت؟”

 كان بالفعل في المنزل والتفت الآن، يستند على عتبة النَّافذة، ليقسم بفارغ الصَّبر: “سأعود في غضون خمس دقائق”.

راقبه جون بحنق عندما فتح الباب بحذر واختفى. خلال لحظة رآه على الرصيف مع أصدقائه. لم يجرؤ على إخبار والدته أن روي غادر سلَّم النَّجاة لأنه وعد بالفعل ألا يفعل. بدأ يصيح: تذكَّر، قلت خمس دقائق! لكن واحد من أصدقاء روي كان ينظر عالياً نحو سلَّم النجاة. نظر جون نحو كتابه المدرسي: وانهمك ثانية في موضوع القاطرة.

عندما رفع بصره ثانية لم يعرف كم مضى من الوقت، لكن الآن كان هناك زمرة تتشاجر على كومة الحجارة. تقاتل عشرات الأولاد في الشَّمس اللاذعة: يتسلَّقون الصُّخور بجهد ويتقاتلون بالأيدي، أحذية بالية تنزلق على الصَّخرة الزلقة، يملؤون الهواء الصَّافي باللعنات والصَّرخات المتهللة. ملأوا الهواء أيضاً بالأسلحة الطائرة: الحجارة، العصي، علب الصَّفيح، القمامة، أي شيء يمكن أن يلتقط ويرمى. راقب جون بنوع من الدَّهشة الذَّاهلة-إلى أن تذكَّر أن روي كان لا يزال في الأسفل، وأنه كان واحداً من الأولاد على الكومة.

ثم دهمه الذُّعر، لم يتمكن من رؤية أخيه بين الأجسام في الشَّمس، ووقف يتَّكئ على سياج سلم النجاة. ثم ظهر روي من الجانب الآخر للصخرة، رأى جون أن قميصه كان ممزقاً، كان يضحك. تقدَّم إلى أن وقف عند أعلى قمَّة كومة الحجارة.

ثم طار شيء ما في الهواء، علبة صفيح فارغة، وضربته على جبهته، فوق العين تماماً. في الحال سال الدَّم على جانب من وجه روي، فسقط وتدحرج على وجهه على الصُّخور. ثم للحظة لم يكن هناك حركة على الإطلاق ولا صوت، حطت الشَّمس محتجزة على الشَّارع والرصيف والأولاد المحتجزين. ثم صرخ أحدهم أو صاح، بدأ الأولاد يهربون على الشَّارع نحو الجسر. بدأ الجسم على الأرض يصرخ وقد التقط أنفاسه وتحسس دمه. صاح جون: “ماما! ماما!” وركض إلى الدَّاخل.

“لا تقلق، لا تقلق”، لهثت الأخت مكندلس عندما هرعوا على الدَّرج المتأرجح الضَّيق المعتم، “لا تقلق. ما من صبي إلا ويصاب بين الفينة والأخرى. يا رب!” أسرعوا في الشَّمس. كان رجل قد جاء بروي والآن سار ببطء نحوهم. جلس ولد أو اثنان بصمت على شرفتهما، عند طرفي الشَّارع كان هناك جمع من الصِّبية يراقبون. قال الرجل: “لم يتأذَّ كثيراً، ما كان ليحدث هذا النَّوع من الضَّجة لو كان مصاباً بسوء حقاً”.

متهدِّجة، مدَّت اليزابيت يديها لتأخذ الولد، لكن الأخت مكَّندلس، أضخم جثةً منها وأهدأ، أخذته من الرجل ورمته على كتفها، ربما كما تعاملت سابقاً مع كيس من القطن. قالت للرجل: “بارك الله فيك، بارك الله فيك يا بني”. كان روي لا يزال يصرخ. وقفت اليزابيت خلف الأخت مكَّندلس لتتطلع نحو وجهه الدامي.

ظلَّ الرجل يقول: “إنه مجرَّد جرح بسيط، مجرَّد خدش سطحي، هذا كلُّ شيء”. كانوا يتقدَّمون عبر الرصيف نحو المنزل. نظر جون دون خوف الآن من الأولاد المحدقين نحو الزاوية ليرى إذا كان والده في مرمى النظر.

في الأعلى، هدَّأوا بكاء روي. غسلوا الدَّم ليجدوا النُّدبة المسنَّنة السَّطحية فوق الحاجب الأيسر تماماً. تمتمت اليزابيت: “يا رب ارحم، بوصة أخرى وكانت الإصابة في عينه” ونظرت بقلق نحو السَّاعة. قالت الأخت مكندلس المنشغلة بالضَّمادات واليود: “هذا ليس صحيحاً”.

سألت والدته أخيراً: “متى نزل إلى تحت؟”.

جلست الأخت مكَّندلس الآن تروِّح لنفسها في الكرسي المريح، عند رأس الأريكة التي يستلقي عليها روي مكبَّلاً وصامتاً. توقفت للحظة تنظر بحدَّة نحو جون. وقف جون قرب النافذة يمسك بإعلان الصَّحيفة والرسم الذي أنهاه.

قال: “كنَّا جالسين على سلَّم النَّجاة، نادى عليه عدد من الأولاد الذين يعرفهم “.

“متى؟”

“قال إنه سيعود في غضون خمس دقائق”.

“لماذا لم تخبرني بأنه نزل؟”

نظر إلى يديه تشبكان دفتره ولم يجب.

قالت الأخت مكَّندلس: “يا ولد، هل تسمع والدتك تتحدث إليك؟”

نظر إلى أمه وردَّد:

“قال إنه سوف يعود خلال خمس دقائق”.

قالت الأخت مكَّندلس بازدراء: “قال إنه سيعود خلال خمس دقائق، لا تنظر إليَّ كما لو أن ذلك ليس جواباً صحيحاً. أنت رجل المنزل، يفترض بك الاعتناء بإخوتك وأخواتك الصِّغار-لا يفترض بك أن تدعهم يفرون ويعودون نصف مقتولين. لكني أتوقع”، أضافت وهي تنهض عن الكرسي، مسقطة المروحة المصنوعة من الورق المقوَّى، “والدك سوف يحملك على قول الحقيقة. والدتك متساهلة جداً معك”.

لم ينظر إليها بل نحو المروحة التي حطَّت على المقعد المنخفض الأحمر القاني حيث كانت تجلس. أعلنت المروحة عن مرهم عطري للشعر مرسوم عليها امرأة سمراء ورضيعها، لكليهما شعر لماع وهما يبتسمان بسعادة لبعضهما البعض.

قالت الأخت مكندلس: “عزيزتي، يجب عليَّ أن أنطلق. ربما أمرُّ لاحقاً الليلة. لا أظن أنك ستذهبين إلى تاري سرفيس الليلة؟”

تاري سرفيس هو لقاء الصَّلاة الذي يعقد كل ليلة سبت في الكنيسة للشد من أزر المؤمنين وتحضير الكنيسة للقادم من الروح القدس يوم الأحد.

قالت اليزابيت: “لا أظن ذلك”. نهضت وتبادلت مع الأخت مكَّندلس القبل على الخدود. “لكن احرصي على أن تذكريني في صلواتك”.

” سوف أفعل ذلك قطعاً”. توقَّفت ويدها على قبضة الباب ونظرت نحو روي وضحكت قائلة: “مسكين الرجل الصَّغير، أظن أنه سوف يكون راضياً بالجلوس على سلم النجاة الآن”.

ضحكت اليزابيت معها. “من المؤكد أنه لابد أن يكون درساً له” ثم سألت بعصبية وهي لا تزال تبتسم، “تظنين أنه سوف يحتفظ بتلك الندبة، أليس كذلك؟”

قالت الأخت مكَّندلس: “يا رب، لا، لا شيء سوى خدش. يا أخت جريمز أنت أسوأ من طفل. عدة أسابيع أخر ولن تكوني قادرة على رؤية ندبة. لا، اذهبي وتابعي عملك المنزلي يا عزيزتي، واشكري الرب أن الأسوأ لم يحدث “. فتحت الباب فسمعوا صوت وقع أقدام على الدَّرج. قالت الأخت مكندلس برباطة جأش: “أتوقع أن هذا هو الكاهن، أراهن أنه سوف يثير شغباً”.

قالت اليزابيت: “ربما هي فلورنس. تأتي أحياناً إلى هنا في مثل هذا الوقت”. وقفتا في المدخل تحدقان بينما وصلت الخطوات إلى بسطة السُّلم في الأسفل وبدأت مجدداً تصعد إلى طابقهم. قالت اليزابيت حينئذ: “لا، تلك ليست مشيتها. هذا غابرييل”.

قالت الأخت مكَّندلس: “حسناً، أنا سوف أمضي وأمهد له سماع ما حدث” ضغطت على يد اليزابيت وهي تتحدث وحدَّقت نحو الصَّالة تاركة الباب خلفها موارباً قليلاً. التفتت اليزابيت ببطء عائدة إلى الغرفة. لم يفتح روي عينيه أو يتحرك، لكنها عرفت أنه لم يكن نائماً، تمنَّى أن يؤجل حتى آخر لحظة ممكنة أي اتصال مع والده. وضع جون صحيفته وكتابه على الطاولة ووقف ينحني على الطاولة، يحدق فيها.

قال: “لم يكن خطئي، لم أستطع منعه من النزول إلى الأسفل”.

قالت: “لا، ليس هناك ما يستدعي القلق. أخبر والدك الحقيقة وحسب”.

نظر مباشرة نحوها والتفتت إلى النافذة تحدِّق نحو الشَّارع. ماذا كانت تقول الأخت مكندلس؟ ثم سمعت من غرفة نومها نواح دليلة الخفيف والتفتت مقطِّبة تنظر نحو غرفة النَّوم ونحو الباب الذي لا يزال مفتوحاً. عرفت أن جون كان يراقبها. واصلت دليلة النَّحيب، فكَّرت بغضب الآن: تلك الفتاة أصبحت كبيرة جداً على ذلك، لكنها خشيت من أن توقظ الطفلة شقيقها بول وأسرعت إلى غرفة النَّوم. حاولت أن تهدئ دليلة لتعود إلى النَّوم. ثم سمعت الباب الأمامي يفتح ويغلق-بصوت مرتفع جداً رفعت دليلة صوتها، وحملت اليزابيت الطفلة مطلقة تنهيدة تنم عن الغيظ، طفلتها وطفلة غابرييل، أطفالها وأطفال غابرييل، روي، دليلة، بول، كان جون فقط بلا اسم وغريباً، دليل حي ومبرم على أيام والدته في الرذيلة.

سأل غابرييل: “ما الذي حدث؟”. وقف ضخماً في زاوية الغرفة يتدلى صندوق الغداء الأسود من يده ويحدِّق نحو الأريكة التي يستلقي عليها روي. وقف جون أمامه تماماً، بدا لها منظراً مدهشاً تحته تماماً، تحت قبضته، فردة حذائه الثقيلة. حدَّق الطفل بالرجل بافتتان ورعب-عندما رأت فتاة أرانب تقف مشلولة تماماً أمام كلب ينبح. أسرع غابرييل إلى الأريكة يشعر بثقل دليلة بين ذراعيه مثل ثقل ترس ووقف عند روي قائلاً:

“لا شيء لتقلق بشأنه، غابرييل. تسلل هذا الصبي إلى الأسفل بينما كنت أدير ظهري وجرح نفسه قليلاً. هو بخير الآن”.

فتح روي عينيه، كما لو مؤكداً الآن ونظر بهيبة نحو والده. رمى غابرييل صندوق غداءه مصدراً قعقعة وركع إلى جانب الأريكة.

“كيف تشعر يا بني؟ أخبر والدك بما حدث؟”

فتح روي فمه ليتحدَّث ثم عاد إلى سابق حاله من الذعر وبدأ يبكي. أمسك والده بكتفه.

“أنت لا تريد أن تبكي. أنت رجل والدك الصَّغير. أخبر والدك بما حدث”.

قالت اليزابيت: “نزل إلى الأسفل حيث لم يكن لديه ما يفعله هناك وتشاجر مع أولاد أشرار يلعبون على كومة الحجر. هذا ما حدث وإنها لرحمة أنه لم يحدث ما هو أسوأ”.

تطلَّع نحوها: “ألا يمكنك أن تدعي هذا الولد يجيبني بنفسه؟”

متجاهلة هذا تابعت بلطف أكبر: “جرح جبهته، لكن لا شيء يثير القلق”.

“ألن تتصلي بطبيب؟ كيف تعرفين أن لا شيء يستدعي القلق؟”

“هل حصلت على المال ليرمى على الأطباء؟ لا، لن أتصل بأي طبيب. نظري سليم ويمكنني أن أميز فيما إذا أكان مصاباً إصابة شديدة أو لا. لقد خاف أكثر من أي شيء آخر وينبغي عليك أن تصلي لله أن يلقنه درساً”.

قال: “لديك الكثير لتقوليه الآن، لكن سيكون لدي ما أقوله في غضون دقيقة. سأرغب بمعرفة متى حدث كل هذا، ماذا كنت تفعلين بعينيك حينها”. عاد ليلتفت نحو روي الذي تمدد ينتحب بهدوء عيناه مفتوحتان باتساع وجسده متصلب: والآن عند ملمس والده تذكر الصَّخرة العالية الشَّاهقة المنزلقة تحت قدميه، الشَّمس، توهج الشَّمس، اندفاعه في الظلمة ودمه المالح، ومرتداً بدأ بالصراخ عندما مسَّ والده جبهته.

دندن والده وهو يهتز: “اهدأ، اهدأ، اهدأ. لا تبكِ. والدك لن يؤذيك، هو يريد فقط أن يرى هذه الضَّمادة، أن يرى ما فعلوه بهذا الرجل الصَّغير”. لكن روي واصل الصُّراخ وما كان ليهدأ وغابرييل لم يجرؤ على أن يرفع الضَّمادة خوفاً من أذيته أكثر. ونظر إلى اليزابيت بحنق: “ألا يمكن أن تضعي تلك الطفلة وتساعديني مع هذا الولد؟ جون، خذ أختك الصغيرة من أمك-لا يبدو على أي منكما أن لديه حس جيد “.

أخذ جون دليلة وجلس معها في الكرسي المريح. مالت أمه على روي، وضبطته، بينما رفع والده بعناية-لكن مع ذلك صرخ روي -الضِّمادة وحدق بالجرح. بدأ نشيج روي يخفت. أعاد غابرييل تعديل الضمادة. قالت اليزابيت أخيراً: “كما ترى، هو ليس على وشك أن يموت “.

“من المؤكد أنه ليس خطؤك كونه ليس ميتاً”. هو واليزابيت تأملا بعضهما للحظة في صمت. “كان يمكن أن يفقد عينه. بالتأكيد، ليست عيناه واسعتين مثل عينيك، لذا افترض أنك لا تظنين بأن هذا يهم كثيراً”. عند هذا جمد وجهها، ابتسم وقال: “يا رب ارحم، تظنين أنت ستتعلمين أن تفعلي الصواب؟ أين كنت عندما حدث كل هذا؟ من سمح له بالنزول؟”

“لم يسمح له أحد بالنزول إلى الأسفل، لقد ذهب وحسب. لديه رأس مثل والده تماماً، عليه أن يتحطم قبل أن يذعن. كنت في المطبخ”.

“أين كان جوني؟”

“كان هنا؟”

“أين؟”

“كان على سلَّم النجاة”.

“ألم يعلم أن روي كان في الأسفل؟”

“أظنُّ ذلك”.

“ماذا تعني بأنك تظنين ذلك؟ هو لم يرث عينيك الواسعتين عبثاً، صحيح؟” تطلَّع نحو جون.

“يا ولد، أنت ترى أخاك يذهب إلى الأسفل؟”

“غابرييل، لا معنى لمحاولة إلقاء اللوم على جوني. أنت تعلم تماماً أن هناك مشكلة في دفع روي لأن يحسن التصرف، هو لن يصغي إلى أخيه. هو لا يصغي إليَّ إلا بالكاد”.

“كيف حدث أنك لم تخبر والدتك أن روي كان في الأسفل؟”

لم يقل جون شيئاً، محدقاً نحو الغطاء الذي غطى دليلة.

“يا ولد، هل تسمعني؟ تريدني أن أجلدك؟”

قالت: “لا، لن تفعل، لن تجلد هذا الولد بالسوط، ليس اليوم، ما من أحد يلام على استلقاء روي هناك الآن سواك-أنت لأنك أفسدته فهو يظن أنه يمكن أن يفعل أي شيء وينجو بفعلته. أنا هنا لأقول لك إنها ليست طريقة لتنشئة أي طفل. أنت لا تصلي للرب كي يساعدك على أن تتصرف بشكل أفضل مما كنت تفعل، أنت ستعيش لتذرف دموعاً مريرة لأن الله لم يأخذ روحه اليوم”. وكانت ترتجف.

تقدَّمت غير مبصرة من جون وأخذت دليلة من ذراعيه. عادت لتنظر إلى غابرييل الذي كان قد نهض ووقف قرب الأريكة يحدق نحوها. ووجدت في وجهه ليس الغضب فقط الذي ما كان ليثير استغرابها، لكن الكره عميقاً جداً ليصبح لا يطاق في افتقاره للشخصية. كانت عيناه زاخرتين لا تتحركان، تغشاهما الضغينة-شعرت بتوقه ليشهد هلاكها مثل جذب الأرض عند قدميها. ثانية حركت الطفلة في ذراعيها كما لو كان استرضاء. وعند هذا تغيرت عيناه، نظر إلى اليزابيت أم أولاده، الزوجة التي منحها له الرب. ثم غامت عيناها، تحركت لتغادر الغرفة فعلقت قدماها بصندوق الغداء الموضوع على الأرض.

قالت: “جون، احمل صندوق غداء والدك كما ينبغي لولد صالح أن يفعل”.

 سمعت من خلفها حركته الزاحفة عندما غادر الكرسي المريح، حفيف وخشخشة صندوق الغداء عندما رفعه، حانياً رأسه الدَّاكن قرب مقدِّمة فردة حذاء والده الثقيل.

أغذية محفوظة للحياة

أولغا توكارتشوك

ترجمتها عن البولندية أنطونيا ليولد جونز

ترجمتها عن الإنكليزية أماني لازار

عندما توفيت أقام لها جنازة لائقة. حضرت جميع صديقاتها وهنَّ سيدات مسنات قبيحات يعتمرن قبعات البيريه ويرتدين معاطف شتوية مع ياقات من فراء حيوان الكيب فاحت برائحة كرات النَّفتالين، تبرز رؤوسهن منها مثل زوائد ممتقعة اللون وكبيرة. شرعن يعولن ببراعة عندما أنزل النعش يتدلى على حبال مشبعة بمياه المطر، ثم توجهنَّ محتشدات في مجموعات صغيرة تحت قباب مظلاتهن المثنية والمزينة بصورة لا تصدق إلى محطات حافلتهن.

ذلك المساء ذاته فتح الخزانة التي حفظت فيها وثائقها وبحث هناك غير عارف عمَّ كان يبحث. أموال. حصص سرية. قراطيس مالية لأجل عمر الشيخوخة تماماً، معلن عنها دوماً على شاشة التلفاز بصحبة مشاهد خريفية تعج بأوراق الأشجار المتساقطة.

كان كل ما وجده عدد من كتيبات التأمين قديمة من سنوات الخمسينات والستينات، بطاقة عضوية حزب تخص والده الذي توفي العام 1980 وهو مؤمن ايماناً لا تشوبه شائبة أن الشيوعية كانت نظاماً خالداً وخارقاً للطبيعة وأيضاً رسوماته من مدرسة الحضانة محفوظة بعناية في مجلد من الورق المقوى مربوط بشريط من المطاط. كان مؤثراً أنها احتفظت برسوماته-ما كان ليتخيل هذا على الإطلاق. كان هناك أيضاً دفاترها ممتلئة بوصفات لصنع المخللات والصلصات والمربَّيات. بدأت كل واحدة على صفحة مستقلة وكان اسم كل واحدة مزيناً بزخارف بسيطة-تعبير مطبخي عن الحاجة إلى الجمال. “مخلل مع الخردل”. ” منقوع القرع à la Diana إلى ديانا”. “سلطة آفنيون”. “فطر البوليتوس على الطريقة الكريولية”. كان هناك أحياناً انحرافات ثانوية: على سبيل المثال “جيليه قشر التُّفاح” أو “عَلَم حلو في السُّكر”.

هذا حثَّه على التَّفكير بالنزول إلى القبو-لم يكن قد نزل إليه منذ سنوات. لكنها كانت تسر لقضاء الوقت هناك في الأسفل، بطريقة ما هو لم يسبق له أن توقف على الإطلاق للتساؤل حول هذا الأمر. كلما فكَّرت أنه كان يشاهد المباراة بصوت مرتفع جداً، كلما بدت دمدمتها الواهنة سدى، كان ليسمع خشخشة المفاتيح ثم باب يصطفق وكانت لتختفي لوقت طويل للغاية، وقت سعيد. في هذه الأثناء كان ليسلِّم نفسه بسعادة لعمله الأثير: إفراغ علبة بيرة تلو الأخرى وهو يتابع فريقين من الرجال يرتدون قمصاناً ملوَّنة عندما تحركوا من نصف الملعب إلى نصفه الآخر.

بدا القبو مرتَّباً للغاية. هنا انبسط حصير صغير مهترئ-أوه نعم، تذكره من الطفولة وهنا انتصب كرسي مخملي وعليه غطاء منسوج مطوي بأناقة. كان هناك أيضاً مصباح ليلي وبعض الكتب التي قرئت حتى تهرأت. لكن كان للرفوف الممتلئة بمرطبانات المحفوظات القشيبة الوقع الأكبر عليه.  ملصق على كل واحد منها بطاقات عاودت الظهور عليها أسماء من الكراس. “خيار صغير في ماء ساتسيا المالح، 1999″، ” مقبلات الفليفلة الحمراء، 2003″، “دهن السيدة ز”. بدت بعض الأسماء غامضة: “خيوط الفاصولياء المعلبة”. لم يتمكن طوال عمره أن يفكر بمعنى “معلَّب”[1] لكن مرأى الفطر الباهت أو الفليفلة الحمراء قانية اللون محشورة في مرطبان كبير أثار رغبته بالحياة. أنعم النظر في مجموعة المحفوظات لكن لم يتمكن من إيجاد أية ملفات مليئة بالأوراق مخفية خلفها أو أية أوراق مالية ملفوفة. بدت كما لو أنها ما تركت له أي شيء.

لقد وسَّع مكان سكنه نحو غرفة نومها- رمى الآن ملابسه القذرة وخزَّن صناديق البيرة هناك. من حين إلى آخر حمل واحداً من صناديق الأغذية المحفوظة إلى الطابق الأعلى، فتح مرطباناً بفتلة مفردة من يده وأخرج المحتويات بواسطة شوكة. بيرة ومكسرات اختلطت مع الفليفلة المخللة أو خيار صغير غضٌّ مثل الأطفال الرضع، طعمه رائع. جلس أمام التلفزيون يتأمَّل حالته الجديدة في الحياة، حريته الجديدة، وشعر كما لو أنه اجتاز للتو الامتحانات المدرسية النهائية وأن العالم كله فتح له أبوابه. كما لو أن حياة جديدة أفضل كانت تبدأ. كان الآن في خريف العمر-بلغ السنة المنصرمة الأربعين من عمره-لكنه شعر بأنه شاب مثل متخرج من المرحلة الثانوية.

وعلى الرغم من أن المال من مرتب تقاعد والدته الأخير كان ينفد تدريجياً، كان لا يزال يملك الوقت ليتخذ القرارات الصائبة-في هذه الأثناء كان يأكل ببطء ما تركت له من ميراث. على أحسن تقدير كان يشتري الخبز والزبدة والبيرة. بعد ذلك ربما كان حقاً ليبحث عن عمل، شيء كانت تناكده بشأنه خلال آخر السنوات العشرين الأخيرة. قد يذهب إلى مكتب العمل-لا بد أنهم سيجدون شيئاً يناسب حاصلاً على الشهادة الثانوية يبلغ من العمر أربعين عاماً مثله. ربما يتأنق في البدلة الخفيفة التي كوتها بإتقان وعلقتها في خزانة الملابس وقميص أزرق يتلاءم معها ويتوجه إلى البلدة. طالما لم يكن هناك مباراة تعرض على التلفزيون.

ومع ذلك افتقد خطى خفيها المتثاقلة، كان قد اعتاد على ذلك الحفيف الرتيب، مصحوباً عادة مع صوتها الهادئ وهي تقول: “ألا يمكنك أن تمنح نفسك استراحة من ذلك التلفزيون، ألا يمكنك الذهاب للقاء بعض الناس، ألا يمكنك أن تلتقي بفتاة؟ هل تنوي أن تمضي بقية حياتك هكذا؟ يجب أن تجد شقة لنفسك-لا يوجد مكان كاف لكلينا هنا. الناس تتزوج، تنجب أطفالاً، اذهب في عطلة تخييم واجتمع بالناس في حفل شواء. أما عنك، ألا تشعر بالعار أن تعتني بك امرأة مسنة ومريضة؟ بداية والدك والآن أنت-ينبغي عليَّ أن أغسل وأكوي لك ثيابك وأحمل جميع الحاجيات من السُّوق إلى البيت. هذا التلفزيون دوماً يزعجني، لا أستطيع النوم، لكنك تجلس أمامه حتى الفجر. بحق الأرض ما الذي تشاهد طوال الليل؟ كيف أنك لا تشعر بالملل منه أبداً؟” كانت لتكرر هذا بتلك الطريقة لساعات بلا توقف، لذا اشترى لنفسه سماعات. كان ذلك حل من نوع ما-لم تتمكن من سماع التلفزيون، وهو لم يتمكن من سماعها.

لكن الآن بد هادئاً للغاية. غرفتها التي كانت في السابق مرتبة وأنيقة تعج بمناديل المائدة وخزائن الزجاج انكمشت تحت أكوام من صناديق الورق المقوى، ثم أخذت تصبح ممتلئة برائحة غريبة-لشراشف بالية، جص لعقته ألسنة الفطريات، ومكان مطوق-مع عدم وجود منافذ لتتدفق وتتخمر. ذات يوم بينما كان يبحث عن مناشف نظيفة وجد مجموعة كاملة أخرى من المرطبانات في أسفل خزانة الملابس، كانت مخفية تحت أكداس من الشراشف أو استقرت بين لفائف الصُّوف مثل موالين، الطابور الخامس من عالم المرطبانات.

ألقى بنظرة دقيقة عليها-أنها تختلف عن المرطبانات في القبو من ناحية القِدم. كانت الكتابة على البطاقات باهتة قليلاً والسنتان 1991 و1992 تكررتا غالباً، لكن كان هناك بعض العينات المنفردة أكثر قدماً-1983، وواحد من العام 1978. ذلك ما سبَّب الرائحة الكريهة. الغطاء المعدني أصابه الصدأ وسمح للهواء بالدُّخول. أي يكن ما استخدم سابقاً ليكون المرطبان تحول الآن إلى كتلة بنية. رماه بعيداً في اشمئزاز.

ظهرت كتابات مشابهة على البطاقات: “يقطين في هريس الزبيب” أو “زبيب في هريس القرع”. كان هناك أيضاً خيار صغير صار لونه أبيض تماماً. لكن كان هناك الكثير من المرطبانات الأخرى التي ما كان ليستطيع التعرف على محتوياتها، عداك عن بطاقات التسمية الكريمة والمهذَّبة. أصبح الفطر المخلل هلاماً داكناً مبهماً، المربيات خثرة سوداء. تصلب معجون كبد الإوز وتحوَّل إلى قبضات صغيرة منكمشة. وجد المزيد من المرطبانات في خزانة الأحذية وفي مكان ضيق خلف حوض الاستحمام. كانت مجموعة مذهلة.

هل كانت تخفي عنه الطَّعام؟ هل حضَّرت تلك المؤن من أجلها، وهي تفكر أن ابنها ذات يوم سوف ينتقل؟ أو ربما تركتهم بالفعل من أجله متخيلة أنها سوف ترحل أولاً-في النهاية، الأمهات يرحلن قبل أبنائهن، لذا ربما أرادت أن تجهز كل تلك المرطبانات من أجل مستقبله. تفحَّص المحفوظات بمزيج من العاطفة والاشمئزاز، إلى أن صادف واحداً تحت مغسلة المطبخ معنوناً “شرائط الأحذية في الخل، 2004 ” وذلك لا بد أنه أجفله. نظر إلى الشرائط البنية الملفوفة في كرة وتعوم في ماء مالح وبينها خرادق الفلفل الحلو السوداء. شعر بالانزعاج، هذا كان كل شيء.

كلما سحب السَّماعات من أذنيه وذهب إلى الحمَّام كانت لتكون مستلقية بانتظاره، كانت تخرج بخطى متثاقلة من المطبخ وتسد طريقه. تأوهت قائلة: “كل صغار الطيور يغادرون العش-هذا النظام الطبيعي، الأهل يستحقون راحة. ذلك قانون ينطبق على الطبيعة بمجملها. لذا لماذا لا تزال تزعجني؟ كان يجب أن تنتقل منذ وقت طويل وتحصل لنفسك على حياة تخصك” ثم وهو يحاول بلطف أن يمر بها، كانت لتتلقفه من كمِّه ويرتفع صوتها بل يصبح أكثر حدة: “أستحق شيخوخة هادئة. دعني وشأني، أريد أن أستريح”. لكنه كان بالفعل في الحمام، كان يدير المفتاح ويستسلم لأفكاره. كانت تحاول أن تعترض سبيله ثانية في طريق عودته لكن أقل إدانة الآن. ثم كانت تسير بخفة وتختفي في غرفة نومها وكل أثر لها سيتبدد حتى صباح اليوم التالي عندما سوف تحدث عمداً قرقعة بالأطباق والطناجر فلا يتمكَّن من النوم.

لكن كما يعرف الجميع، تحب الأمهات أولادهنَّ، وهذا من سجايا الأمهات، أن تكنَّ مُحبات وغفورات. لذا هو لم يكن قلقاً على الإطلاق بشأن أربطة الأحذية أو الإسفنجة في صلصة البندورة التي وجدها في القبو. بأية حال، كان معنوناً بإخلاص “إسفنجة في صلصة البندورة، 2001”. فتحه وتحقق من أن البطاقة لم تكن خاطئة ورماه في سلة القمامة. لكنه كان أيضاً يجد بعض الأطايب الحقيقية. احتوى واحد من آخر المرطبانات على الرف العلوي في القبو على لحم العرقوب اللذيذ. أو ثمار الشَّمندر الصغيرة المتبَّلة والحارة وجدها خلف السِّتارة في غرفتها. خلال يومين كان قد التهم محتويات عدة مرطبانات. من أجل التحلية غرف قليلاً من مربى السَّفرجل بإصبعه.

من أجل المباراة بين فريقي بولندا وانكلترا حمل صندوقاً كاملاً من المحفوظات من القبو وأحاطها بمجموعة مماثلة من علب البيرة. مدَّ يده في الصندوق بشكل عشوائي، يلتهم المحفوظات دون النظر إلى ما كان يأكل. انتبه إلى مرطبان صغير لأنها كانت قد ارتكبت خطأ مضحكاً: “مخلل المشدوم[2]، 2005″. استعمل شوكة لاستخراج حبات الفطر البيضاء الناعمة التي انزلقت في حنجرته كما لو أنها حية. كانت قد سجلت بعض الأهداف لذا هو لم يلاحظ حتى عندما كان قد التهم الكثير. عندما انبغى عليه الذهاب إلى الحمام في الليل، اعتقد أنها كانت واقفة هناك تتأوه بصوتها الحاد بشكل لا يطاق، لكن عندها تذكر أنها ماتت في الحقيقة. استمر يتقيأ حتى الصباح لكن هذا لم يساعد كثيراً. في المشفى أرادوا أن يجروا له عملية زرع كبد لكن لم يتمكنوا من العثور على معطي لذا دون أن يستعيد وعيه فارق الحياة بعد عدة أيام.

نشأت بعض المشاكل لأنه لم يكن يوجد أحد لاستلام الجثة من المشرحة أو لتنظيم الجنازة. أخيراً حضرت صديقات والدته للمطالبة بها، أولئك السَّيدات المسنات الدميمات معتمرات قبَّعات البيريه ومظلاتهن الملونة بشكل غير معقول مفتوحة فوق القبر، أدَّين شعائر جنازتهن البائسة من أجله.


[1] Appertized: نسبة إلى نيكولاس أبيرت الذي كان طباخا فرنسيا في باريس ورئيس للطباخين في الفترة من 1784 إلى 1795، وهو مولود في 17 نوفمبر 1749وهو أيضا صانع حلوى اشتهر بسبب اكتشافه طريقة يستطيع بها حفظ الأغذية الغذائية.

[2] بدلاً من أن تكتب Mushroomsأي الفطر كتبت Mushdooms.

The sounds of the evening by me.

It was an evening in June 2017, during the last weekend of the spring term

the weather was nice, chilly but pleasant, the leaves blew in the gentle breeze, the birds sweet singing while nesting in the trees, the distant laughter and voices of the students, sitting in groups everywhere around the school.

 After coming back from Fakta, Justyna and I, having some beer, we decided to go to the pavilion in front of the lake.

 Around the corner, near the big horse chestnut tree, we met with Søren who was going to his house; he greeted us and said something about the day getting longer.

 We had been sitting there drinking the beer slowly when I thought about playing some music on my mobile phone. Would you like me to play some soft music, I said. No. Let us listen to the sounds of the evening, Justyna said.

صيَّادو الأحلام—فرقة من كهنة الخزر الذين كانت الأميرة آته شفيعة لهم. بوسعهم قراءة أحلام الآخرين، يقيمون ويأخذون راحتهم فيها، ومن خلال الأحلام يتتبعون الطَّريدة، تلك التي كانت فريستهم– انسان، شيء، أو حيوان. احتُفظَ بمذكِّرة تركها واحد من أقدم صيادي الأحلام، تنصُّ على ما يلي: “في الأحلام نحسُّ بما تحسُّ به السَّمكة في الماء. بين الحين والآخر نخرج من حلم ونلقي بنظرة سريعة على العالم على الشَّاطئ، لكن ننزل ثانية بعجلة متلهِّفة، لأننا لا نشعر بالارتياح إلا في الأعماق. خلال تلك القصص الموجزة نلاحظ على البرِّ مخلوقاً غريباً أكثر خمولاً منَّا نحن أنفسنا، معتاد على التَّنفس بطريقة مختلفة عن طريقتنا وملتصق بالأرض بكلِّ ثقله، يفتقر إلى العاطفة التي نستوطنها كما لو أنها أجسادنا. لأنه يتعذَّر التمييز بين العاطفة والجسد هنا في الأسفل، هما واحد والأمر نفسه. ذلك المخلوق هناك هو أيضاً نحن، لكن بعد مليون عام من الآن، وبينه وبيننا علاوة على السِّنين، هناك كارثة رهيبة حلَّت عليه، لأن ذلك المخلوق هناك فصل الجسد عن العاطفة…”

كان واحد من أكثر قراء الأحلام شهرة يدعى طبقاً للتقارير مقدسة السَّفر. كان قادراً على سبر أغوار الأسرار الأكثر عمقاً، على تدجين سمكة في أحلام النَّاس، على فتح الأبواب في رؤى الناس، الغطس عميقاً في الأحلام أكثر من أي شخص آخر سبقه، نزولاً رأساً نحو الإله، لأنه في قاع كل حلم يوجد إله. لكن حدث شيء ما ولم يكن قادراً ثانية أبداً على قراءة الأحلام. ظنَّ لوقت طويل أنه بلغ القمَّة وأنه بالفعل لم يعد هناك مكان آخر يحمل إليه هذه المهارة الغامضة. هو الذي يبلغ نهاية الطريق لم يعد بحاجة إليها كما أن الطريق لم تعد ممنوحة له بعد الآن. لكن هؤلاء المحيطون به فكروا بشكل مختلف. أسرُّوا مرة بالأمر إلى الأميرة آته التي شرحت لهم حينئذٍ قضية مقدسة السَّفر: مرة في الشَّهر، في عطلة عيد الملح، يقاتل أتباع خاقان (ملك) الخزر في معركة حياة أو موت ضدَّكم، يا أتباعي ورعاياي، في مشارف عواصمنا الثلاث. عندما يهبط الليل، وفيما نحن ندفن موتاه في القبور اليهودية والعربية أو اليونانية، وموتاي في القبور الخزرية، يفتح الخاقان باب مخدعي النحاسي بهدوء، حاملاً شمعة يفوح لهبها بالرائحة ويرتجف من عاطفته. لا أنظر إليه لأنه يشبه جميع العشَّاق الذين باغتتهم السَّعادة في جميع أنحاء العالم. نمضي نحن الاثنان الليل معاً، لكن عندما يرحل عند الفجر أنظر إلى انعكاس صورته على بابي النُّحاسي اللماع وأستطيع أن أميز في إعيائه ما ينوي فعله، من أين هو قادم، ومن يكون. وهذا الأمر ينطبق على صيَّاد حلمكم. لا شك أنه بلغ إحدى قمم فنِّه وأنه صلَّى في معابد أحلام الآخرين وأنه كان ممتلئاً بأرواح الحالمين عدداً لا يحصى من المرات. لقد كان موفقاً للغاية في زيارته حتى أن أروع ثروة في الوجود– ثروة الأحلام– كانت قد بدأت تمنح له. وحتى لو أنه لم يرتكب أدنى غلطة في صعوده إلى الإله، وبالتالي كان ممنوحاً له أن يرى الإله في آخر الحلم الذي كان يقرأه، ارتكب بالتأكيد ثمَّة خطأ في طريق عودته، أثناء نزوله إلى هذا العالم من المرتفعات التي كان قد صعدها. ودفع ثمن تلك الغلطة. اختتمت الأميرة آته بالقول: حذار من العودة! يمكن لهبوط سيء أن يطمس أثر التسلق الناجح لجبل.

Images_Page_4

جنيف، 1959

أورهان باموك 3/2019

في شهر أيلول العام 1959 سُجلنا أنا وأخي الأكبر شفكت في مدرسة ابتدائية تدرِّس باللغة الفرنسية في سويسرا. وظِّف والدنا غوندوز وهو مهندس تركي نابغة في الرياضيات للعمل لصالح المؤسسة الدولية للحاسبات الآلية IBMفي جنيف ومنذ وصولنا من إسطنبول في شهر حزيران كانت والدتنا شكر تحاول بصورة ملحَّة أن تدرسنا اللغة الفرنسية. كانت فرنسيتها جيدة-كانت قد تعلمت اللغة من الراهبات في مدرسة دام دو سيون وهي مدرسة كاثوليكية في إسطنبول-لكنها لم تكن مدرِّسة. كان من الصَّعب فرض أي نوع من الانضباط على ولدين صعبي المراس في عمر السَّابعة والتَّاسعة ناهيك عن تدريسهما لغة جديدة في الوقت نفسه.

كان يوجد عدد كبير من الأطفال الأجانب مثلنا في المدينة ممن لم يتحدثوا اللغة الفرنسية شاهدناهم على ضفاف بحيرة جنيف، في المتنزهات، في الشَّوارع. لا ريب كنَّا سنتعلم اللغة في آخر المطاف وإن بالتَّحدث مع الأولاد الآخرين في المدرسة فقط؟ كانت والدتنا مشغولة بما فيه الكفاية في محاولتها التَّوفيق بيننا وبين الأعمال المنزلية، ربما ما كان ليهم كثيراً أننا لم نستطع تعلمها منها.

مع ذلك بعد أن أوصلتنا والدتي في يومنا المدرسي الأول، استولى عليَّ خوف أكَّال. فصلت في باحة المدرسة عن أخي ووضعت في رتل مع طلاب الصَّف الثاني الآخرين وسرعان ما صرنا في غرفة صفِّنا التي كانت نظيفة ومضيئة. كانت المدرِّسة التي ابتسمت للجميع قد بدأت تشرح أموراً.

كتبت أحياناً كلمة على السَّبورة لكني لم أنجح في معرفة جِرس تلك الكلمة. لم ينقل الأولاد الأخرون تلك الكلمات إلى دفاترهم قط، لذا لم أفعل أيضاً. شاهدت بطرف عيني ما كان يفعله الولد الجالس قربي لكني لم أنظر نحوه مباشرة قط. بدا كما لو أن لدى جميع من في الصَّف ما يقوله، تطرح المدرِّسة الأسئلة والطلاب يجيبون.

في البيت ذلك المساء فتحنا أنا وأخي المقلمتين اللتين حصلنا عليهما في المدرسة، مصنوعتين من البلاستيك الذي بدا مثل الجلد وتبادلنا عرض الأشياء التي استلمها كل واحد منَّا: الممحاة، قلم الرصاص، المبراة، ومسطرة صغيرة.

في اليوم التَّالي في غرفة الصَّف زاد شعوري بالوحدة قليلاً. كنت بين الحين والآخر أتناول قلمي الرصاص كما لو لأنسخ كلمة عن السَّبورة، لكن حينئذٍ كنت أضعه ثانية. ما من كلمة أصبحت متميزة قط. بدا أنَّ المدرِّسة والأطفال الأخرون يتحدثون دون توقف. لم أستطع مجاراة ما كان يحدث من حولي وبدأت أشعر بالضَّجر. نظرت من النافذة وتمنيت لو أني في المنزل أقرأ صفحات رياضة كرة القدم في الصُّحف التي وصلت متأخرة من تركيا.

ساورني في اليوم التَّالي الشُّعور نفسه بالوحشة ثانية. لم أستطع اكتساب اللغة التي كان يستعملها الجميع بأريحية بالغة، وهذا جعلني أشعر بأني أحمق وأفتقر إلى الكفاءة. كان كما لو أني وقعت في دوَّامة. لم أتمكن من العثور على مركز لأتمسك به، أو على بداية لأنطلق منها. فكرت أحياناً أن الوقت لن يمر قط. فكرت أحياناً أني شخص آخر، مكان آخر. كان أحدهم أحياناً ينتبه لي، ينظر نحوي وأنا أشعر بالخجل لكوني مستغرق بعمق في أحلام يقظتي.

كان الوقت سعيداً بالنسبة لي منذ أن تعلمت القراءة والكتابة السَّنة السَّابقة. قرأت بصوت مسموع كل إعلان وكل رقعة من الرسوم الجدارية الجرافيتي التي وقعت عليها عيناي. كنت قد واظبت على فعل ذلك في جنيف، أتلو أي مجموعة من الأحرف أصادفها: مارتيني، بيكون، ايسو، هيلفيتيا.

كانت كلمات وأرقام مثل هذه أساساً لدروس أمي في اللغة الفرنسية ذلك الصَّيف. لكني كنت أعاني الآن في تخيُّر أي منها من اللغة التي كانت محكية في غرفة الصَّف. في البيت، كانت كل كلمة أشبه بطائر غريب وفريد. لكن في المدرسة بدا أن الكلمات تنقضُّ عبر السَّماء مثل سرب، لا يمكن تمييز طائر بمفرده عن الكل.

عندما تعاظم شعوري بالعزلة في غرفة الصَّف بحثت عن أخي في الباحة خلال الاستراحة. عقدنا الأيدي أحياناً. كانت ذكرى مولده متأخرة مدة أسبوع فلم يكن ممكناً التحاقه بالصَّف الرابع، أقمنا في إسطنبول السَّنة التي كان يفترض به أن يدرج فيه، لذا كان في الصَّف الثالث بدلاً من ذلك. عرف حينها الأرقام كلها وصنع لنفسه اسماً في الصَّف بالعد عكسياً ثلاثيات.

بعد يومين أعلنتُ فجأة عندما كانت والدتي تعدنا للمدرسة: “أنا لست ذاهب!” أسدلت عيني ولم أجب على مداهنتها أو على أسئلتها.

قال أخي: “أنا سأذهب!”

خرجا مسرعين. وحيداً في المنزل، فهمت أننا لو كنَّا في إسطنبول لما كانت والدتي تساهلت معي. شعرت بندم حارق رغم أن عدم رغبتي بالذهاب إلى المدرسة كانت مبررة. (هربت من المدرسة مرات كثيرة في السنوات التي تلت وفي كل مرة استولت عليَّ مشاعر مشابهة من الوحشة وتأنيب الضمير).

أعلن والدي بعد ثلاثة أيام أنه من الأفضل لي ولأخي أن نقيم مع والدته والالتحاق بمدرسة في تركيا، لذا غادرنا المدرسة الفرنسية. لم نتمكن أبداً من تعلم اللغة الفرنسية♦.

ترجمها عن التركية إكين أوكلاب.

ترجمتها عن الانكليزية: أماني لازار.

المقالة نشرت في مجلة النيويوركر.

https://www.newyorker.com/magazine/2019/06/10/geneva-1959?utm_medium=social&utm_social-type=owned&mbid=social_facebook&utm_source=facebook&utm_brand=tny&fbclid=IwAR1yQZAv5rxcLO7vzm_iS_CZtbF03_7yd2KdkCWylG62SnbX71JxOrWWX30

57393143_2634810546560784_2168684104789262336_n

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي-ناظم حكمت

13أيار 1958

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي،

قبل أن تحترق باريس وتتهدَّم،

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي،

وقلبي لا يزال على غصنه،

أنا، ذات ليلة، ذات ليلة من ليالي أيار،

ممسك بك إلى الجدار في شارع رصيف فولتير

لابد أن أقبلك على شفتيك

ثم ونحن ندير وجهينا نحو نوتر دام

لابد أن نرنو إلى نافذتها الوردية

يا وردتي، لابد أن تعانقيني على حين غرة،

خوفاً، دهشة، وسعادة،

تنشجين بصمت،

النجوم أيضاً لا بد أن تنهمر

ممزوجة بمطر خفيف.

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي،

قبل أن تحترق باريس وتتهدم،

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي، وقلبي لا يزال على غصنه، في هذه الليلة من ليالي أيار

لا بد أن نمرَّ بالرصيف

تحت أشجار الصفصاف، يا وردتي،

أشجار الصَّفصاف الباكية وهي مخضلَّه.

لابد أن أروي لك أجمل ما قيل عن باريس من كلمات،

ألطفها وأصدقها،

ثم بينما أُصفِّر لحن أغنية ما

لا بد أن أموت من فرط السَّعادة

ولا بد أن يكون لدينا إيمان بالإنسان.

في الأعلى هناك منازل حجرية

دون نتوءات أو تجاويف

ملتصقة ببعضها البعض

وجدرانها كلها قمراء

ونوافذها المستقيمة

تنام واقفة

وعلى الشَّاطئ مقابل اللوفر

استحمَّ بالأضواء الغامرة

قصرنا الكريستالي

المنار من أجلنا.

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي،

قبل أن تحترق باريس وتتهدم،

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي،

وقلبي لا يزال على غصنه،

في هذه الليلة من ليالي أيار على الرصيف لا بد أن نجلس

على البراميل الحمر أمام المستودعات.

القناة تخبو في الظلام.

عبَّارة تمر،

يا وردتي، لنرحب بها،

لنقل مرحباً للعبارة ذات القمرة الصفراء.

هل هي في طريقها إلى بلجيكا أو هولندا؟

في باب القمرة امرأة مع شخص أبيض

تبتسم بعذوبة.

قبل أن ينفد الوقت، يا وردتي،

قبل أن تحترق باريس وتتهدم،

قبل أن ينفد الوقت يا وردتي

يا أهل باريس، يا أهل باريس،

ينبغي عليكم ألا تتركوا باريس لتحترق وتتهدَّم..

billie-holiday-on-stage-raw

يوم رحلت السَّيدة- فرانك أوهارا-ترجمة أماني لازار

 

إنه يوم الجمعة في نيويورك والسَّاعة تشير إلى 12:20

بعد مرور ثلاثة أيام على ذكرى يوم الباستيل، نعم

إنه العام 1959 وأذهب لألمع حذائي

لأني عند السَّاعة 4:19سأستقل القطار الذَّاهب إلى إيست هامبتن

لأصل عند الخامسة والربع ثم أذهب مباشرة لتناول العشاء

ولا أعرف الناس الذين سوف أكون باستضافتهم

أسير في الشَّارع المغمّ الذي تلفحه الشَّمس

أتناول شطيرة لحم وأشرب كوباً من الحليب المالح واشتري

مجلة كتابة العالم الجديد البغيضة لأرى ما يفعله الشُّعراء

في غانا هذه الأيام

أواصل المضي إلى المصرف

والآنسة ستيلواجن (سمعت مرة اسمها وكان ليندا)

لا تتحقق من رصيدي لأول مرة في حياتها

ومن الغولدن غريفين أشتري كتاباً صغيراً لفيرلين

هدية من أجل باتسي فيه رسومات لبونار مع أني

أفكر بهسيود، ترانس. ريتشموند لاتيمور أو

بمسرحية برندن بيهان الجديدة أو مسرحيتي الشُّرفة أو الزنوج

لجينيه، لكني أحجم عنها، أختار فيرلين

بعدها فعلياً سوف أذهب إلى النوم وأنا في حيرة من أمري

ومن أجل مايك حسبي أني تمشيت نحو البارك لين

وهو متجر للخمور وطلبت زجاجة ستريجا

من ثم أعود من حيث أتيت إلى الجادة السَّادسة

وبائع السَّجائر في مسرح زيغفيلد و

وأشتري في عجالة كرتونة سجائر من نوع غولواز وأخرى

من نوع بيكيونس، وعدداً من صحيفة نيويورك بوست تحمل صورة وجهها

وأنا أتصبب عرقاً الآن وأفكر

الاتكاء على باب غرفة الرجال في نادي ال 5 SPOT

بينما همست أغنية وكان يرافقها في العزف

على البيانو مال والدرون خطفت أنفاسي وأنفاس الجميع

14907616_1319251374751647_5424868027906820827_n

 

كلُّ شيء ممكن: إلى رياض الصَّالح الحسين

القصيدة من تأليف الشاعر الاميركي فيليب تيرمان وترجمة أماني لازار.

وكل ما هو منشور في هذه المدونة من ترجمتي أنا أماني لازار إلا ما يشار إليه بغير ذلك.

 

مثل انفجار مفاجئ

أو نوبة قلبيَّة،

 

تأتي قصائدك من

ذلك البلد الكسير.

 

أصمٌّ أبكم ووسيم،

قيل لي إنَّك “صريح، مثل

 

ويتمان ومولع

بالكحول والنِّساء-

 

نجمٌ شعري”. إلى أن

عُذِّبت وسُجنت، النُّدوب

 

النفسيَّة تغلغلت عميقاً.

يدَّعي أحد المصادر أنَّ موتك

 

نجم عن “الإهمال”، ويدَّعي آخر أنه:

“ناجم عن حزن ساحق للقلب”.

 

وجدك أصدقاؤك وحيداً

في شقَّتك متكوِّراً

 

على سريرك، ترتجف،

تهذي، مستجدياً

 

رشفة ماء. رياض،

لم يسمع عنك أحد

 

في بلادي. لكن

ها أنت ذا هنا: جميل

 

في هذه اللوحة المرسومة بالفحم:

شعر أسود وكثيف يشبه شعر لوركا،

 

وجه منحوت، عينان داكنتان،

وقورتان تحدِّقان

 

إلى ثمَّة كارثة وشيكة،

تغوص في محيط

 

صورك الخاصَّة: طيور، قنابل-

سوريا التعيسة مثل عظمة

 

بين أسنان كلب؛

كمشرطٍ في يد جراح.

 

رياض، تسافر كلماتك في النص،

الأصلي من اليمين إلى اليسار،

 

من شرقك الأوسط

إلى غربي الأوسط.

 

أيمكن لهذه التَّرجمة

أن تعيد إليك الصَّوت

 

الذي أعرته اهتمامك في خلوة روحك؟

أردت أن تبني غرفة

 

تتسع لألف صديق.

لا حدَّ لرغباتك-

 

جيب محشو بالأجراس،

زلزال من الحكمة؛

 

غيوم تحت سريرك. رياض،

أحاول أن أهذي معك،

 

لأعرف تلك الإيقاعات المتفجِّرة.

لكن ما الذي يجمعني بك، أنا الذي

 

نشأت على نص مقدسٍ آخر،

يعادي شعب كل منا الآخر،

 

يلعنان بعضهما البعض

لأجيال قادمة-

 

ذلك ما كان يمكن أن أستفسر عنه

لو قيِّض لنا الجلوس في غرفة مكتبي الصَّغيرة،

 

نحتسي الشَّاي في الضُّوء المتحوِّل

إلى ظلمة تتحوَّل إلى حلمٍ

 

يقول إنَّ كل شيء ممكن. رياض،

أردت أن تحرث المجرَّة،

 

أن تحيا بعدد الموتى، أن تضع

نهراً في السِّجن. هل هبطت شياطينك

 

عندما كنت تدخِّن سيجارة

مغمضاً عينيك؟

 

قليلٌ من الدَّهشة.

تلك التي أدوِّنها الآن، من بعدك.

 

القصيدة باللغة الانكليزية لمن يرغب بقرائتها:

It’s All Possible: For Riad Saleh Hussein

Like a sudden explosion

Or an attack of the heart,

Your poems arrive from

That broken country.

Deaf, mute, handsome,

“Expansive,” I’m told, “like

Whitman with an affection

For alcohol, and women—

A poetry star.” Until you were

Tortured, imprisoned, the psychic

Scars penetrating deeper.

Dying—one source claims,

Of “negligence,” and another:

“Induced by heartbreak.”

Your friends found you alone

In your apartment curled

On your bed, shivering,

Hallucinating, begging

For a sip of water.  Riad,

No one in my country

Has heard of you.  But

Here you are: beautiful

In this charcoal drawing:

Hair black and thick like Lorca’s,

Sculpted face, eyes dark,

Serious and focused

At some nearby disaster,

Diving into your ocean

Of images: birds, bombs—

Poor Syria like a bone

 

Between the teeth of a dog;

A knife in the hand of a surgeon.

Riad, in the original, your words

Travel from right to left,

From your Middle East

To my Middle West.

Can this translation

Give you back the voice

you heeded in your soul’s privacy?

You wanted to build a room

 

For a thousand friends.

No end of your wants—

 

A pocket full of bells;

An earthquake of wisdom;

 

Clouds under your bed.  Riad,

I try to hallucinate with you,

To know those erupting rhythms.

But what do I, raised in another

Scripture, our people enemies

Cursing each other even

Onto the next generations—

Have to do with you?

That’s what I would inquire,

If we could sit in my small study,

Sipping tea in the light turning

To dark turning to dream

That says it’s all possible. Riad,

You wanted to plough the galaxy;

To live for all the dead; to place

A river in the prison.  When, eyes closed,

You were smoking a cigarette,

Did your demons descend?

Little amounts of surprises.

Which I write down now, after you.

 

 

موقع الشاعر الاميركي فيليب تيرمان:

موقع الشاعر فيليب تيرمان