Feeds:
Posts
Comments

أخبار متلفزةكشيشتوف ليسوفسكي.

 

ولد طفلٌ ومنح اسماً.

 

أنهى زميل “مالر” تأليف سمفونية،

ليست أسوأ من “الأولى”.

 

بصرُ من لم ينهِ قراءة كتاب

تمَّ إنقاذه.

 

حُمل عنكبوت

بإجلال

إلى الشُّرفة.

 

قُلِّد عجوز وساماً

لإضحاكه الجارة

مراراً وتكراراً.

 

أوصل قطار

ضيوف حفل الزفاف دون تأخير.

 

أوراق الأشجار

في أحسنِ حال.

 

في السَّماء، سبحت غيومٌ،

جيئةً وذهاباً.

 

بلطفٍ، اعترضت الريح

سبيل الدَّراجين.

 

كثرٌ احتسوا القهوة اليوم

ومن الترَّاس

أطالوا النَّظر إلى البحر.

 

مزاج المرح

سوف يتواصل.

 

جزيرة جوتلاند السويدية-حزيران عام 2000.

 

كشيشتوف ليسوفسكي شاعر وكاتب بولوني من كراكوف مواليد العام 1954.

القصيدة من ديوان “الباحثون عن الضُّوء” الذي ترجمته إلى الإنجليزية: إيفا هرينيفتش ياربرا.

 

20180104_104919

 

d050a43d6fb0649d74159cadaea0ecce--stoner-john-williams-leo

ستونر

 تأليف

 جون ويليامز

 ترجمة

 أماني لازار

 

 

 

 

 

إهداء المؤلف

 

هذا الكتاب مُهدى إلى أصدقائي وزملائي السَّابقين في قسم الأدب الإنكليزي في جامعة ميزوري. سوف يتعرَّفون من فورهم إلى كونه عملاً أدبياً، وأنه ما من شخصيَّة مرسومة فيه بالاعتماد على أيِّ شخص، حيٍّ أو ميت، وأنه ما من حدثٍ له نظير في الواقع الذي عرفناه في جامعة ميزوري. وسوف يدركون أيضاً أني تصرفت ببعض الحرية المادية والتاريخية، مع جامعة ميزوري، لذا هي في الواقع مكان متخيَّل أيضاً.

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

التحق وليم ستونر بجامعة ميزوري عام 1910، وكان يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً، وبعد ثماني سنوات، آناء ذروة الحرب العالمية الأولى، حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة وعُيّن مدرّساً في الجامعة نفسها ودرَّس حتى وفاته عام 1956. لم يتجاوز رتبة أستاذٍ مساعد، عدد قليل من طلبته يتذكَّرونه بشيء من الوضوح. بعد وفاته قدَّم زملاؤه لمكتبة الجامعة هبةً تذكاريّة وهي عبارة عن مخطوطة قروسطية منقوش عليها: “مهداة إلى مكتبة جامعة ميزوري إحياءً لذكرى وليم ستونر، قسم الأدب الإنكليزي. من قبل زملائه”، ربما يمكن العثور على هذه المخطوطة بين مجموعة الكتب النَّادرة.

قد يدفع الفضول من يصادف الاسم إلى التساؤل عمَّن يكون وليم ستونر. لكن نادراً ما يتجاوز فضوله السُّؤال العابر. زملاء ستونر الذين لم يمحَضوه تقديراً خاصَّاً في حياته قلّما يتحدثون عنه الآن، فاسمه بالنسبة إلى الأكبر سناً بينهم يذكّرهم بالنِّهاية التي تنتظرهم جميعاً، أما بالنسبة إلى الأصغر سناً فحسبه أن يكون إما صوتاً لا يستثير إحساساً بالماضي أو شخصية لا يمكنهم أن يربطوا أنفسهم أو مهنتهم بها.

ولد ستونر عام 1891 في مزرعة صغيرة وسط ميزوري بالقرب من قرية بونفيل التي تبعد حوالي أربعين ميلاً عن كولومبيا حيث مقرّ الجامعة. مع أنَّ والديه كانا شابَّين حين ولادته، كان والده في الخامسة والعشرين من عمره، ووالدته كانت قد بلغت لتوها العشرين من عمرها، كان وهو صبي ينظر إليهما بوصفهما مسنين؛ بدا والده عندما كان في الثلاثين من عمره كما لو أنه في الخمسين، وقد حنى ظهره التَّعب، يحدِّق بيأسٍ في رقعة الأرض القاحلة التي تعيل الأسرة من سنة إلى أخرى، أما أمه فتنظر إلى حياتها بصبرٍ وكأنها لحظة طويلة يجب عليها تحمُّلها. كانت عيناها شاحبتين ومغشيتين، يعزِّز التغضُّنات الصَّغيرة حولهما شعر خفيف أشيب مسوَّى على رأسها ومعقوص على شكل كعكة في الخلف.

يتذكَّر وليم ستونر الواجبات التي ألقيت على عاتقه في الماضي. فمنذ أن كان في السَّادسة من عمره حلبَ البقرات الهزيلات وأطعم الخنازير في الزَّريبة التي لا تبعد كثيراً عن المنزل، وجمع البيض الصَّغير الذي يضعه سرب الدجاجات النَّحيلات. كما أنه يتذكَّر ذهابه إلى المدرسة الريفية التي تبعد ثمانية أميال عن المزرعة، كان نهاره زاخراً بالأعمال، يبدأ قبل مطلع الفجر ويمتد إلى ما بعد المغيب. بدأت أكتافه تنحني في عمر السَّابعة عشرة تحت وطأة مشاغله.

كان الطِّفل الوحيد لعائلة وحيدة، وكانوا ملزمين جميعهم بضرورة الكدح فيها. يجلسون ثلاثتهم مساء في المطبخ الصَّغير المضاء بمصباح الكيروسين اليتيم، يحدقون في اللهب الأصفر قرابة ساعة من الزمن بين موعد العشاء وموعد النوم، كان الصَّوت الوحيد الذي يمكن سماعه غالباً هو صوت حركة الجسد الضَّجرة في الكرسي وصرير الخشب الخافت الذي يصدر أحياناً بسبب قدم المنزل.

كان المنزل مبنياً في حرشٍ وعِر، وقد تراخت الدعامات الخشبية غير المطلية حول الشُّرفة والأبواب، ومع مرور السَّنوات اكتسب لونَي الأرض الجافة البني والرمادي مخططاً بالأبيض. يوجد في المنزل بهو طويل يتألف أثاثه البسيط من كراسٍ وبعض الطَّاولات الخشبية، ومطبخ تمضي فيه العائلة جلّ وقتها القليل. وعلى الجانب الآخر توجد غرفتا نوم، كل واحدة منهما مفروشة بهيكل سرير حديدي مطلي بالمينا الأبيض وكرسي واحد وطاولة عليها مصباح ومغسل. كانت الأرضيات خشبية غير مطلية منبسطة بشكل متفاوت ومتصدِّعة بسبب القدم، والغُبار يدخل من خلالها باستمرار؛ لذا كانت والدة ستونر تكنسه يومياً.

أدَّى واجباته المدرسيَّة كما لو أنها أعمال منزلية لكنها أقل إرهاقاً من تلك التي يقوم بها في المزرعة. عندما أنهى المرحلة الثانوية ربيع عام 1910، توقَّع أن يتولى مزيداً من العمل في الحقول، ومع مرور الأشهر بدا له والده أكثر بطئاً وإرهاقاً.

ذات مساء في أواخر الربيع، بعد أن أمضى الرجلان يومهما في عزق الذُّرة، تحدَّث إليه والده بعد العشاء:

“زارني وكيل المنطقة الأسبوع الماضي”.

رفع وليم بصره عن المشمَّع ذي المربعات الحمر والبيض المفرود بنعومة على طاولة المطبخ الدائرية الشكل ولم يتكلَّم.

“يقول إنَّ لديهم كلية جديدة في جامعة كولومبيا، تدعى كلية الزراعة. وقد أخبرني إنَّ عليك الذَّهاب، مدَّة الدراسة فيها أربع سنوات”.

قال وليم: “أربع سنوات، ألا تكلِّف مالاً؟”

“يمكنك أن تعمل مقابل السَّكن والطَّعام، ابن عم والدتك يملك بيتاً في ضاحية قريبة من كولومبيا. ستحتاج إلى كتب وأشياء. يمكنني أن أرسل إليك دولارين أو ثلاثة دولارات شهرياً”.

فرد وليم يديه على مفرش الطَّاولة الذي ومض بخفوت تحت ضوء المصباح. لم يسبق له أن غادر منزله قط أو بَعُد عن بونفيل مسافةً تزيد عن خمسة عشر ميلاً. ازدرد ريقه كي لا يرتجف صوته وسأل:

“هل تظن أن بمقدورك أن تتولى أمر المكان بنفسك؟”

“أنا ووالدتك سنتدبر الأمر، قد أزرع المدرجات العشرين الشمالية بالقمح، هذا سيقلل من الحاجة إلى اليد العاملة”.

نظر وليم إلى أمه وسألها: “أمي؟”

قالت ببرود: “افعل ما يقوله لك والدك”.

سأل: “هل حقاً تريدان مني الذهاب؟ هل حقاً ترغبان بذلك؟” وكان ينتظر أن يلقى جواباً بالرفض إلى حد ما.

اعتدل والده في جلسته على الكرسي ونظر إلى أصابعه السَّميكة المتصلبة في الشُّقوق التي تغلغل فيها التراب عميقاً جداً فكان من الصعب إزالته. شبك أصابعه معاً ووضعها على الطاولة كما لو أنه يصلي، قال وهو ينظر إلى يديه:

“لم أحظَ بأيّ تعليم يُذكر، أنهيت المرحلة الابتدائية وبدأت العمل في الزراعة ولم أرتدْ مدرسة في شبابي. لكن الآن يبدو أنَّ الأرض تجفّ والعمل يزداد صعوبة سنة بعد أخرى، لم تعد الأرض خصبة كما عهدها عندما كنت فتياً. يقول وكيل المقاطعة إنهم في الجامعة يعلّمون أفكاراً وأساليب جديدة للقيام بالأشياء، ربما هو على حق. أحياناً عندما أعمل في الحقل أفكِّر”. توقَّف، شُدت أصابعه على بعضها ورست يداه المشبوكتان على الطاولة وتابع: “أفكر—” تجهَّم وهو ينظر إلى يديه وهزَّ رأسه قائلاً: “اذهبْ إلى الجامعة في الخريف القادم، أنا وأمك سنتدبر الأمر”.

كان أطول خطاب سمعه من أبيه على الإطلاق. ذهب في ذلك الخريف إلى كولومبيا وسجَّل في الجامعة في كلية الزراعة.

ذهب إلى كولومبيا مرتدياً بزَّة جديدة سوداء من الجوخ طُلبت من دليل سيرس وريباك ودفع ثمنها من عائدات بيع بيض أمه، ومعه معطف أبيه السَّميك الباهظ الثَّمن وبنطالاً صوفيَّاً أزرق اللون كان يرتديه مرة في الشَّهر لدى ذهابه إلى الكنيسة الميثودية[1] في بونفيل وقميصان أبيضان وبدلان من ثياب العمل وخمسة وعشرون دولاراً قايضها والده مع جاره بالقمح. أوصله والداه في الصَّباح الباكر إلى بونفيل بعربة يجرها بغل ثم تابع السَّير إلى كولومبيا.

كان يوماً خريفياً حاراً والطريق من بونفيل إلى كولومبيا مغبرٌ، مشى زهاء ساعة من الزمن، مرَّت بمحاذاته عربة لنقل البضائع، سأله السَّائق إن كان يرغب في الركوب. أومأ بالإيجاب، صعد وجلس على المقعد. كان بنطاله الصُّوفي أحمر اللون والغبار يكسو ركبتيه، أما وجهه الذي سمَّرته الشَّمس والريح فكان مكسواً بالقذارة؛ إذ اختلط غبار الطريق بعرقه. واصل الرحلة الطويلة وهو يفرك بنطاله بيدين ثقيلتين ممرراً أصابعه في شعره المرمل المسوَّى، فهو لم يكن يفضله مستوياً على رأسه.

وصلا إلى كولومبيا في وقتٍ متأخر من الأصيل. أنزل السَّائق ستونر على مشارف البلدة وأشار إلى مجموعة من المباني التي تظللها أشجار الدردار السَّامقة وقال: “هذه جامعتك، هناك حيث ستذهب إلى الكلية”.

بعد ذهاب السَّائق وقف ستونر عدَّة دقائق بلا حراك محدِّقاً في مجموعة المباني. لم يسبق له أن رأى شيئاً بهذه الضَّخامة من قبل. تعالت المباني القرميدية الحمراء في حقل فسيحٍ أخضر تقطعه ممرات حجرية وحدائق صغيرة. انتاب ستونر أمام رهبة المنظر إحساس مباغت بالأمان والسَّكينة لم يعهده سابقاً. طاف بضع دقائق حول الحرم الجامعي مع أنَّ الوقت كان متأخراً مكتفياً بالنَّظر إليه مثل الممنوع من الدخول.

قُبيل حلول الظلام سأل أحد العابرين عن اتجاه آشلاند غرافل، الطريق الذي سيقوده إلى مزرعة جيم فوت، ابنُ عم أمه الذي كان من المزمع أن يعمل لديه، لم يصل إلى هناك إلا بعد هبوط الظَّلام، ثمَّة مزرعة ومنزل أبيض اللون مؤلف من طابقين. هو لم يرَ عائلة فوت من قبل، وشعر بالغرابة في الذهاب إليهم في هذا الوقت المتأخر.

ألقيا عليه التحية بإيماءة معاينين إياه عن كثب. بعد لحظة وقف ستونر أثناءها مرتبكاً في العتبة، أشار إليه جيم فوت بالدخول إلى غرفة الجلوس، وهي غرفة معتمة صغيرة مكتظَّة بأثاث فائض وتحفٍ رخيصة معروضة على طاولات مُنارة بنور خافت. لم يجلس.

سأل فوت: “هل تناولت طعام العشاء؟”

أجاب ستونر: “لا، سيدي”.

أشارت إليه السَّيدة فوت بسبابتها وابتعدت بهدوء. تبعها ستونر عبر عدَّة غرف نحو المطبخ حيث طلبت منه الجلوس إلى الطاولة. وضعت أمامه إبريقاً من الحليب وعدة مربعات من خبز الذُّرة البارد. ارتشف الحليب لكن فمه الجاف من التوتر لم يتقبَّل الخبز.

جاء السَّيد فوت إلى الغرفة ووقف إلى جانب زوجته. كان رجلاً ضئيل الحجم لا يزيد طوله عن خمسة أقدام وثلاثة إنشات، ضامر الوجه حادَّ الأنف. كانت زوجته تفوقه طولاً بأربعة إنشات، تخفي عينيها نظارة ثقيلة دون إطار، شفتاها الرفيعتان مضمومتان. كلاهما راقباه بنهم وهو يرشف الحليب.

قال فوت بسرعة: “اعلفْ واسقِ الماشية، أطعم الخنازير في الصباح”.

نظر ستونر إليه مدهوشاً: “ماذا؟”

قال فوت: “هذا ما ستفعله في الصَّباح قبل أن تذهب إلى مدرستك وفي المساء ستعلف وتطعم ثانية وتجمع البيض وتحلب البقرات وتقطع الحطب، عندما يكون لديك وقت في العطل ستساعدني في أي شيء أقوم به”.

قال ستونر: “نعم سيدي”.

تفحصه فوت لحظة وقال هازّاً رأسه: “كُلية!”

وهكذا مقابل تسعة أشهر من السَّكن والطعام علف وسقى الماشية وأطعم الخنازير وجمع البيض، حلب البقرات وقطع الحطب وحرث التربة ومهّدها أيضاً، نبش الأرومات (حتى عمق ثلاثة إنشات في التربة المتجمدة شتاءً)، وخضَّ زبدة السَّيدة فوت التي كانت تراقبه محرّكة رأسها في رضى متجهم والممخضة الخشبية ترش الحليب صعوداً ونزولاً.

أسكنوه في الطَّابق العلوي الذي كان في السَّابق مستودعاً، متاعه الوحيد هيكل سرير حديدي أسود اللون له أطر متراخية تسند الفرشة الهزيلة المحشوَّة بالريش، وطاولة مكسورة وضع عليها مصباح الكيروسين، وكرسي متداع على الأرض، وصندوق كبير اتخذه مكتباً. الحرارة الوحيدة التي حظي بها في الشِّتاء كانت تتسرب عبر الأرض من غرف الطابق السفلي، تدثر باللحف والأغطية البالية التي قُدمت له ونفخ على يديه لتتمكنا من تقليب صفحات كتبه دون أن تمزقها.

أدَّى فروضه الجامعية وقام بأعماله في المزرعة بعناية دون متعة أو ضيق. في نهاية عامه الدراسي الأول كان معدل درجاته فوق المتوسط، كان راضياً عن نفسه؛ لأنه لم يكن أقل من ذلك، ولم يشعر بالقلق من عدم حصوله على درجة أفضل. كان مدركاً أنه تعلم أشياء لم يعرفها من قبل، لكن هذا لم يعن بالنسبة إليه سوى أنه قد يفعل في سنته الثانية أيضاً كما فعل في الأولى.

بعد سنته الأولى في الكلية عاد في الصيف إلى مزرعة أبيه وساعد في جني المحصول. عندما سأله والده عن الكلية وأجاب إنه يحبها كثيراً، أومأ والده ولم يشر إلى المسألة مجدداً.

لم يعلم وليم ستونر بسبب مجيئه إلى الكلية حتى عودته إليها في السنة الثانية.

بحلول عامه الثاني صار شخصاً مألوفاً في حرم الجامعة. ارتدى بدلة الجوخ السَّوداء نفسها والقميص الأبيض وربطة العنق الرفيعة في كل أوان، رسغاه بارزان من أكمام سترته، والبنطال منسدل بشكل أخرق حول ساقيه كأنه لشخص آخر.

استطالت ساعات عمله مع بلادة موظِّفِيه، أمضى المساءات الطويلة في غرفته بانتظام يؤدي واجباته، بدأ المتتالية التي سيحصل بنهايتها على إجازة في العلوم من كلية الزراعة، خلال الفصل الدراسي الأول من السَّنة الثانية كان لديه مقرران أساسيان، مقرر من كلية الزراعة في كيمياء التربة، والمقرر الذي كان مطلوباً من جميع طلاب الجامعة بشكل روتيني، مبحث فصلي في الأدب الإنكليزي.

بعد بضعة أسابيع عانى بعض الصعوبة في الدروس العلمية، ثمة الكثير من الأعمال يجب إنجازها والكثير من الدروس يجب حفظها. استرعت مادة كيمياء التربة اهتمامه، لم يحدث أن كانت كتل التراب الضاربة إلى السُّمرة التي عمل بها معظم أيام حياته أي شيء خلا ما تظهر عليه، بدأ يرى بإبهام أن معرفته المتنامية بها قد تكون نافعة عندما يعود إلى مزرعة أبيه لكن البحث المطلوب في الأدب الإنكليزي أشكل عليه وأقلقه.

كان المدرّس آرتشر سلون رجلاً في خريف العمر في أوائل أربعينياته، تولَّى مهمته في التعليم باستهتار وازدراء ظاهرين، كما لو أنه شعر أن هناك وهدة عميقة جداً بين معرفته وما يمكنه قوله، وهدة لن يبذل أي جهد لردمها. كان مُهاباً وغير محبوب من قبل معظم طلابه، كان يجيب بتفكّه ساخر دون تأثر. كان رجلاً متوسط الطول، طويل الوجه تخطه تغضنات عميقة، حليق، له نظرة نافدة الصبر إذ يمرر أصابعه في شعره المجعد الأشيب. صوته خفيض وجاف يندُّ عن شفاه تتحرك بصعوبة دون تعبير أو نبرة، لكن أصابعه الطويلة الرفيعة تتحرك برشاقة ويقين مانحة الكلمات الشَّكل الذي لم يستطع صوته منحه لها.

بعيداً عن الكلية، يقوم ستونر بعمله الروتيني في المزرعة أو يجلس في العلية الخالية من النوافذ يدرس على ضوء المصباح الخافت، كان يدرك في أحوال كثيرة صورة آرتشر منبثقة أمام بصيرته، فهو يعاني من صعوبة في استحضار وجه أي مدرس آخر من مدرسيه أو يتذكر أي شيء شديد الخصوصية عن أي شخص في صفوفه، لكن دائماً يظهر على عتبة وعيه شخص آرتشر سلون بصوته الجاف وكلماته المرتجلة المحتقرة عن فقرة ما من بياوولف[2]، أو بعض أبيات من شعر تشوسر[3].

أدرك أنه لا يمكنه أن يتناول البحث كما فعل في مقررات أخرى، مع أنه تذكر أعمال الكتّاب وتواريخهم وتأثيراتهم، كاد يرسب في امتحانه الأول، تحسنت نتيجته قليلاً في الامتحان الثاني. قرأ وأعاد قراءة وظائفه الأدبية أكثر من مرة وتراجع أداؤه في الصفوف الأخرى، كانت الكلمات التي يقرأها مجرد كلمات على صفحات ولم يستطع معرفة نفع قراءته لها.

أمعن التفكير في الكلمات التي قالها آرتشر سلون في القاعة لعلّه يكتشف تحت معناها المسطح الجاف فكرة تقوده إلى حيث كان يعتزم الذَّهاب، انكب على سطح المكتب جالساً على كرسي صغير جداً ليكون جلوسه مريحاً، ممسكاً بحواف سطح المكتب بشدة حتى أن براجمه بدت بيضاء بالنسبة إلى بشرته السمراء القاسية، تجهم بجدية وقضم شفته السفلى. لكن عندما أصبح انتباه ستونر ورفاقه في القاعة أكثر قنوطاً، غدا احتقار آرتشر سلون قهرياً أكثر. وعندما انفجر ذلك الاحتقار كان موجهاً نحو وليم ستونر بمفرده.

قرأ الطُّلاب مسرحيتين لشكسبير وكان الأسبوع ينتهي بدراسة للسونيتات. بدا الطلاب متوترين وحائرين، خائفين إلى حد ما من التوتر المتنامي بينهم وبين الشَّخص المترهل الذي ينظر إليهم من خلف المنبر. قرأ سلون جهاراً السونيتا الثالثة والسَّبعين، طافت عيناه في القاعة وتضيقت شفتاه في ابتسامة خالية من الدُّعابة.

سأل بانتبار: “ماذا تعني السونيتا؟” توقَّف وعيناه تستقصيان القاعة بصرامة ويأس يكاد يكون راضياً.

“سيد ويلبور؟”

لم يكن هناك جواب.

“سيد شميدت؟”

سعل أحدهم.

أدار سلون عينيه اللامعتين الداكنتين نحو ستونر وسأله: “سيد ستونر، ما معنى السونيتا؟”

ازدرد ستونر ريقه وحاول أن يفتح فمه.

قال سلون بجفاء: “إنها سونيتا يا سيد ستونر، تركيب شعري مؤلف من أربعة عشر بيتاً، له قاعدة محددة، أنا واثق من أنك حفظتها. إنها مكتوبة باللغة الإنكليزية التي أعتقد بأنك تتحدث بها منذ بضع سنوات.  مؤلفها الشاعر وليم شكسبير، مع أنه ميت فهو ما يزال يحتلُّ مكانة مهمة في أذهان البعض”.

نظر إلى ستونر لحظة ثم راحت عيناه تحدِّقان بنظرة فارغة وهما مثبتتان بصورة غافلة ما وراء القاعة. قرأ القصيدة ثانية دون أن ينظر إلى كتابه، اشتد صوته ورقَّ، كما لو أن الكلمات والأصوات والإيقاعات صارت هو للحظة:

“ذلك الفصل من فصول السَّنة، يمكن أن تراه في مشاعري[4]

حين يكون الورق الأصفر، أو القليل، أو لا شيء،

عالقاً على تلك الغصون، التي تهتز في مجابهة البرد،

آلات عزف عارية محطمة، غنت عليها الطيور الأثيرة ذات يوم.

في كياني ترى الشَّفق الذي كان في ذلك اليوم

يذوي في الغرب مثل الشَّمس بعد الغروب،

تأخذها الليلة الظلماء رويداً رويداً إلى مكان بعيد،

حيث الوجه الآخر للموت الذي يطوي الجميع في هدوء.

وترى في وجودي توقد ذلك اللهب

الذي يتمدد الآن على رماد شبابه،

كأنه على سرير الموت، حيث لابد أن ينتهي،

مستهلكاً بنفس الشيء الذي اقتات عليه.

أنت تعي ذلك الشيء الذي يجعل حبك قوياً إلى حد بعيد،

ويجعلك تحب بشكل أفضل، هذا الذي ستفارقه حتماً عما قريب”.

عمّ الصمت القاعة، سعل أحد الطلبة. كرر سلون الأبيات وانخفض صوته مجدداً.

“أنت تعي ذلك الشيء الذي يجعل حبك قوياً إلى حد بعيد،

ويجعلك تحب بشكل أفضل، هذا الذي ستفارقه حتماً عما قريب”.

أعاد سلون نظره إلى وليم وقال بجفاء: “يتحدث السيد شكسبير إليك منذ ثلاثمئة عام يا سيد ستونر، هل تسمعه؟”

أدرك وليم ستونر أنه كان يحبس أنفاسه عدة لحظات ثم يزفرها رويداً واعياً بدقة لحركة ثيابه على جسده أثناء خروج نَفَسه من رئتيه. أجال نظره في الغرفة حيث انحدر الضوء واستقر على وجوه زملائه، فبدت الإضاءة وكأنها آتية من خلالهم لتخرج إلى الظَّلام، طرفت عين أحدهم وسقط ظلٌّ رفيع على خدٍ تلقف نور الشَّمس. بدأ ستونر يعي أن أصابعه كانت ترخي قبضتها الشديدة على سطح مكتبه. قلّب يديه تحت ناظريه مدهوشاً من سمرتها، من الطريقة المعقدة التي توضعت فيها الأظافر عند نهايات أصابعه المثلمة، فكر أنه يستطيع أن يشعر بالدم يتدفق غير مرئي في أوردته الرقيقة وشرايينه، ينبض بلطف وتقلقل من أطراف أصابعه عبر جسده.

تحدَّث سلون ثانية: “ما الذي قاله لك يا سيد ستونر؟ ما الذي تعنيه القصيدة؟”

ارتفعت عينا ستونر ببطء وقال على مضض: “إنها تعني” وبحركة صغيرة رفع يديه في الهواء، شعر بعينيه تلتمعان وهما تتبعان آرتشر سلون، قال ثانية: “إنها تعني” ولم يتمكَّن من إنهاء ما شرع بقوله.

نظر سلون إليه بفضول ثم أومأ بانتبار دون أن ينظر إلى أحد: “انتهى الدرس”، التفت وخرج من القاعة.

لم يكن وليم ستونر واعياً للطلاب الذين نهضوا بتبرم من مقاعدهم مدمدمين واختلطوا في الغرفة إلا بالكاد. جلس بلا حراك بضع دقائق بعد مغادرتهم، يحدق أمامه في الألواح الخشبية الضيقة وقد بهت لون طلائها من حركة أقدام الطلاب الضجرة الذين لم يرهم أو يعرفهم قط. زلق قدمه على الأرضية وهو يسمع صوت احتكاك الخشب بنعله، ويشعر بخشونته عبر الجلد، نهض وخرج ببطء من القاعة.

تخللت قشعريرة خفيفة من أيام الخريف الأخيرة ملابسه. نظر حوله إلى الأغصان العارية المعقدة للأشجار الملتوية والمتشابكة أمام السَّماء الشاحبة. هرع الطلاب عبر الحرم الجامعي إلى قاعاتهم مارين به، سمع غمغمة أصواتهم وطقطقة كعوبهم على الدروب الحجرية، ورأى وجوههم المحمرة من البرد تنحني في وجه النسيم الخفيف. نظر إليهم بفضول وكأنه لم يرهم من قبل، وشعر أنه بعيد عنهم جداً وقريب منهم. احتفظ بشعوره وهو يهرع إلى محاضرة أستاذ كيمياء التربة، واحتجز ذاك الشَّعور أمام صوت الدندنة الذي كان يملي أشياء لتكتب في دفاتر الملاحظات وتُحفظ بعملية شاقة كانت في ذلك الوقت غريبة عليه أيضاً.

في الفصل الثاني من تلك السَّنة الدراسية صرف وليم ستونر النَّظر عن دروسه في العلوم الأساسية وأوقف متابعته لكلية الزراعة، تلقَّى دروساً تمهيدية في الفلسفة والتاريخ القديم ودرسين في الأدب الإنكليزي. في الصَّيف عاد ثانية إلى مزرعة أهله وساعد والده في جني المحصول ولم يشر إلى عمله في الجامعة.

عندما تقدَّم في العمر، كان ينظر إلى السنتين اللتين سبقتا تخرجه وكأنهما زمناً غير واقعي يخص شخصاً آخر، الزمن الذي لم يمض في التدفق المنتظم الذي اعتاده، لكن على نحو متقطع. لحظة مصفوفة بجانب أخرى ومعزولة عنها، شعر بأنه كان بعيداً عن الزمن، يراقبه وهو يمر أمامه مثل صورة كبيرة مقلوبة من خلال ثقب.

أصبح يعي نفسه كما لم يفعل من قبل. ينظر أحياناً إلى نفسه في المرآة، إلى الوجه الطويل والشعر البني الجاف جفاف القش، ويلمس عظام خديه البارزتين ويرى الرسغين النحيلين الناتئين مسافة إنشات من أكمام معطفه، ويتساءل إذا ما كان يبدو مضحكاً للآخرين كما يبدو لنفسه.

لم يكن لديه خطط للمستقبل، ولم يتكلم إلى أحد عن ارتيابه. واصل العمل عند عائلة فوت مقابل سكنه وطعامه، لكن لم يعد يعمل ساعات طويلة كما حدث في سنتيه الأولين في الجامعة. وضع نفسه في الخدمة على مدى ثلاث ساعات كل عصر ونصف ساعة في يوم العطلة، نزولاً عند رغبة جيم وسيرينا فوت، وما بقي من الوقت كان ملكاً له.

أمضى بعضاً من هذا الوقت في عليِّته الصغيرة فوق منزل عائلة فوت، لكن قدر استطاعته، كان يعود إلى الجامعة بعد أن ينهي دروسه وعمله لدى عائلة فوت. أحياناً في الأماسي كان يتجول في المربع الطويل المفتوح بين الأزواج الذين يتمشون معاً ويدمدمون همساً، ومع أنه لا يعرف أياً منهم ولم يتحدث إليهم لكنه شعر بالقرب منهم. أحياناً كان يقف في وسط المربع ينظر إلى الأعمدة الخمسة الضخمة أمام مبنى جيسي هول[5] وقد شقَّ طريقه عالياً في الليل فوق العشب البارد، وقد علم أن هذه الأعمدة هي ما بقي من البناء الأساسي الأصلي للجامعة الذي دمر منذ سنين خلت إثر حريق نشب فيه. بدت بلونها الفضي الضارب إلى الرمادي في ضوء القمر حاسرة ونقية وكأنها ترمز إلى طريقة الحياة التي تبناها كما يرمز المعبد لإله.

تجوَّل في مكتبة الجامعة بين آلاف الكتب التي تفوح منها رائحة الجلد العفِن، بدت رائحة القماش والصفحات الجافة مثل رائحة بخور غريب.

أحياناً يتوقف وينحّي مجلداً عن الرفوف، ويمسك به لحظة بين يديه الكبيرتين اللتين تتخدران لغرابة ملمس الغلاف والصفحة الطيعة. ثم يتصفح الكتاب ويقرأ فقرة هنا وفقرة هناك، تقلب أصابعه القاسية الصفحات بحذر، كما لو أنها إذا ما خرقتها قد تمزق وتتلف ما بذلت من جهد لتميط عنه اللثام.

لم يكن لديه أصدقاء وللمرة الأولى في حياته أدرك معنى الوحدة. أحياناً في عليته ليلاً يتوقف عن القراءة ويحدق في الزوايا المظلمة لغرفته حيث يومض ضوء المصباح أمام الظلال. إذا ما حدق طويلاً وبانتباه، تحتشد الظلمة في نور ويأخذ الشكل الوهمي لما كان يقرأه ويشعر أنه خارج الزمن، كما شعر ذلك اليوم في قاعة الدرس عندما تحدث إليه آرتشر سلون.  تجمع الماضي خارجاً من الظلمة حيث جلس، وبعث الموتى أنفسهم أحياء قبالته، وطاف الماضي مع الموتى في الحاضر بين الأحياء، هكذا كان لديه في لحظة غامرة رؤية للكثافة التي كان مضغوطاً فيها والتي لم يتمكن من الإفلات منها، ولم يكن يتمنى الهرب. مشى تريستان وإيزولت الجميلة أمامه، باولو وفرنسيسكا دوَّما في الظلمة المتقدة، هيلين وباريس تأتلق على وجهيهما مرارة العاقبة، انبثقا من العتمة. وكان معهم بطريقة لن يستطيع أبداً أن يكون عليها مع زملائه الذين مضوا من قاعة إلى أخرى، وجدوا مسكناً محلياً في جامعة كولومبيا الكبيرة، في ميزوري، ومشوا غافلين في هواء الغرب الأوسط.

تعلَّم خلال عام اللغتين اليونانية واللاتينية جيداً ما مكنه من قراءة نصوص بسيطة، كانت عيناه حمراوين تلتهبان من الإجهاد وقلة النَّوم. أحياناً يفكر بنفسه كيف كان قبل بضع سنوات وتذهله ذكرى ذلك الشَّخص الغريب الأسمر والمجهول كالأرض التي انبثق منها. فكَّر بوالديه، كانا تقريباً غريبين كالطفل الذي أنجباه، شعر بشفقة مشوبة بحب غامض تجاههما.

في منتصف سنته الرابعة في الجامعة، أستوقفه آرتشر سلون بعد الدرس وطلب إليه أن يذهب إلى مكتبه للمحادثة.

كان الفصل شتاء، طاف ضباب خفيض رطب غرب أوسطي على الحرم الجامعي. في الضُّحى تلألأت أغصان أشجار القرانيا الغضَّة بالصَّقيع، وبدت الدوالي السود التي تدلت من الأعمدة الكبيرة أمام مبنى جيسي هول محاطة ببلورات قزحية اللون ومضت أمام اللون الرمادي للأعمدة. كان معطف ستونر السميك رثاً جداً وبالياً وقرر ألا يرتديه في لقائه مع سلون على الرغم من شدة برودة الطقس. كان يرتعش وهو يحث الخطى على الدَّرجات الحجرية العريضة التي تقود إلى مبنى جيسي هول.

كانت الحرارة شديدة داخل المبنى. دلف الضَّباب عبر النوافذ والأبواب الزجاجية من الجانبين فانعكس الضوء الرمادي على بلاط الأرضية الأصفر ما زاد في توهجه، وسطعت الأعمدة البلوطية العظيمة والجدران الممسوحة من دكنتها. سُمع صوت خطوات متثاقلة على الأرضيات، كانت همهمة الأصوات مخففة بفعل اتساع القاعة الكبيرة، تحركت أشكال واهية ببطء تمتزج وتنفصل، والتقط الهواء الثقيل رائحة الجدران الزيتية ورائحة الثياب الصوفية الرطبة. صعد ستونر الدرجات الرخامية الناعمة نحو مكتب آرتشر سلون في الطابق الثاني. قرع على الباب المغلق، سمع صوتاً ودخل.

كان المكتب طويلاً وضيقاً تضيئه نافذة واحدة في الطَّرف القصي. تسامقت رفوف مزدحمة بالكتب نحو السَّقف العالي. أقحم مكتب بالقرب من النافذة حيث جلس آرتشر سلون مستديراً نصف استدارة أمام الضوء ومحاطاً بالظلمة.

قال سلون بجفاء: “سيد ستونر”، نهض قليلاً وأشار إلى كرسي جلدي مقابله. جلس ستونر.

” كنت أنظر في سجلاتك”. توقَّف سلون ورفع مجلداً موضوعاً على مكتبه، ونظر إليه بصرامة غير منحازة وقال: “أرجو ألا يزعجك فضولي”.

بلل ستونر شفتيه وعدّل جلسته على الكرسي. حاول أن يضم يديه الكبيرتين معاً بحيث لا تكونا مرئيتين، وقال بصوت أجش: “لا سيدي”.

أومأ سلون: “جيد، لاحظت أنك بدأت دراستك هنا بوصفك طالباً في كلية زراعة ثم في السَّنة الثانية تحولت إلى الأدب. هل هذا صحيح؟”

قال سلون: “نعم سيدي”.

عاد سلون إلى الوراء في كرسيه وحدَّق في مربع الضوء الداخل من النافذة الصغيرة العالية. دانى أطراف أصابعه إلى بعضها الآخر والتفت إلى الشَّاب الجالس متيبساً قبالته.

“إن الهدف الرسمي من هذا الاجتماع هو إعلامك أن عليك إجراء تغيير أساسي في برنامج الدراسة، وتوضيح نيتك في التخلي عن دراستك الأساسية والتأكيد على دراستك النهائية. سيستغرق الأمر خمس دقائق في مكتب التسجيل. ستقوم بذلك، صحيح؟”

أجاب ستونر: “نعم سيدي”.

“لكن كما قد تخمن، ليس هذا السَّبب الذي طلبت إليك المجيء من أجله. هل تمانع إذا ما استفسرت قليلاً عن خططك المستقبلية؟”

قال ستونر: “لا سيدي”، ونظر إلى يديه المعقودتين بشدة.

لمس سلون مجلد الأوراق الذي أخرجه من مكتبه وقال: “استدليت إلى أنك كنت أكبر قليلاً من الطلاب العاديين لدى التحاقك بالجامعة. في عمر العشرين تقريباً، كما أظن؟”

“نعم، سيدي”.

“وفي ذلك الوقت كنت تخطط للشروع بمقررات كلية الزراعة؟”

“نعم، سيدي”.

عاد سلون إلى الخلف في كرسيه ونظر إلى السقف العالي المظلم وسأل بغتة: “وما الذي تخطط له الآن؟”

كان ستونر صامتاً. لم يفكر بهذا الأمر، ولم يرغب في التفكير فيه. قال أخيراً بشيء من الامتعاض:”لا أعرف، لم أفكر في هذا كثيراً”.

قال سلون: “هل تتطلع إلى اليوم الذي تخرج فيه من هذه الجدران المعزولة إلى ما يسمى العالم؟”

كشر ستونر محرجاً وقال: “لا، سيدي”.

خبط سلون مجلد الأوراق على مكتبه وقال: “لقد علمت من خلال هذه السجلات أنك قدمت من مجتمع زراعي، هل أهلك مزارعون؟”

أومأ ستونر بالإيجاب.

“وتنوي العودة إلى المزرعة بعد حصولك على الشهادة هنا؟”

قال ستونر متفاجئاً من نبرة صوته الواثقة: “لا سيدي”، وفكر متعجباً من القرار الذي اتخذه فجأة.

أومأ سلون: “عليَّ أن أتخيل طالباً جاداً من طلاب الأدب وجد أن مهاراته لا تتناسب تماماً مع قناعة الأرض”.

قال ستونر كما لو أن سلون لم يكن قد تكلم: “لن أعود، لا أعرف ما الذي سأفعله بالضبط”. وتابع وهو ينظر إلى يديه: “لا يمكنني أن أستوعب تماماً أنني سأغادر الجامعة في نهاية السنة”.

قال سلون لا مبالياً: “بالتأكيد ليس هناك حاجة حتمية إلى المغادرة. افترض أنك لا تملك موارد مالية مستقلة؟”

هزَّ ستونر رأسه.

“لديك سجل طالب جامعي ممتاز. إلا بالنسبة إلـى”، رفع حاجبيه وتابع مبتسماً “إلا بالنسبة إلى بحثك في السَّنة الثانية في الأدب الإنكليزي، لقد حصلت على درجة جيدة في جميع امتحاناتك في اللغة الإنكليزية، ما من درجة أقل من متوسط في أي مكان آخر. إذا استطعت أن تثبت نفسك مدة سنة بعد التخرج، أنا واثق أن بإمكانك أن تكمل بنجاح نيل درجة الماجستير في الآداب، بعدئذٍ ستكون قادراً ربما على التعليم وأنت تُعدّ رسالة الدكتوراه. إذا ما كان ذلك من الأمور التي تهتم بها”.

انكفأ ستونر وسأل وهو يسمع نبرة الخوف في صوته: “ماذا تعني؟”

انحنى سلون للأمام قبالة وجه ستونر، رأى ستونر التجاعيد على الوجه الطويل وسمع الصوت الساخر الجاف يغدو لطيفاً واضحاً.

سأل سلون:” لكن ألا تعلم يا سيد ستونر؟ ألا تفهم بأنك ستصبح مدرساً”.

فجأة بدا سلون بعيداً جداً وتراجعت جدران المكتب، شعر ستونر بأنه معلق في الهواء الفسيح، وسمع صوته يسأل: “هل أنت واثق؟”

أجاب سلون برفق: “نعم”.

” كيف يمكنك أن تعرف؟ كيف يمكن لك أن تكون واثقاً؟”

قال سلون مبتهجاً: “إنه الحب يا سيد ستونر، أنت تحب. إن الأمر بهذه البساطة”.

لقد كان الأمر بتلك البساطة. أدرك أنه أومأ إلى سلون وقال شيئاً غير ذي صلة ثم خرج من المكتب. كانت شفاهه تستشعر وخزاً خفيفاً وأطراف أصابعه خدرة، مشى كالمسرنم مع أنه كان واعياً لما يحيط به. لمس برفق الجدران الخشبية المطلية في الممر، وفكر بأنه شعر بدفء الخشب وقِدمه، هبط ببطء الدرج ودهش عندما بدا له الرخام البارد ينزلق قليلاً تحت قدميه. في القاعات أصبحت أصوات الطلاب واضحة ومنفصلة عن الهمهمة الخافتة، كانت وجوههم قريبة وغريبة ومألوفة. خرج من مبنى جيسي هول إلى الصباح، وبدا أن الضباب لم يعد يثقل على الحرم الجامعي، انساقت عيناه عالياً نحو السماء، نظر كما لو أنه ينظر نحو احتمال لم يكن يملك له اسماً.

في الأسبوع الأول من شهر حزيران عام 1914 حصل وليم ستونر مع ستين شاباً وبعض الشابات على شهادة الإجازة في الآداب من جامعة ميزوري.

قبل يوم من موعد الحفل، استأجر والداه عربة تجرها فرسهم الكُميت المسنَّة وانطلقا ليلاً مسافة واحد وأربعين ميلاً من المزرعة، وصلا بُعيد الفجر إلى منزل عائلة فوت متوترين من رحلتهم المقلقة. ذهب ستونر إلى الباحة للقائهم، كانا واقفين جنباً إلى جنب في ضوء الصَّباح الهش منتظرين قدومه.

صافح ستونر أبيه بحركة واحدة سريعة دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر.

قال والده:” كيف حالك؟”

أومأت والدته: “أتيت ووالدك لنحضر حفل تخرجك”.

بقي صامتاً لحظة ثم قال: “من الأفضل أن تدخلا وتتناولا فطوراً”.

كانوا وحدهم في المطبخ، فمنذ مجيء ستونر إلى المزرعة اعتادت عائلة فوت النوم حتى وقت متأخر، همّ مرتين بالحديث إلى والديه بعد أن تناولا فطورهما لكنه لم يستطع إخبارهما عن تغيير خططه وعن قراره بعدم العودة إلى المزرعة. نظر إلى وجهيهما الأسمرين الذين انبثقا حاسرين من ملابسهما الجديدة، وفكر بالرحلة الطويلة التي قاما بها وبالسنوات التي انتظرا فيها عودته. جلس معهما متوتراً حتى أنهيا شرب قهوتهما، وحتى استيقظ السيد والسيدة فوت ودخلا إلى المطبخ. عندئذٍ قال لهم إن عليه الذهاب باكراً إلى الجامعة وإنه سيراهم هناك في وقت لاحق من النهار في التدريبات.

تجول حول الحرم، يحمل الثوب الأسود والقبعة التي استـأجرها، كانا ثقيلين ومزعجين، لكنه لم يجد مكانا يتركهما فيه. فكر بما كان عليه أن يقوله لوالديه، ولأول مرة أدرك حتمية قراره، وتمنى لو أنه يستطيع التراجع عنه. شعر بعدم ملاءمته للهدف الذي اختاره بشكل أهوج وشعر بالحنين إلى العالم الذي فقده. تأسَّف على خسارته وعلى والديه، حتى في أسفه شعر بنفسه ينسحب بعيداً عنهم.

ظلَّت مشاعر الخسارة ترافقه طوال فترة التدريبات على حفل التخرج، وعندما أُعلن اسمه مشى عبر المنصة ليتلقى لفافة من رجل مجهول ذي لحية رمادية ناعمة، لم يصدق حضوره ولم يكن للفافة الجلد الرقيقة في يده معنى، فقد انحصر تفكيره بأمه وأبيه الجالسين بتوتر وقلق بين الحشد الكبير.

بعد انتهاء الحفل عاد معهما إلى مزرعة آل فوت حيث كانا سيمضيان الليل ويبدأان رحلتهما إلى البيت مع مطلع الفجر.

جلسوا حتى وقت متأخر في ردهة آل فوت. ظلَّ جيم وسيرينا فوت ساهرين معهم إلى حين. كان جيم ووالدة ستونر يتبادلان أسماء الأقارب حيناً ويصمتان حيناً آخر. جلس والده على الكرسي ينحني إلى الأمام قليلاً، ساقاه متباعدتان ويداه العريضتان معقودتان على ركبتيه. أخيراً نظر جيم وسيرينا إلى بعضهما وتثاءبا معلنين أن الوقت صار متأخراً. ذهبا إلى غرفة نومهما، وظل الثلاثة بمفردهم.

حلَّ الصمت من جديد. والداه يحدقان في ظلال جسديهما، ويرنوان بنظريهما بين الحين والآخر إلى ابنهما، وكأنهما لا يريدان أن يزعجاه في حالته الجديدة.

بعد عدة دقائق انحنى وليم ستونر وتكلم، بدا صوته أعلى وأكثر قوة مما نوى حين قال: “عليَّ أن أخبركما عاجلاً. كان عليَّ أن أخبركما الصيف الماضي، أو هذا الصباح”.

كان وجها أبويه كئيبين وخاليين من التعابير في ضوء المصباح.

“ما أحاول قوله هو أنني لن أعود معكما الى المزرعة”.

لم يتحركا، قال والده: “عليك أن تنهي بعض الأمور هنا، يمكننا أن نعود في الصَّباح وتعود أنت إلى البيت بعد بضعة أيام”.

فرك ستونر وجهه براحة كفه وقال: “ليس هذا ما قصدته. أنا أحاول أن أخبركما بأنني لن أعود إلى المزرعة أبداً”.

انعقدت يدا والده على ركبتيه وعاد إلى الوراء في الكرسي، قال: “هل أوقعت نفسك في المشاكل؟”

أجاب ستونر مبتسماً: “لا شيء من هذا القبيل، سأمضي عاماً آخر في المدرسة، ربما عامان أو ثلاثة أعوام”.

هزَّ والده رأسه: “رأيتك تتخرج هذا المساء. وقد أخبرنا وكيل المقاطعة أن مدة الدراسة في كلية الزراعة أربع سنوات”.

حاول ستونر أن يشرح لوالده ما هو عازم على فعله، حاول أن يستثير فيه إحساسه بالأهمية والعزم. أصغى إلى كلماته وكأنها تخرج من فم شخص آخر، راقب وجه والده الذي تلقى تلك الكلمات كحجر يتلقى ضربات متكررة من قبضة. عندما انتهى جلس يصغي إلى صمت الغرفة ويداه معقودتان بين ركبتيه ورأسه محني.

أخيراً تحرك والده في كرسيه. رفع ستونر بصره إلى وجهي والديه قبالته وكاد أن يهتف بهما.

قال أبوه بصوت أجش متعب: “لا أعرف، لم أكن أتوقع أن الأمر سينقلب هكذا. ظننت بأنني كنت أفعل أفضل ما باستطاعتي عندما أرسلتك إلى هنا، أنا وأمك كنا دائماً نفعل أقصى ما بوسعنا من أجلك”.

قال ستونر: “أعلم”. لم يستطع أن يطيل النظر إليهما أكثر.” هل ستكونان بخير؟ يمكنني أن أعود فترة هذا الصيف للمساعدة. يمكنني..”

“إذا كنت تظن أن عليك البقاء هنا لدراسة كتبك، فهذا ما عليك فعله. يمكنني وأمك تدبر الأمر”.

كانت أمه قبالته، لكنها لم تره. كانت عيناها مغلقتين بشدة، تتنفس بصعوبة، بدا وجهها مجدولاً بالألم، وقبضتاها المغلقتان تضغطان على خديها. أدرك ستونر بدهشة أنها كانت تبكي بعمق وصمت، بشعور بالخجل والإحراج هي التي لا تبكي إلا نادراً. راقبها لحظة ثم نهض بتثاقل وخرج من الردهة. سلك طريقه عبر الدرج الضيق الذي يؤدي إلى عليته، استلقى على سريره وقتاً طويلاً بعيون مفتوحة تحدق في الظلمة حوله. Continue Reading »

large_hCPvO18vdEntYPH05sZnfUBAIid

هذه ترجمتي لكتاب “رابطة الشُّعراء الأموات”، المقتبس عن الفيلم الشَّهير الذي يحمل الاسم نفسه والذي كتب قصته توم شولمان عام 1989 ولعب دور البطولة فيه روبن وليامز. نانسي هورويتز كلينباوم من مواليد 30 آب عام 1948هي كاتبة وصحفية أمريكية تعيش في نيويورك مختصة في أدب الأطفال.

 

 

الفصل الأول

 

في أكاديمية ويلتُن الخاصَّة، تلك الواقعة على تلال فيرمونت النَّائية، جلس أكثر من ثلاثمائة فتى داخل الكنيسة الحجرية الصَّغيرة على جانبيْ الممرّ الطويل وهم يرتدون جميعاً سترة الأكاديمية، يحيط بهم أهلهم الفخورون، وظلُّوا ينتظرون حتى تناهت إليهم أصداء مزامير القِربة. حينها فقط قام رجل مسنّ قصير القامة تلفّه أردية منسابة بإشعال شمعة، وقاد موكباً من طلاّب يحملون الرايات، ومدرّسين بأزيائهم الرسمية، وخرّيجين، على امتداد رواق حجريّ طويل نحو الكنيسة الصَّغيرة الجليلة.

سار حمَلة الرايات الأربع بمهابة إلى المنبر. ببطء، يتبعهم الكهول من الرجال، وقد حمل آخرهم الشَّمعة المضاءة باعتزاز.

وقف مدير المدرسة جيل نولان، الرجل الستينيّ الضَّخم، عند المنصّة يراقب منتظراً اختتام الموكب. ثم قال بشكل مثير وهو يشير إلى الشَّمعة في يد الرجل:

“السيدات والسادة.. أيها الفتيان.. نور المعرفة”.

صفّق الحضور بتهذيب عندما تقدّم السَّيد المسنّ ببطء حاملاً الشَّمعة. في حين سار عازف القِربة نحو زاوية المنبر، وأخفض حاملو الرايات الأربع أعلامهم التي كُتب عليها: “تقاليد”، “شرف”، “انضباط”، “تفوّق”، واتخذوا مكاناً لهم بين الحضور بهدوء. تقدّم السَّيد حامل الشَّمعة من الحضور حيث جلس الطلاّب الجدد ممسكين بشموع غير مضاءة. ثمّ انحنى إلى الأمام على مهل، وأضاء شمعة أوّل طالب عند الممرّ.

ترنّم مدير المدرسة نولان بمهابة: “سيمرّر الأكبر سنّا نور المعرفة إلى الأصغر”، في حين كان كلّ واحد من الفتية يضيء شمعة الطالب الجالس إلى جانبه.

“أيها السَّيدات والسَّادة، أيها الخرّيج الأغر، أيها الطلاب… نحتفي، هذه السَّنة، سنة 1959، بمئوية تأسيس أكاديمية ويلتُن. منذ مائة عام، حين جلس سنة 1859 واحد وأربعون فتى في هذه الغرفة وطُرح عليهم السُّؤال نفسه الذي نطرحه عليكم في بداية كلّ سنة دراسيّة”. ثمّ توقّف نولان بشكل مسرحيّ، وسرّح بصره في الغرفة الممتلئة بوجوه شابة وجِلة ومُجهدة. وبعد ذلك قال بصوت هادر: “أيها السادة، ما هي الأركان الأربعة؟”

كسرت حركة الأقدام الصَّمت المهيب عندما نهض الطلاّب للوقفة الرسميّة. تلجلج تود أندرسُن البالغ من العمر ستة عشر عاماً، وهو واحد من القلّة الذين لا يرتدون سترة المدرسة، حين نهض الفتية من حوله على أقدامهم. وكزته والدته بمرفقها. كان وجهه مهموماً ومغتمًّاً، وعيناه مكفهرّتين غضباً. وراقب بصمت الفتية من حوله وهم يصيحون بانسجام: “تقاليد! شرف! انضباط! تفوّق!”

أومأ نولان، فجلس الفتية. وعندما همد صريف الكراسي، ران صمت مهيب على الكنيسة الصغيرة.

هدر العميد نولان عبر المصدح: “خرَّجت أكاديمية ويلتُن في سنتها الأولى خمسة طلاب”. توقّف بُرهةً ثم أردف: “خرَّجنا السَّنة الماضية واحداً وخمسين طالباً والتحق أكثر من خمسة وسبعين في المائة من هؤلاء بكلّيات رابطة اللبلاب[1]!”

ملأ انفجار من التهليل الغرفة، عندما بارك الآباء المتباهون الجالسون بالقرب من أبنائهم مساعي نولان. شارك اثنان من حَمَلَةِ الرايات في التهليل وهما نوكس أوفرستريت وصديقه تشارلي دالتون، وكلاهما في سنّ السَّادسة عشرة. متباهيين بستر ويلتُن، مجسّدين بجلوسهما بين أهليهما، صورة رابطة اللبلاب. كانت لنوكس تسريحة شعر قصيرة، ابتسامة تطفح بالودّ، وقامة رياضيّ. في حين كان تشارلي وسيم المحيّا مفعماً بالحيوية.

واصل العميد نولان عندما تلفّت نوكس وتشارلي نحو زملائهما: “هذا النوع من الإنجاز، هو نتيجة فرادة ما يتمّ ترسيخه في الطلاّب هنا من مبادئ.  ولهذا السَّبب يرسل الآباء أبناءهم إلى هنا، ولهذا السَّبب تعدُّ مدرستنا أفضل مدرسة إعدادية في الولايات المتّحدة”. توقّف نولان للتهليل الذي تلا كلامه. ثم واصل موجّهاً اهتمامه نحو الفتية المنضمين حديثاً إلى صفوف أكاديمية ويلتُن: “أيها الطلاب الجدد، يستند مفتاح نجاحكم إلى الأركان الأربعة. وهذا ينطبق على تلاميذ الصَّف السَّابع والطلاب المنقولين على حدّ السَّواء”. تلوَّى تود أندرسُن ثانية في مقعده لدى الإشارة إلى الطلاب المنقولين، وملامح الحرج بادية على وجهه. “الأركان الأربعة هي مُثل هذه المدرسة، وسوف تصبح الأركان الأساسيّة لحيواتكم”. ثم نادى نولان: “مرشح رابطة ويلتُن ريتشارد كاميرون”، فنهض واحد من حملة الرايات على قدميه سريعاً.

صاح كاميرون: “نعم، سيّدي!” شعَّ وجه والده الجالس إلى جانبه بالفخر.

“كاميرون، ماهي التقاليد؟”

“التقاليد، يا سيد نولان، هي حبّ المدرسة، البلاد، والعائلة. وتقاليدنا في ويلتُن هي أن نكون الأفضل!”

“جيد، سيد كاميرون”.

“مرشح رابطة ويلتُن جورج هوبكنز. ما هو الشَّرف؟”

جلس كاميرون على نحو رسميّ وابتسم والده باعتداد.

أجاب الفتى: “الشرف هو الوقار واحترام الواجب!”

“جيّد، سيد هوبكنز. مرشّح شرف الرابطة نوكس أوفرستريت”. وقف نوكس حاملاً إحدى الرايات هو أيضاً.

“نعم، سيدي”.

سأل نولان: “ما هو الانضباط؟”

“الانضباط هو احترام الوالدين، المدرّسين، والمدير. ينبع الانضباط من الداخل”.

“شكراً لك، سيد أوفرستريت.  مرشّح الشَّرف نيل بيري”.

جلس نوكس، مبتسماً. ربّت والداه المجانبان له، على كتفيه، مشجعَين.

قام نيل بيري على قدميه. كان جيب صدر سترته مكسوّاً بعنقود ضخم من دبابيس الإنجازات[2].  وقف الشَّاب ذو الستة عشر عاماً على نحو مطيع، وهو يحدج العميد نولان بغضب.

“التَّفوق، يا سيد بيري؟”

أجاب بيري بنبرة عالية رتيبة تشبه نبرة المدّعي: “التفوّق هو نتيجة العمل الجادّ.
التفوّق هو مفتاح كلّ نجاح، في المدرسة وفي كلّ مكان”.

جلس وحدّق مباشرة إلى المنبر. وكان والده العابس بجانبه يحدّق بصمت وبنظرة متحجّرة، دون أن يظهر أدنى اهتمام بابنه.

واصل العميد نولان: “أيها السَّادة، سيفوق عملكم في ويلتُن مشقّة كل عمل خبرتموه سابقاً في حياتكم، وسيكون النَّجاح الذي نتوقّعه جميعنا منكم مكافأتكم. بمقتضى تقاعد محبوبنا مدرّس اللغة الإنجليزية، السيد بورتيوس، آمل بأنكم ستنتهزون هذه الفرصة للقاء بديله، السَّيد جون كيتينج، وهو بنفسه متخرّج في هذه المدرسة بدرجة الشَّرف، كان يدرِّس في السنوات القليلة الأخيرة، في مدرسة تشيستر المحترمة للغاية في لندن”.

انحنى السيد كيتينج، الجالس مع أعضاء هيئة التَّدريس الآخرين، إلى الأمام قليلاً تعبيراً عن الشكر لتقديمه. كان كيتينج في باكورة ثلاثينياته، له شعر بني وعينان بنيّتان، رجل عاديّ المظهر متوسّط الطول. بدا أنه محترم ومثقّف، لكن والد نيل بيري حدّق نحو مدرس اللغة الإنجليزية الجديد بارتياب.

قال نولان: “في ختام هذه المراسم الترحيبيّة، أودّ أن أدعو إلى المنصة أقدم خرّيجي ويلتُن الأحياء، السيد ألكسندر كارميتشل الابن، من دفعة عام1886”.

نهض الحضور بحفاوة بالغة عندما شقّ الثمانينيّ طريقه إلى المنصّة ببطء جهيد مُعرضاً بكبرياء عن مساعي المساعدة التي عرضها الجالسون بجانبه. ودمدم ببعض كلمات بالكاد سمع الحضور منها شيئاً، وبذلك انتهى الاجتماع. وخرج رتل الطلاب وآبائهم من الكنيسة إلى ساحات الحرم الباردة.

مبانٍ حجرية مكشوفة وقد عزل التقشف المتّبع ويلتُن عن العالم من خلفها. راقب العميد نولان الطلاب والأهل وهم يتبادلون تحيات الوداع مثل قسٍّ واقف أمام كنيسة يوم أحد.

برفق، أزاحت والدة تشارلي دالتون الشَّعر عن عينيه وضمّته بشدة. عانق والد نوكس أوفرستريت ابنه بحنان عندما سارا حول الحرم مشيراً إلى معالمه. وقف والد نيل بيري بثبات، يسوّي دبابيس الإنجازات على سترة ابنه. في حين وقف تود أندرسن وحيداً، يحاول نبش حجر بحذائه. ووالده غير بعيد عنه يتحدّث إلى زوجين آخرين، متجاهليْن ابنهما هما أيضاً. وعندما اقترب منه العميد نولان وحاول أن يلقيَ بنظرة على بطاقته الاسمية، جفل تود وحدّق إلى الأرض مرتبكاً.

“آه، سيد أندرسن.  لديك عمل كبير تقوم به، أيها الشَّاب. لتُجاريَ أخاك الذي كان واحداً من أفضل طلاّبنا”.

قال تود بخفوت: “شكراً لك سيّدي”.

تابع نولان سيره، يتجول مارًّا بالأهل والطلاّب، محيّياً إيّاهم ومبتسماً طوال الوقت. وعندما وصل عند السيد بيري ونيل، توقّف ووضع يده على كتف نيل.

قال العميد لنيل: “ننتظر منك أشياء عظيمة، يا سيد بيري”.

“شكراً لك، سيد نولان”.

قال والد الفتى لنولان: “لن يخيّبنا، صحيح يا نيل؟”

“سأبذل قصارى جهدي، يا سيدي”. ربّت نولان على كتف نيل وتابع سيره. لاحظ أن ذقون الكثير من الفتية الأصغر سنّا ترتعش، ودموعهم تسيل فيما هم يودّعون آباءهم، ربما للمرّة الأولى.

قال أحد الآباء، مبتسماً وملوّحاً وهو يسير بسرعة مبتعداً: “ستحب المكان هنا”.

قال أب آخر بغضب وهو يبتعد عن ابنه الخائف الباكي: “لا تكن طفلاً”.

على مهل خرج الأهل بشكل تدريجيّ وانطلقت السَّيارات. صار للأولاد بيت جديد في أكاديمية ويلتُن، معزول في غابات فيرمونت الخضراء والباردة في آن.

انتحب أحد الفتيان: “أريد الذَّهاب إلى البيت!” فربّت زميل يكبره سنّاً على ظهره وقاده نحو بيت الطلبة. Continue Reading »

حكاية

كان في وسعها أن تصفع نفسها في تلك اللحظة، لكنها كانت في حالة من التعب والكآبة فاكتفت بتخيل ذلك. كانت أمسية كباقي الأمسيات التي تجلس فيها وحيدة أمام شاشة الكمبيوتر تشاهد فيلماً ما، مشاهدة ينقصها التركيز في غالب الأحيان، فقط كي تؤنس وحدتها.

منذ شهر أو أكثر قليلاً، أكد لها الطبيب أن كل شيء سيكون على ما يرام، مستبعداً أي شبهة للإصابة بمرض السرطان بعد المعاينة الأولية وبعد أن طرح عليها عدداً من الأسئلة، من ضمنها سؤال عما إذا حدث وأن أصيب أحد أفراد العائلة سؤال أجابت عليه بالنفي بكل صدق وثقة.

بعد مضي أسبوع على زيارة الطبيب، تلقت منه رسالة تفيد بأن الخزعة التي تم فحصها لم تشر إلى وجود أي مرض خبيث وإن كانت في الوقت نفسه غير كافية لتبين طبيعتها تماماً.

في البداية، بعد سماعها كلمة “سرطان”، انهارت تماماً، وانفجرت بالبكاء-كانت تنفجر بالبكاء لأسباب أقل شأناً بكثير، وأحياناً دون سبب على الإطلاق-كان محزناً بالنسبة لها أن تموت قبل أن تعرف طعم الحياة، وأن يكون متعذراً اللقاء بمن تحب، لكن بعد سماعها كلمات الطبيب اطمأنت ولربما بعد التفكير ملياً في الموضوع، وجدت أن حياتها وموتها سواء ولا داع لكل هذا القلق.

لكن في تلك اللحظة، عندما تخيلت أنها تصفع جبهتها، كانت قد خطفتها الذكرى من مشاهدة الفيلم، مثل وميض البرق، عن ثلاثة أشخاص، أولهم، على الأرجح، كانت صغرى شقيقات والدها، التي قتلها سرطان البنكرياس وكانت في السابعة والعشرين من عمرها، لم يمض على إنجابها لتوأم مكون من طفلتين سوى بضعة أشهر، صورة وحيدة كانت لا تزال عالقة في ذاكرتها لتلك العمة، صورة معتمة تضيئها نار الفرن الذي كانت تسخن عليه سندويتشات لها ولابن عمتها الذي كان في مثل عمرها، في بيت جدها، عندما كان الجميع في المستشفى برفقة عمتها الأخرى، كبرى شقيقات والدها، التي كانت في ذلك الحين مصابة بسرطان الدم وتوجب نقلها إلى المستشفى أثناء زيارتها لأهلها في حمص، إذ كانت تقيم –هي وأختها الصغرى-في دمشق العاصمة، هذه العمَّة أيضاً توفيت بعد عام من وفاة أختها، ولم ينفع في شفائها ذهابها للعلاج في ولاية أريزونا الأمريكية، كانت مرافقتها إلى المطار لوداعها الذكرى الوحيدة التي تملكها عنها. أما الثالث فهو عمها، شقيق والدها الأكبر الذي توفي بعد أخيه بحوالي ستة أشهر، قبل عشر سنوات، ولا تعرف على وجه التحديد إذا ما كان مصاباً بسرطان الدم، أم سرطان نقي العظام، لأن العلاقات كانت منقطعة مع من بقي من عائلة والدها منذ وفاته.

ربما كانت تستحق صفعة حقيقة وليس متخيلة، لنسيانها كل هذا دفعة واحدة، ولو أنه لن يغير في الأمر شيء، لكن كان جيداً أن تعرف أن للسرطان تاريخ، وقصص طويلة في عائلتها، وأن في وسعها أن تكون هي، ذات يوم، من يعيد بناء هذه العلاقة.

 

 

blogger-image-840491978

 

Syria

O beautiful happy Syria

Like a hearth in December

O unhappy Syria

Like a bone between dog’s teeth

O callous Syria

Like a scalpel in the surgeon’s hands

We are your good-hearted children

We have eaten your bread, olives, and your whips

Always, we will lead you to the springs

Always, we will wipe your blood with our tender fingers

And your tears with our dry lips

We will always pave the paths for you

We will not let you get lost, Syria

As a song in a desert.

Even the wolves

When you feeling sad

Both, The River and the boat are feeling sad with you

The willow trees and the gray sparrows

The mountain and the lamp of the room

The curtains and the sunlight

The heart in the chest

And the fish in the rivers

And even the wild wolves of the wilderness

Even the wolves

Are burying their heads in the sand and cry.

Tomorrow morning

We will climb the tree and eat the berry

Tomorrow morning

I will take your hand and run in the wilderness

Tomorrow morning

I will kiss you a thousand kisses

 Moreover, to you, I will say a thousand good mornings

Nevertheless, who can assure me that the morning is coming?

The night is expanded like an ages

The woman is in the balcony

And I am in the prison.

 

الكتب التي لا نفهمها-تيم باركس

ما الذي يجري عندما، ببساطة، لا يبدو لك كتاب ما معقولاً؟ ربما أحد الكتب الكلاسيكية التي يشيد بها الجميع. أو كتاب جديد طلبَ منك التعليق عليه، أو كتاب أوصى به ناشر بحماس.

لا أعني أنَّك تجد الأسلوب شاقاً، أو سير الكتاب بطيئاً، بل ببساطة، تجد أن الشَّخصيات، تأملاتها، أولوياتها، طريقة تفاعلها، غير معقولة حقاً. تشعر بأنَّك تفقدها في الظَّلام. وردُّ فعلك المحتَّم، لا سيَّما إذا كنت قارئاً محنَّكاً، هو أن هذا لابد أن يكون خطأ المؤلِّف. هو، أو هي، ليس راصداً جيداً للحياة.

إن رواية “يوليسيس” هي الشَّاهد الأكثر درامية على هذا في سيرتي القرائية، أو كانت كذلك: يعرف “ليوبولد بلوم” أن زوجته تخطط لخيانته مع المتبجح السُّوقي “بليز بويلان”. إنه أمر يهتم له بعمق. إنه محزنٌ ومخز. ولكنه ينفق صفحة تلو أخرى متأملاً في شتى أشكال الأمور الأخرى، مفكراً في أحاجي وألاعيب لفظية، ممتلئاً بالدهشة أمام معروضات في واجهة متجر، وأصوات، وروائح.

قرأت الكتاب أولاً في سني مراهقتي، ثم قرأته مرة ثانية في الجامعة، عندما كنت في العشرينيات من عمري، يمكن أن أقدِّر أن بلوم، ربما لم يبدُ قادراً على مواجهة زوجته، لكني لا أستطيع تخيُّل أن الحالة الفاجعة، مع كل ما ترتبه من آثار على حياته المستقبلية، ليست تطرق في رأسه آناء النَّهار. بالتأكيد، لخيانة مثل هذه، أن تشغل تفكيره كلياً في النحو الأكثر إلحاحاً واستحواذيه. وبالتالي بدا لي أن حبكة الكتاب قد وضعت بشكل عرضي للغاية كمجرد وسيلة لـ “تيار الوعي” عند جويس، فرصة لكتابة صفحة غنائية بعد أخرى عن عالم عادي. لو كان الكتاب نشر للتو وطلب مني كتابة واحدة من أولى التقييمات، كان لمراجعتي أن تكون مختلطة، على الأقل. لكن من ناحية أخرى، لو ننظر إلى مراجعات مبكرة كتبت عن كثير من الروايات التي تعتبر الآن تحفاً أدبية، ربما نجد بين الردود الإيجابية الكثيرة أمثلة متكررة عن قراء محنكين، الذين، ببساطة، فاتتهم الفكرة عن حسن نية.

ههنا يكتب الناقد العظيم “جون ميدلتون موري” عن د. ه. لورنس:

رواية “نساء عاشقات” هي عبارة عن خمسمئة صفحة من اتِّقاد مشبوب العاطفة، موجة تلو أخرى من كتابة مثارة، طنَّانة، مدفوعة نحو ثمَّة نهاية خفيَّة وبعيدة، الضَّرب الخفي الثابت من بحر مظلم وبعيد المنال في عالم سفلي سكانه معروفون بهذا وحده: أنهم يتقلبون على الدَّوام، كالملاعين، في سعار من وعي جنسي بعضهم لبعض. يؤمن مبتكرهم أنه يستطيع تمييز تلوِّي الواحد من تلوِّي الآخر… بالنسبة له هم مختلفون بعمق وكلية، بالنسبة لنا لا فرق بينهم.

لا يسع موري رؤية ما يميِّز شخصيات لورنس، نتيجة لذلك لا تبدو له الميلودراما منطقية، والحبكة تصبح رتيبة. فشله هو الأكثر طرافة باعتبار أنه كان صديقاً للورنس بالفعل، من المفترض أن موري كان مدركاً تماماً لهواجس لورنس. بعد تدريس “نساء عاشقات” للعديد من السَّنوات، أجد أن الشَّخصيات تكاد تكون موضَّحة أكثر من اللازم، تكاد تكون تخطيطية. لا يستطيع جودرون وجيرالد كثنائي، الإفلات من منطق النزاع، على الواحد أن يهيمن على الآخر.  يعيش كل منهما في خوف من أن يهزمه الآخر. العلاقة بالنسبة إليهما هي حرب. بالمقابل، بيركن وأورسولا مدركان لمخاطر النِّزاع. يعيشان في خوف من أنهما سوف يقعان في الفخ الذي وقع فيه الثنائي الآخر. إنه واضح تماماً على نحو مؤلم. الخوف في كل مكان ودوماً متعلِّق بالنزاع، بطريقة أو بأخرى. لكن موري، ولو أنه كان ناقداً ممتازاً وبعدة أوجه يصف الكتاب وصفاً جيداً، لم يتمكن من رؤيته. لم يخطر له أن هناك أناس يعيشون بهذه الطريقة.

ينطبق الأمر نفسه على هذا المعاصر المجهول لتوماس هاردي، مراجعاً روايته العظيمة “عودة المواطن” في مجلة الـ “Spectator ” عام 1879:

تبدو مأساة السَّيد هاردي محددة بالكآبة عمداً. إنها تمنحنا جرعة من البؤس الإنساني، بدلاً من اللوعة الإنسانية-من عجز رجل عن أن يكون عظيماً في المعاناة، أو أي شيء آخر، بدلاً من عظمته في معاناة… التياع البطل خالص، بؤس صرف، ليس لوعة من أعمق الأشكال وأنبلها، التي يسعها أن تبصر أملاً في المستقبل وتندم على أخطاء الماضي.

بصورة خاصَّة، كان لدى المراجع مشكلات مع الشَّخصية التي هي روح الكتاب بأشكال عديدة:

لا تؤنِّب بطلة القصَّة الشَّهوانية ببرودة، يوستيشيا فاي، نفسها أبداً ولو للحظة على تقلِّب وفقر عواطفها. بل على العكس، لا تشعر بأن لأي شيء يعتمل في داخلها علاقة بالصَّواب والخطأ على الإطلاق، أو بوجود أمر كالمسؤولية.

شهوانية ببرودة هو إجمال ممتاز لشخصية “أوستيشا”. قرأ الناقد بعناية وبذهن منفتح. لكنه لا يستطيع تقبُّل أن يكون لمثل هؤلاء الناس وجود، أو أنه إذا كان لهم وجود فإنه من الواجب تقديمهم لنا في روايات جديرة باهتمامنا وشفقتنا. تلمح إشارات عديدة-“ندم”، “مسؤولية”-أنه يفكر بالحياة بالمعنى الأخلاقي، الخير والشَّر، ويتوقع أن يراها ممثلة بهذه الطريقة.  لا يسعه تجاوز واقعة أن هاردي يظهر أنه يتحرك في عالم مختلف من المشاعر، عالم تكون فيه رغبة أوستيشا بالعيش المكثف طبيعية مهما كان الثَّمن، بل محببة، تتخطى كلياً ما يمت بصلة للأخلاق. لعجزه عن التجاوب بشكل إيجابي مع هذا، يصبح المراجع توجيهياً، مطالباً بالمفاهيم التقليدية مما ينبغي أن تكون عليه “المأساة” ومتذمراً من أن هاردي لم يكن مصيباً في أسلوبه.

هل يمكن أن يقال أي شيء مفيد أو موضِّح عن سوء الفهم أو النقاط العمياء هذه؟ بالتأكيد، في حالة توماس هاردي، يمكن للمرء القول إنه كان شائعاً إلى حدٍّ ما إساءة فهمه بهذه الطريقة، بطلب مبادئ أخلاقية لم يكن لها وجود هناك. احتجَّ المراجع موبري موريس ضد “تس من دوبرفيل” قائلاً: “هل للشعور العادي بالإنسانية ضد الإغواء، الزنا، والقتل أساس في صلب الأشياء؟” قصف مراجع آخر: “جود الفاحش”. هل يمكن أن يكون إذن أننا نملك قرينة هنا على أن كاتباً غير منسجم مع روح العصر. أو في حالات أخرى، حيث يحصل الجميع على كتاب-يوليسيس-وأنت لا، يعني أنك خارج الخط. أنت تعيش في عالم مختلف.

منذ بضع سنوات، بينما كنت أقرأ كتاب عن السيكولوجيا الجهازية، صادفت فكرة “الحادثة المبهمة”. الفكرة بسيطة إلى حد كاف. يلتقي شخصان من خلفيتين مختلفين تماماً ويصبحان متورطين في علاقة. ربما منجذبين جنسياً، انجذاباً متبادلاً، يصبحان صديقين حميمين. ثم يحدث أمر ما-ربما لقاء عائلة الآخر، مشاركة في حركة سياسية، تأمل ثمَّة فعالية جنسية معينة-يكشف لهما أنهما ينظران إلى الحياة بطريقتين مختلفتين تماماً. ليس فقط أنهما لا يتفقان، لكن إذا جاز لنا القول، لا يفهمان من أي مكان يأتي الآخر، وضع الشَّخص الآخر غير مفهوم، ربما مهدِّد.

لتوضيح الفكرة تعتمد عالمة النفس الإيطالية “فاليريا أوجاتزيو” في كتابها “الأقطاب الدلالية وعلم النفس المرضي في العائلة”، على شخصيتين من رواية ميلان كونديرا “خفَّة الكائن التي لا تحتمل”:

اتَّسمت علاقة (فرانز وسابينا) منذ البداية بحوادث مبهمة: يدعوها كونديرا “كلمات أسيء فهمها” ويطور مسرداً قصيراً منها…

عند نقطة ما، طرحت سابينا على فرانز سؤالاً: “لماذا لا تستعمل أحياناً قوتك علي؟”

أجاب فرانز: “لأن الحب يعني التَّخلي عن القوة”.

وسابينا أدركت أمرين: أولاً، أن كلمات فرانز كانت نبيلة وعادلة، ثانياً، أن فرانز، بهذه الكلمات، يستبعد نفسه في نظرها كشريك جنسي.

كثيراً ما أخبر فرانز سابينا عن أمه، ربما بنوع من الحسبة اللا واعية. تخيَّل أن قدرته على الإخلاص قد تجذب سابينا، وبالتالي قد تقتنع به. لم يعرف فرانز أن سابينا كانت منجذبة بالخيانة، وليس بالإخلاص.

ارتعد فرانز تقززاً عندما حدَّثته سابينا مرة عن تجوالها في المقابر. كانت المقابر بالنسبة له: “مزابل للحجر والعظام”، لكن بالنسبة لها، كانت المكان الوحيد الذي يذكِّرها بمسقط رأسها، بوهيميا.

أعجب فرانز بوطن سابينا. عندما حدثته عن نفسها وعن أصدقائها التشيك، سمع فرانز كلمات السِّجن، الاضطهاد، الدبابات في الشَّوارع، النُّزوح، ملصقات وأدب محظور، وسابينا بدت أكثر جمالاً، لأنه يستطيع أن يلمح من خلفها دراما وطنها المؤلمة… لم تشعر سابينا بالحب نحو تلك الدراما. كانت كلمات السِّجن، الاضطهاد، الكتب المحظورة، احتلال، ودبابات، قبيحة في نظرها، خلت من حبكة رومانسية في أبسط أشكالها.

إذا أراد كل من فرانز وسابينا المضي في علاقتهما نحو ما يتجاوز الطور الأول من الافتتان الجنسي الكثيف، سيتوجب على كل واحد منهما الانفتاح والتغير، أن يتعلم رؤية العالم بطريقة مختلفة. لكن على حد قول “أوجاتزيو”، بما أن ليس الجميع متحمسين للخروج من الوضعيات التي نشأوا عليها، سوف تنهار علاقات كثيرة عندما تعترضها “كلمات مساء فهمها”. هكذا انفصل فرانز وسابينا أخيراً. ومع ذلك هذه ليس نهاية المسألة تماماً. بعد أن انفصلا، بدأت سابينا تفتقد فرانز. في مقبرة مونبارناس، تجد نفسها فجأة قادرة على رؤية المقابر -وربما أيضاً على الإحساس بها-كما رآها فرانز. أن تفهم من أين كان قادماً. من ثم تتمنى لو أنها لم تكن برمة للغاية معه. حفزت الحادثة المبهمة لحظة النمو.

هل هناك تشابه مع الطريقة التي نقرأ بها؟ هل يمكن أن يكون الكتاب الذي يبدو في الأصل خاطئاً بوضوح بالنسبة إلينا، هو الكتاب نفسه الذي يسمح لنا بفهم شيء جديد حول أناس آخرين؟ لنفترض أننا عندما نبدأ برواية، الدعوة لمشاركة قصة، لأن نقترب من مجموعة من الشخصيات، تعمل مثل مهمة ايروتيكية. نحن مشدودون. يمكن أن تكون الصفحات الافتتاحية في الروايات مغوية على نحو رائع. يفتتح تولستوي رواية آنا كارنينا: “جميع العائلات السَّعيدة متشابهة، كل عائلة تعيسة هي تعيسة على طريقتها الخاصة”. أنا لست على يقين من أني أتفق حقاً مع كلا جانبي هذه الحكمة، لكن من في وسعه مقاومة مثل هذا الخبر الواعد؟ يعلن أورويل مقدماً لنا عالم 1984:”كان يوما بارداً ساطعاً في شهر نيسان، وكانت السَّاعات تدق الثالثة عشرة”. كيف لا يمكننا مواصلة القراءة. يفتتح بيتر بان: ” كبر جميع الأطفال فيما عدا واحد”. نريد أن نعرف من هو ذلك الفرد. تملك قصة جيوفاني فيرجا العظيمة، الخبز الأسود، واحدة من أكثر العبارات الافتتاحية التي أعرفها جاذبية: “لم يكد الجار ناني يغمض عينيه، والكاهن لا يزال جالساً هناك في مقعده، حتى اندلعت الحرب بين الأطفال حول من عليه أن يدفع تكاليف الجنازة، لذلك طرد الكاهن ومرشة الماء المقدَّس تحت إبطه”.

ما إن نعلَق، عندئذٍ طالما يتقدم السَّرد ويأسرنا سوف لن يصعب علينا كثيراً التعامل مع أشياء لا نجدها منطقية. بل على العكس، أي تعقيدات مبكرة سوف تعترضنا باعتبارها غريبة، هي جزء من التشويق. لكن في نهاية المطاف، سوف نتقاعس مع بعض الروايات على الأقل. بعد مئة أو مئتي صفحة، سوف نبدأ بالشعور أن هذا ليس منطقياً وحسب. تقدم مراجعات مبكرة، لكن أيضاً الكثير من الردود حديثة العهد على كتاب لورنس “أبناء وعشاق”، مثالاً ممتازاً. طالما أن الرواية أمعنت النظر في طفولة موريل المخيفة، ترعرعه في ظل نزاع والديه العنيف، كان القراء متعاطفين. لكن عندما يبلغ الفتى الجبان سن الرشد يهرب الكثيرون، أتذكَّر أن هذا ما فعلته أمي عندما شجعتها على قراءة الكتاب.

كتب مراجع في مجلة TheNation: “يعاني الكتاب تغييراً جذرياً، ما يثير حزننا وذهولنا، وليس نحو شيء ثري وغريب، لكن نحو شيء هزيل ومبتذل -لابد أن المفردات استعملت بشكل متناقض بكل هذا الامتداد من الصراحة الشفوية المجفلة. يزداد شعورنا بهذا أكثر فأكثر بلا جدال، عندما نشمئز متعبين من المشاهد المتواصلة من الشغف الجنسي…”

يتساءل المرء إذا ما استوعب هذا القارئ لاحقاً أن بول عرَّف الخوف الذي يميز طفولته، خوف يكبحه بكل شكل من الأشكال، جنسياً قبل كل شيء، باعتباره عدوه الأول. هو مصمم على هزيمة الخوف، مصمم على الانفتاح على دوافع الحياة بدلاً من الإحجام عنها. لذا النصف الثاني من “أبناء وعشاق” على صلة مع النصف الأول بشكل ماثل للعيان ومؤكد.

قيل الكثير جداً عن “استعمالات الأدب”، التي تربطها دوماً تقريباً علاقة مع كوننا نصبح أكثر تحرراً وشفقة عندما نقرأ عن الظلم. أنا أشك كثيراً فيما إذا كان سلوكنا يتغير نهائياً بهذا النحو. مع ذلك، بجذبنا نحو رؤى مختلفة تماماً عن رؤانا وغريبة، ربما تفتح الروايات، وحتى إذا كنا في الأصل نعافها قرفاً، أعيننا على عوالم مختلفة من مشاعر عن مشاعرنا. بعد سنوات كثيرة، في قراءة ثالثة أو رابعة، منذ دراسة الأدب الإنجليزي ومن ثم تدريسه، ظلت ترغمني على العودة إليها، بدأت أخيراً أنظر بعين العطف نحو ليوبولد بلوم. حيث ستيفان ديدالوس ببساطة “سوف لن يخدم” وهو ممتعض على الدوام من أي شخص يحتج عليه، دوماً مصمم على بلوغ القمة، بلوم هو أكثر من سعيد في أن يخدم زوجته، أن يحضر لها فطورها، ويناولها الكتب التي ترميها على الأرض، ربما لأن لديه حياة داخلية فكرية ينسحب نحوها حيث يشعر بالراحة وفي بيته. هو شفقة الخاسر السمح، الرجل مصمم على ألا يكون مستاءً، وفي هذا الجانب هو النقيض لستيفان. في النهاية إنه بالضبط هذا السخاء من بلوم ما يجعل مولي تواصل الاستجابة له بـ “نعم” حتى عند انجذابها إلى آخرين. وبالرغم من أن هذه سوف لن تكون أبداً طريقتي في العمل، بعد تأمل طويل في الكتاب، رحت أشعر أن موقفه أصيل-وأن هناك حقاً أناس مثل هذا، والشخصية ليست مجرد مبرر لصفحات لا نهائية من التفكير الشِّعري.

أتذكَّر على نحو مماثل تغيير الموقف من كتاب نيكولسون بيكر “The Fermata ” 1994. عندما راجعت في الأصل هذه القصة عن رجل يستعمل قدرته السحرية على إيقاف حياة كل شخص آخر بينما يظل فاعلاً ليعري نساء جميلات فحسب ويستمني على المشهد، بدت لي ممارسة محرجة إلى حد ما في إيروتيكية أدبية. لكن بعد أن قسوت على بيكر فيما نشرته، أدركت تدريجياً أن ما كانت روايته تتحدث عنه هو الأمنيات المتضاربة في رغبة أن تعيش حياة حتى التمام، أن تكون مخلاً تماماً، ومع ذلك في الوقت نفسه، لا تسبب لأحد بالدمار، ولا تترك أدنى أثر من نفسك على الآخرين-بمعنى آخر، أن تبقى، على الأقل غير مؤذ على الإطلاق إن لم نقل نقياً تماماً. وهذا بدا لي فجأة مثيراً للاهتمام كطريقة لرؤية “الأدب” عموماً، تجربة بديلية، أحياناً مخلة لا تتسبب بأي أذى.

هذا لا يعني على الإطلاق أن كل رواية لا تستميلنا سوف تثبت في نهاية المطاف فائدتها. لكن حيث نجد أنفسنا على مواجهة مع أحجية مكتملة-كانت “سبع سنوات” تأليف بيتر شتام (2010) رواية أخرى بدا لي أن شخصياتها تسير في طرق غير منطقية -ربما حري بنا أن نمنح الكاتب الإفادة من الشَّك، أو العودة إلى الكتاب بعد وضعه جانباً إلى حين. بالتأكيد كانت العودة إلى شتام مستحقة العناء. لأنه بعكس الناس الذين نلتقيهم في حياتنا، الأشخاص في الروايات ليسوا بحاجة لأن يكونوا متوعدين. سوف لن يتحدثوا بسوء عن توانينا كي يبينوا أنهم يملكون قيماً أخرى مختلفة تماماً عن قيمنا. وعلى الرغم من أننا ربما لن نكون قادرين أبداً على تقبل هذه القيم، إنه لآسر ومفيد أن تدرك أن هناك أناس يتحركون في عوالم مختلفة كلياً من المشاعر عن عوالمنا.

نشرت هذه الترجمة في العدد الأخير من أخبار الأدب.

http://www.nybooks.com/daily/2017/08/15/the-books-we-dont-understand/

06Nobel-master768.jpg

 

منظر شاحب للتلال-كازو ايشيجورو

الفصل الأول

 

نيكي، الاسم الذي منحناه أخيراً للابنة الصُّغرى، ليس اختصاراً، كان تسوية توصَّلت إليها مع والدها. لأنه، وبشكل متناقض، كان هو من أراد أن يمنحها اسماً يابانياً، وأنا أصررت على منحها اسماً انجليزياً -ربما كان إصراري نابعاً عن رغبة أنانية كي لا أتذكَّر الماضي. وافق أخيراً على اسم “نيكي”، ظناً منه أن ثمَّة صدى شرقياً غامضاً أحاط به.

جاءت لتراني في وقت مبكِّر من هذه السَّنة، في شهر نيسان، عندما كانت الأيام لا تزال باردة وكثيرة الرذاذ. ربما نوت الإقامة مدَّة أطول. لا أعلم. لكنَّ منزلي الريفي والهدوء الذي يحيط به جعلاها ضجرة، وسرعان ما استطعت أن أرى أنها كانت هلوعة للعودة إلى حياتها في لندن. أصغت بنفاد صبر إلى تسجيلاتي الكلاسيكية، تصفحَّت العديد من المجلات. رنَّ الهاتف في طلبها بانتظام، وكانت لتسرع الخطو عبر السَّجادة، هيئتها النحيلة محصورة في ملابسها الضيقة، تحرص على إغلاق الباب من خلفها فلا يكون بوسعي استراق السَّمع لمحادثتها. غادرت بعد خمسة أيام.

لم تأتِ على ذكر “كيكو” حتى اليوم الثَّاني. كان صباحاً عاصفاً مكفهراً، وكنا قد قرَّبنا الكرسيين من النوافذ لمشاهدة تهاطل المطر على حديقتي.

سألت: “هل توقَّعت أن أكون هناك؟ أقصد في الجنازة”.

“لا، لا أخال ذلك. لم أفكِّر حقاً أنك قد تأتين”.

“لقد أزعجني، السَّماع عنها. كنت على وشك المجيء”.

“لم أتوقع منك المجيء أبداً”.

قالت: ” لم يعرف الناس ما كان خطبي. لم أخبر أحداً. أخال أني كنت محرجة. ما كانوا ليفهموا حقاً، ما كانوا ليفهموا مشاعري إزاء ما حدث. يفترض بالأخوات أن يكنَّ أقرب الناس إليك، ألسن كذلك؟ ربما لا تحبهن كثيراً ومع ذلك أنت قريب منهن. ومع ذلك لم يكن الحال كذلك. حتى أني لا أتذكر الآن كيف كان شكلها”.

“نعم، لقد مرَّ وقت طويل منذ أن رأيتها”.

“أنا فقط أتذكرها كشخص اعتاد أن يجعلني بائسة. هذا ما أتذكره عنها. لكني كنت حزينة مع ذلك، عندما سمعت بالنبأ”.

ربما لم يكن الهدوء فقط ما قاد ابنتي للعودة إلى لندن. لأنه مع أننا لم نسهب في التحدث أبداً في موضوع موت “كيكو”، لم يكن مطلقاً بعيداً جداً، محوِّماً فوقنا كلما تحدثنا.

كانت “كيكو” يابانية خالصة، بخلاف “نيكي”، وسارعت أكثر من صحيفة إلى تلقف هذه الحقيقة. الانجليز مولعون بفكرتهم عن أن عرقنا يمتلك غريزة الانتحار، كما لو أن أية شروحات إضافية لم تكن ضرورية؛ لذلك كان كل ما نشروه هو أنها كانت يابانية وأنها شنقت نفسها في غرفتها.

في تلك الأمسية نفسها كنت واقفة إلى النوافذ، أتطلع نحو الظلام، عندما سمعت “نيكي” تقول من خلفي: “ما الذي تفكرين فيه الآن، يا أمي؟” كانت جالسة عبر الأريكة، كتاب ورقي الغلاف على ركبتها.

“كنت أفكر بشخص عرفته سابقاً. امرأة عرفتها سابقاً”.

“شخص ما عرفتِه عندما كنتِ.. قبل أن تأتي إلى..”

“عرفتها عندما كنت أعيش في ناغازاكي، إذا كان هذا ما تقصدينه”. أضفت عندما استمرت في مراقبتي: “منذ وقت طويل. قبل أن ألتقي بوالدك”.

بدت راضية وعادت إلى كتابها بعد أن تلفظت بثمَّة تعقيب غامض. بطرق عدة “نيكي” طفلة حنونة. هي لم تأتِ ببساطة لترى كيف تلقيتُ خبر موت “كيكو”، جاءت إليَّ كما لو أنها مكلَّفة بمهمَّة. لأنها في السَّنوات الأخيرة وضعت على عاتقها أن تنظر بإعجاب إلى جوانب محددة من ماضيَّ، وقد جاءت متأهِّبة لتخبرني بأشياء لم تكن متباينة الآن، عن أن ليس عليَّ أن أشعر بالندم على ما اتخذته من خيارات فيما مضى. باختصار، كي تطمئنني من أنني لم أكن مسؤولة عن موت “كيكو”.

لم يكن لدي رغبة كبيرة في الإسهاب طويلاً في الحديث عن “كيكو” الآن، إنه يمنحني بعض العزاء. أنا فقط أذكرها هنا لأن تلك كانت الظروف المحيطة بزيارة “نيكي” في شهر نيسان، ولأنني خلال تلك الزيارة تذكَّرت “ساشيكو” ثانية بعد كل هذا الوقت. لم أكن أعرف “ساشيكو” معرفة حقَّة أبداً. في الواقع لم تطل صداقتنا أكثر من بضعة أسابيع ذات صيف منذ سنوات عديدة.

كانت أسوأ الأيام قد انتهت حينئذٍ. كان يتواجد عدد كبير من الجنود الاميركيين كما لم يسبق لهم أن كانوا في أي وقت -لأنه كان هناك قتالاً دائراً في كوريا-لكن في ناغازاكي، بعد ما جرى سابقاً، تلك كانت أيام من سكون وانفراج. أحاط العالم شعوراً بالتغيير.

عشنا أنا وزوجي في منطقة تقع شرق المدينة، رحلة قصيرة في الترام من مركز البلدة. جرى نهر بالقرب منا، وقيل لي سابقاً أن قرية صغيرة نشأت على ضفَّة النهر قبل الحرب. لكن حينئذٍ سقطت القنبلة وبعدئذ كان كل ما بقي أنقاضاً متفحِّمة. كانت عملية إعادة البناء قيد التنفيذ وأخيراً شيدت أربعة مباني خرسانية، كل واحد يضم ما يقارب عددها أربعين شقة منفصلة. من بين الأربعة، كان مبنانا المبنى الأخير المشيد من بينها وبعدها توقف برنامج إعادة البناء، كان يفصلنا عن النهر منفسح من الأرض القاحلة، مساحة من الوحل الجاف والحفر. اشتكى الكثيرون من أنها تشكل خطراً على الصِّحة، وبالفعل كان التصريف مرعباً. على مدار السنة كان هناك حفر مملوءة بالمياه الراكدة، وفي أشهر الصَّيف يصبح البعوض غير محتملاً. من حين إلى آخر كان يُرى موظفون يأخذون القياسات أو يدونون ملاحظات، لكن الشُّهور انقضت ولم يحدث شيء.

كان شاغلو الشُّقق السَّكنية كثيري الشَّبه بنا-عائلات حديثة العهد بالزواج، وقد وجد الأزواج عملاً جيداً في شركات متضخمة. كانت ملكية عدد كبير من الشُّقق تعود إلى الشَّركات، التي أجرتها بدروها للموظفين بسعر سخي. كانت جميع الشُّقق متماثلة، كانت الأرضيات من الحصر المصنوعة من القش، تصميم الحمامات والمطابخ غربياً. كانت صغيرة ومن الصَّعب إلى حدِّ ما أن تحافظ على برودتها خلال الشُّهور الدافئة، لكن في العموم كان يسود السُّكان شعوراً بالرضا. حتى أني أتذكر جواً واضحاً من المؤقتية هناك، كما لو أننا جميعاً كنا ننتظر اليوم الذي يمكننا فيه الانتقال إلى مكان أفضل.

كوخ خشبي كان قد نجا من خراب الحرب وجرَّافات الحكومة. يمكنني أن أراه من نافذتنا، منتصب وحيداً عند نهاية ذلك المنفسح من الأرض القاحلة، عملياً على حافة النهر. كان من الأكواخ التي ترى غالباً في الريف، له سطح مكسو بالآجر يتحدَّر نحو الأرض تقريباً. غالباً، خلال لحظاتي الفارغة كنت لأقف إلى نافذتي وأحدق فيه.

إذا كان لي أن أحكم من الاهتمام الذي جذبه قدوم “ساشيكو”، لم أكن أنا الوحيدة التي حدقت نحو ذلك الكوخ. دارت أحاديث كثيرة عن رجلين شوهدا يعملان هناك ذات يوم، وفيما إذا كانا موظفين حكوميين أم لا. لاحقاً دار حديث عن أن امرأة وابنتها الصغيرة كانتا تقيمان هناك، ورأيتهما بنفسي في أكثر من مناسبة تشقان طريقهما عبر الأرض المليئة بالحفر.

كان نحو بداية الصَّيف-وكنت في الشَّهر الثَّالث أو الرابع من حملي حينئذٍ-عندما شاهدت للمرة الأولى تلك السَّيارة الأميركية العريضة، بيضاء اللون وبالية، تهتز شاقَّة طريقها على الأرض القاحلة نحو النَّهر. كان وقتاً متأخراً في المساء، والشَّمس الغاربة خلف الكوخ ومضت لحظةً على المعدن.

عندئذٍ ذات أصيل سمعت امرأتين تتحدثان عند موقف الترام، عن المرأة التي انتقلت إلى المنزل المهجور بجانب النَّهر. كانت واحدة تشرح لرفيقتها كيف تحدَّثت إلى المرأة ذلك الصَّباح ولاقت منها ازدراءً. وافقت رفيقتها أن القادمة الجديدة بدت فاترة-ربما متكبرة. فكرتا أنه لا يمكن أن يقل عمرها عن ثلاثين عاماً، ، لأن الطفلة كانت أقله في العاشرة من عمرها. قالت المرأة الأولى إن الغريبة تحدثت بلهجة أهل طوكيو وبالتأكيد لم تكن من ناغازاكي. تكلمتا لفترة حول “صديقها الأميركي”، ثم المرأة تحدثت ثانية عن مدى فتور الغريبة في معاملتها ذلك الصباح.

الآن لا أشك أنه بين تينك النسوة اللواتي عشت معهن حينئذٍ، كان هناك أولئك اللواتي عانين، أولئك ممن يحملن ذكريات رهيبة وحزينة. لكن بمشاهدتهن كل يوم، منشغلات بانكباب مع أزواجهن وأطفالهن، وجدت من الصَّعب تصديق هذا: أن حيواتهن حملت أبداً مآسي وكوابيس زمن الحرب. لم يكن في نيتي أبداً أن أبدو فاترة، لكن ربما كان حقيقياً أني لم أبذل جهداً خاصاً كي أبدو بخلاف ذلك، لأنه في ذلك العهد من حياتي، كنت لا أزال أتمنى أن أترك وشأني.

 

نشرت هذه الترجمة في العدد الأخير من مجلة الدوحة.

 

 

ishiguro

مقابلة هاتفية مع كازو ايشيجورو بعد الإعلان عن جائزة نوبل في الأدب 2017 في الخامس من شهر أكتوبر 2017. أجرى اللقاء آدم سميث، منسق اللجنة الإعلامية لدى الأكاديمية السويدية للعلوم.

ك: مرحباً سيد سميث، كيف حالك؟

س: في أحسن حال. شكراً جزيلاً لك على الاتصال، لطف كبير منك. تهانينا على الفوز بجائزة نوبل.

ك: نعم، شكراً لك. أنا آسف لإبقائك منتظراً على الخط. أخشى إنها فوضى مطلقة هنا. هناك فجأة… حضر عدد كبير من الصَّحفيين وهم مصطفون على امتداد الطريق.

س: يمكنني تخيُّل ذلك. إذن، نعم، لا بدَّ أن يومك تغيَّر كلياً على نحو غير متوقَّع. كيف تلقيَّت هذه الأنباء؟

ك: كنت جالساً في المطبخ أكتب رسالة إلكترونية إلى صديق ورنَّ الهاتف. ولم يكن الأمر للوهلة الأولى مؤكداً كلياً. كان وكلائي الأدبيون يشاهدون البثَّ المباشر الذي أعلن الخبر من خلاله. لا أظن أنهم كانوا يترقبونه، كانوا فقط ينتظرون معرفة الفائز بجائزة نوبل هذه السَّنة. وهكذا بدأت أتلقَّى الاتصالات تلو الاتصالات، وكل مرة كنا نحاول أن نتحقق فيما إذا كانت خدعة أو إذا كانت أخباراً كاذبة، أو أياً يكن. من ثم بدأت تصبح مؤكدة أكثر فأكثر. عندما اتصلت البي بي سي بدأت آخذ الأمر على محمل الجد. لكني لم أتوقف فعلياً منذ ذلك الحين. إن الأمر هنا إلى حد ما أشبه بلغز سفينة “ماري سيليست” الشِّراعية -كل شيء بالضبط كما كان عند السَّاعة الحادية عشرة تقريباً، أو متى كان، قبل أن يبدأ الأمر برمته. من ثم حدث هرج ومرج. الناس الآن يصطفون على طول الشارع رغبة في إجراء مقابلة معي.

س: إذن هل تم فهمه؟

لا! لا، لا أظن أنه سوف يتم فهمه قبل مرور وقت طويل. أعني، إنه شرف رفيع المستوى للغاية، بالمقارنة مع هذا النَّوع من الأمور. لا أظن أنك قد تحصل على جائزة أرفع مستوى من جائزة نوبل. ويمكنني أن أقول إن قدراً كبيراً من تلك الرفعة لابد أنه منبعث من حقيقة مفادها أن الأكاديمية السويدية، كما أظن، نجحت في أن تسمو على عراك سياسة التحزب وهلم جرا. وأظن أنها ظلت واحدة من أشياء قليلة محترمة، يحترم نزاهتها الكثيرون حول العالم، ولهذا أظن أن الكثير من دلالة شرف تلقي الجائزة ينبع من الوضع الحالي للأكاديمية السُّويدية. وأظن إن ذلك إنجاز عظيم في حدِّ ذاته، على مدى كل تلك السنوات تمكنت الأكاديمية السويدية من الاحتفاظ بذلك الموقع المتفوق، في جميع مجالات الحياة المختلفة التي تكرمها. من ثم السَّبب الآخر إنه لشرف رائع بالنسبة لي لأنني… كما تعلم أنضم إلى رتل الكثيرين من أعظم أبطالي، بالتأكيد كتَّاب عظماء. أعظم كتاب في التاريخ حصلوا على هذه الجائزة، ويجدر بي القول إنه لأمر عظيم عندما تأتي بعد عام من بوب ديلان الذي كان بطلي منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري، هو ربما أعظم أبطالي.

س: إنك تحظى بصحبة لطيفة.

ك: نعم. أنا أقلد شخصية بوب ديلان على نحو ممتاز، لكني لن أفعل ذلك في حضرتك الآن.

س: هذا أمر يدعو للأسف، كنت لأود ذلك. ربما على الأقل عندما تأتي إلى استوكهولم في شهر كانون الأول، من فضلك.

ك: نعم، يمكنني محاولة ذلك.

س: عليك أن تفعل. إنها لحقبة مسلية في بريطانيا في الوقت الراهن. هل لذلك المكان من أهمية خاصة بنظرك في تلقي الجائزة الآن؟

ك: أظن ذلك. أعني، في الواقع تماماً قبل أن أتناول الهاتف لأتحدث إليك كنت أكتب تصريحاً لبيان صحفي، وكنت أحاول أن أفكر فيما يسعني أن أقوله في ثلاثة أسطر، وأظن أن التوقيت مناسب لي لأني أشعر… أنا أبلغ من العمر ثلاثة وستون عاماً تقريباً، لا يمكنني تذكر وقتاً كنا فيه متشككين للغاية بقيمنا في العالم الغربي. كما تعلم، أظنُّ أننا نمر بحقبة على قدر عظيم من عدم اليقين فيما يتعلق بقيمنا، وزعامتنا. الناس لا يشعرون بالأمان. لذا آمل أن أموراً من قبيل جائزة نوبل سوف تسهم بطريقة ما بالأمور الإيجابية في العالم، بالقيم المحترمة في العالم، وأنها قد تسهم إلى حدٍّ ما بالاستمرارية والكياسة. نعم.

س: أفترض أن ما كنت تكتب عنه طوال هذا الوقت، نوعاً ما، هو ذلك السؤال عن مكاننا في العالم، علاقتنا مع بعضنا البعض، علاقتنا مع العالم. تلك هي ربما الثيمة التي تتحراها غالباً، هل تظن ذلك؟

ك: نعم، يمكنني قول ذلك، أعني أني أظن… لو يمكنني صياغته بتعبير أكثر دقة، أعني أنه ربما… واحد من الأمور التي أثارت اهتمامي دوماً هو كيف أننا نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه، وأننا نملك ميداناً شخصياً فيه ينبغي علينا أن نحاول ونعثر على الإنجاز والحب. لكن ذلك يتقاطع حتمياً مع عالم أكبر، حيث يمكن للسياسة، أو حتى الأكوان الديستوبية، أن تنتصر. لذا أظن أني لطالما كنت مهتماً في ذلك. نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه ولا يمكننا أن ننسى أياً منها.

س: شكراً لك، حسناً، أظن أن هذه أمور يمكننا التحدث عنها في يوم آخر.

ك: نعم.

س: في الوقت الحالي عليك أن تجد السبيل الذي سوف تتعامل من خلاله مع طابور الصحافة هذا. فقط فكرة أخيرة-كيف تشعر إزاء فيض الاهتمام الذي أنت على وشك تلقيه؟

ك: حسناً، أظن.. أنا أتعامل معه بمنتهى الإيجابية. أعني، في حين أنه يوم مشوَّش بعض الشَّيء لأنني لم أكن أملك فكرة عند استيقاظي هذا الصباح عن أنه قد يكون شيئاً إلا مجرد يوم عادي للغاية، أظن أنه لأمر عظيم أن الصَّحافة والإعلام، يتعاملون بجدية مع جائزة نوبل للأدب. سوف أصاب بذعر كبير لو حدث ذات يوم أن كسب أحدهم جائزة نوبل للأدب ولم يهتم للأمر أحد. هذا قد يلمح إلى أن ثمَّة أمور فظيعة حدثت في العالم.

س: لا بد أن يكون اليوم الذي نحتفي فيه بالأدب يوماً جيداً.

ك: نعم، وأظن أن الأدب يمكن أن يكون أمراً عظيماً، يمكن أن يكون أحياناً قوة شريرة أيضاً. أنا أظن أن أشياء مثل جائزة نوبل للأدب وجدت لتحاول وتضمن أن يظل قوة خيرة.

س: رائع. شكراً جزيلاً لك حقاً، ونحن نتطلع كثيراً للترحيب بك في استوكهولم في شهر كانون الأول.

ك: نعم، أنا بالفعل أتطلع إلى ذلك. حسناً، كان من دواعي سروري أن تحدثت إليك يا سيد سميث.

س: شكراً جزيلاً لك حقاً.

ك: اعتن بنفسك الآن. وداعاً.

 

نشرت الترجمة في العدد الأخير من مجلة الدوحة.

 

 

 

lonecloud

ذكرى ماري أ-برتولت بريخت.

ذات يوم من أيام شهر سبتمبر ببدره الأزرق،

صامتاً تحت شجرة خوخ،

احتويتها، حبيبتي الشَّاحبة الصَّامتة

في ذراعيَّ مثل حلم جميل وصافٍ.

فوقنا في سماء الصَّيف،

لفتت نظري غيمة.

كانت ناصعة البياض وعالية،

وعندما رفعت بصري، كانت قد اختفت.

ومنذ تلك اللحظة، جاءت سنين

عديدة، ثم انقضت.

لا ريب أن أشجار الخوخ اقتطعت جذوعها

وإذا كنت تسأل عمَّا حلَّ بحلمي

سوف أجيب: لا يسعني التَّذكر الآن

ولو أني أعلم علم اليقين ما يجول في خاطرك.

ولكن وجهها: أنا لا أتذكره حقاً.

أتذكَّر أني لثمتُه منذ زمن بعيد وحسب.

حتى القبلة كان لها أن تكون منسيَّة

لو لم تكن تلك الغيمة البيضاء في السَّماء.

أعرف الغيمة، وسوف أظل أعرفها أبداً،

كانت بيضاء لا تشوبها شائبة، أوه، يا لشدَّة علوِّها.

ربما لا تزال أشجار الخوخ هناك مزهرة.

ربما لدى تلك المرأة ستة أطفال أيضاً.

لكن الغيمة البيضاء تألقت للحظة واحدة فقط:

عندما تطلَّعت إليها، تلاشت في الزُّرقة.

 

 

ZZ36C3A6A7

 

أنت لا تعرف ما هو الحب

(أمسية مع تشارلز بوكوفسكي)

 ريموند كارفر

قال بوكوفسكي: أنت لا تعرف ما هو الحبّ

عمري واحد وخمسون عاماً أنظر إلي

أنا مغرمٌ بهذه الشَّابة

أنا متيَّم بها لكنها هي مهتمَّة للغاية أيضاً

لذا لا بأس يا رجل هكذا يتعيَّن على الأمر أن يكون

أنا أجري في عروقهنَّ ولا يسعهنَّ التَّخلص مني

إنهنَّ يجربنَّ كل شيء للإفلات مني

لكنهن جميعاً عدنَ في نهاية المطاف

عدنَ جميعهن إليَّ ما عدا

تلك التي ذكرتها

لقد بكيت على تلك المرأة

لكن دمعتي كانت قريبة في تلك الأيام

لا تقدِّم لي أبدً شراباً قوياً يا رجل

أصبح دنيئاً عندئذٍ

يمكن أن أجلس هنا وأحتسي البيرة

معكم أيها الهيبيون طوال الليل

يمكن أن أشرب عشر كوارتات من هذه البيرة

ولا شيء إنها أشبه بالماء

لكن أعطني شراباً قوياً

وسوف أشرع بإلقاء النَّاس من النَّوافذ

سوف أرمي أي شخص من النَّافذة

لقد فعلت ذلك

لكنك لا تعرف ما هو الحب

أنت لا تعرف لأنه لم يسبق لكَ

أن أحببت قط إن الأمر بسيط إلى هذه الدَّرجة

أحببت هذه الشَّابة انظر إنها جميلة

تناديني بوكوفسكي

تقول بوكوفسكي بهذا الصَّوت الرقيق

وأقول ماذا

لكنك لا تعرف ما هو الحب

أنا أقول لك ما هو

لكنك لستَ بمنصت

ليس لواحد منكم في هذه الغرفة

أن يتعرَّف على الحب إذا ما تقدَّم

ونال منكم في المؤخرة

كنت أظنُّ أن القراءات الشِّعرية كانت تهرُّباً

أنظر عمري واحد وخمسون عاماً وهذا ليس بجديد علي

أعرف أنها تهرباً من المسؤولية

لكني قلت لنفسي بوكوفسكي

العِوز هو أكثر من تهرُّب أيضاً

لذا ها أنت ذا ولا شيء كما يجب أن يكون

ذلك الرجل ما اسمه “جالوي كينيل”

رأيت صورته في مجلة

إنه وسيم المحيَّا

لكنه مدرِّس

يا مسيح هل في وسعك أن تتخيل

لكن آنئذٍ أنتم مدرسون أيضاً

ها أنا أهينكَ الآن

لا لم أسمع به

أو لم أسمعه أيضاً

إنهم جميعاً نمل أبيض

ربما بسبب الغرور لم أعد أقرأ كثيراً

لكن هؤلاء الناس! من بنوا

سمعتهم على خمسة أو ستة كتب

نمل أبيض

تقول بوكوفسكي

لماذا تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية طوال اليوم

ألا يمكنكَ سماعها تقول ذلك

بوكوفسكي لماذا تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية طوال النَّهار

هذا يفاجئك أليس كذلك

ما كنت لتظن أن وغداً غليظاً مثلي

يمكن أن يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية طوال النهار

برامز رحمانينوف بارتوك تيليمان

اللعنة لا يمكنني الكتابة هنا

المكان شديد الهدوء ويوجد كثير من الأشجار

أحبُّ المدينة إنها المكان الذي يناسبني

أضع موسيقاي الكلاسيكية كلَّ صباح

وأجلس أمام آلتي الكاتبة

أشعل سيجاراً وأدخنه هكذا أنظر

وأقول بوكوفسكي أنت رجل محظوظ

بوكوفسكي لقد تكبَّدت عناء كلَّ شيء

وأنت رجل محظوظ

والدُّخان الأزرق ينجرف عبر الطاولة

وأتطلع من النَّافذة نحو دي لونجبري آفنيو

وأرى أناساً يذرعون الرَّصيف جيئةً وذهاباً

وأنفخ على السِّيجار هكذا

من ثم أضع السِّيجار في المنفضة هكذا وآخذ نفساً عميقاً

وأبدأ بالكتابة

أقول: بوكوفسكي هذه هي الحياة

إنه لأمر جيد أن تكون فقيراً وجيد أن تصاب بالبواسير

إنه لأمر جيد أن تكون عاشقاً

لكنك لا تملك فكرة عنه

لا تعرف كيف يكون الحال عندما تقع في الحب

لو تمكَّنت من رؤيتها قد تعرف ما الذي أعنيه

لقد اعتقَدَت أني قد آتي إلى هنا وأمارس الجنس

لقد عرفت حقيقةً

لقد أخبرتني بإنها عرفت

اللعنة عمري واحد وخمسون عاماً وهي في الخامسة والعشرين

ونحن نحب بعضنا البعض وهي تغار

يا يسوع هذا جميل

قالت إنها سوف تقتلع عيني إذا ما جئت إلى هنا

ومارست الجنس

الآن هذا هو الحب من أجلك

ما الذي يعرفه أي واحد منكم عنه

دعني أخبرك شيئاً

لقد التقيت برجال في السِّجن كان لهم أسلوب أكثر فرادة

ممن يتسكَّعون حول الكليات

ويرتادون القراءات الشِّعرية

إنهم مصاصو دماء هؤلاء الذين يأتون كي يروا

إذا ما كانت جوارب الشَّاعر قذرة

أو إذا ما كانت رائحة إبطيه كريهة

صدِّقني سوف لن أخيِّبهم

لكني أريدك أن تتذكَّر هذا

هناك فقط شاعر واحد في هذه الغرفة الليلة

فقط شاعر واحد في هذه البلدة الليلة

ربما شاعر حقيقي واحد فقط في هذا البلد الليلة

وذاك هو أنا

ما الذي يعرفه أيُّ واحد منكم عن الحياة

ما الذي يعرفه أي واحد منكم عن أي شيء

أي واحد من بينكم هنا تم فصله من عمل

أو آخر أثخن امرأته ضرباً

أو آخر أثخنته امرأته ضرباً

لقد طردت من “سيرز وروبَك” خمس مرات

لقد طردوني ثم أعادوا توظيفي

لقد عملت لديهم في رصِّ البضائع على الرفوف عندما كنت في الخامسة والثلاثين

من ثم طردت لأني سرقت الكعك المحلَّى

أعرف كيف يكون لأني كنت هناك

أنا في الحادية والخمسين من عمري الآن وأنا عاشق

تقول هذه المرأة الصَّغيرة

بوكوفسكي

وأقول ماذا وتقول

أظنُّ أنك تتفوَّه بكلام أحمق تماماً

وأقول حبيبتي أنت تفهمينني

هي الوحيدة في العالم

من بين الرجال والنساء

التي قد أصدق ما تقول

لكنك لا تعرف ما هو الحب

جميعهنَّ عدنَ إليَّ في نهاية المطاف أيضاً

عادت كل واحدة منهن

فيما عدا تلك التي حدثتك عنها

المرأة التي ذكرتها بقينا معاً سبع سنوات

كنَّا نسرف في الشَّراب

أرى زوجاً من الكتبة في هذه الغرفة لكن

لا أرى أيَّ شاعر

أنا لست متفاجئاً

عليك أن تكون عاشقاً كي تكتب الشِّعر

وأنتم لا تعرفون كيف يكون الحال عندما تحب

تلك هي مشكلتكم

أعطني بعضاً من ذلك الشَّراب

هذا صحيح جيِّد بدون ثلج

هذا جيِّد إنه ممتاز تماماً

إذن لنبدأ العمل

أعرف ما قلته لكني سأشرب كأساً واحدة فقط

إنه سائغ المذاق

حسناً إذن لننتهي من هذا

لكن فقط بعد ذلك لا يقف أحدكم قريباً

من نافذةٍ مفتوحة