Feeds:
Posts
Comments

28053097_10213840912151401_2064567494_n

9 فبراير،1960

عزيزي السَّيد برجمان

لا شكَّ أنَّك تلقيَّت ما يكفي من الاستحسان والنَّجاح من شتى أرجاء العالم ما يجعل هذا المكتوب فائضاً عن الحاجة إلى حدٍّ بعيد، لكن رغم أنه قد لا يكون على قدر كبير من الأهمية، أودُّ أن أضيف ثَنائي وامتناني باعتباري مخرج زميل، على المساهمة المتألقة والخارقة للعادة التي قدَّمتها للعالم من خلال أفلامك (لم يسبق لي أن ذهبت إلى السويد ولذلك لم أحظَ بشرف مشاهدة أعمالك المسرحية). هزَّتني رؤيتك للحياة بعمق، بعمق أكبر بكثير مما سبق أن تأثرت لدى مشاهدة أي فيلم آخر. أؤمن أنك أعظم مخرج سينمائي يعمل في وقتنا الراهن. زيادة على ذلك، اسمح لي بالقول إنه لا يوجد من يتفوق عليك في خلق المزاج والجو العام، براعة الأداء، تجنُّب ما هو بيِّن، المصداقية والكمال في رسم الشَّخصيات. إلى هذا يتعين أيضاً إضافة كل شيء آخر يدخل في صناعة فيلم. أعتقد أنك ميمون بممثلين رائعين. يحيا كل من ماكس فون سيدو وانجريد تولين في ذاكرتي بوضوح، وهناك الكثير من الممثلين الآخرين في شركتك ممن لا تحضرني أسماؤهم. أتمنى لك ولهم جميعاً حظاً سعيداً وسوف أتطلع بلهفة إلى كل فيلم من أفلامك.

أطيب التحيات

ستانلي كوبريك

 

 

truffaut godard 451 high

رسالة من جان-لوك جودار إلى فرانسوا تروفو 1965:

“لم نعد نلتقي، أنا وأنت، إنها حقاً لحماقة شديدة. ذهبتُ البارحة لرؤية “كلود شابرول” أثناء التَّصوير، وكان اللقاء مريعاً، لا نملك ما نقوله لبعضنا البعض. إنه كما في الأغنية، في الفجر الشَّاحب، لا شيء ينجو حتى الصَّداقة. انصرفَ كل واحد منا نحو كوكبه الخاص، لا نرى بعضنا البعض من خلال لقطة مقرَّبة، كالسَّابق، لقطات عامَّة وحسب. أكثر فأكثر، تفرِّق الفتيات اللواتي نضاجعهنَّ فيما بيننا، عوضاً عن أن يجمعن شملنا. ليس من المفترض بالحال أن تكون كذلك”.

جان-لوك جودار يكتب إلى تروفو في نهاية شهر أيار/مايو عام 1973

“على الأرجح، لن يدعوك أحد بالكاذب. حسناً، سوف أفعل. إنها ليست مهينة أكثر من “فاشي”. إنه نقد. وغياب النقد لمثل هذه الأفلام، فيلمك، وفي أفلام شابرول، فيريري، فيرنويل، ديلانوي، رونوار، إلخ، هو ما أتذمر منه. تقول، الأفلام قطارات كبيرة تعبر في الليل. لكن من يركب القطار؟ أولئك قطارات أيضاً. في أي فئة من المقاعد يجلسون؟ ومن يقود القطار وجاسوس الزعماء واقف إلى جانبه؟ إنهم يصنعون أفلام-قطارات أيضاً. وإذا كنت لا تتحدث عن قطارات “ترانس-يوروب”، إذن، ربما هو قطار الضواحي، أو ربما قطار “داشو-ميونخ”، وبالتأكيد سوف لن نرى أبداً تلك المحطة في فيلم-قطار “لولوش”. أنت كاذب لأن صورتك مع “جاكلين بيسّيت” تلك الأمسية في مطعم “Chez Francis ” (مطعم في ساحة دو لالما) ليست من فيلمك. وأود أن أعرف لماذا المخرج هو الشَّخص الوحيد الذي لا يضاجع في فيلم “ليلة أميركية، Day for night”. سوف أتطرق إلى نقطة أكثر مادية. لأصور فيلماً بسيطاً أنا بحاجة إلى خمسة أو ستة ملايين فرنك. بالنظر إلى فيلم ” ليلة أميركية” ينبغي عليك أن تساعدني، لكي يعرف الجمهور أن فيلمك ليس فريداً من نوعه من حيث نجاحه المضمون. لو ترغب بالتحدث عن الأمر، لا بأس”.

تروفو يجيب جان-لوك جودار. حزيران/يونيو عام 1973

“أنا أعيد رسالتك إلى جان بيير. قرأتها ووجدتها مثيرة للاشمئزاز. بسبب تلك الرسالة أظن أن اللحظة أزفت لأخبرك، بالتفصيل، كيف أرى أنك تتصرف مثل قذر. أنا لا أهتم لرأيك في فيلم “ليلة أميركية”. لكن ما أجده مثيراً للشفقة من ناحيتك هو أنك، حتى الآن، تذهب إلى أفلام مثل ذلك حتى عندما تعرف جيداً سلفاً أنها لا تتطابق مع فكرتك عن السينما، أو فكرتك عن الحياة. إنه دوري لأدعوك بالكاذب. في بداية فيلم “كل شيء على ما يرام” يوجد السطر التالي: “لتصنع فيلماً أنت بحاجة إلى نجوم”. تلك كذبة. الجميع يعرف حول إلى أي حد أصريت على تكون معك جين فوندا التي رفضت، بينما أخبرك ممولوك أن تختار أي شخص.   نجومك القلائل حصلت عليهم بأسلوب “كلوزوت”. طالما أنهم يعملون معي يمكنهم أن يعملوا مقابل عشر مرتبهم معك، إلخ. كارميتز، برنار بول يحتاج إلى نجوم. أنت لا تحتاج.

إذن تلك كانت كذبة. لطالما امتلكته، هذا الأسلوب في التظاهر بأنك ضحية، مثل “كايات”، مثل “بواسيت”، مثل “ميشيل دراش”، ضحية “بومبيدو”، “مارسيلين”، الرقابة، الموزعين الذين يستقطعون الأفلام، بينما في الواقع أنت تدبر أمورك جيداً جداً بالقيام بالضبط بما تريد، عندما تريد، بالطريقة التي تريد، وفوق كل شيء، محافظاً على صورتك هذه كرجل صارم نقي، التي ترغب بالحفاظ عليها، حتى لو على حساب الناس الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. عندما رأيت “رياح الشرق وسلسلة” كيف تصنع كوكتيل المولوتوف”، الشعور الوحيد الذي خالجني نحوك كان الاحتقار. وبعد عام ابتعدت عندما طلبت منك أن توزع صحيفة “قضية الشعب”في الشارع مع جان بول ساتر. فكرة أن الرجال متساوين هي مجرد نظرية بالنسبة لك. لا تشعر بها.

أنت فقط تريد أن تلعب دوراً ويجب أن يكون دوراً كبيراً. أظن أن المحاربون الحقيقيون هم مثل سيدات التنظيف: إنه ليس عملاً ممتعاً، إنه يومي، ضروري. لكن أنت، أنت مثل أورسولا اندريس، جوهرة لمدة أربع دقائق، وقت من أجل فلاشات آلات التصوير، بضع ملاحظات ساخرة مدهشة، وبنفخة، تختفي، تعود إلى الغموض المربح.  سلوك قذر! حقاً سلوك قذر! لفترة بعد أيار 68 لم يعرف أحد ماذا كنت تفعل. سرت شائعات: هو يعمل في مصنع، هو شكل مجموعة، إلخ. ثم ذات يوم سبت نسمع، أعلن أنك سوف تتحدث على قناة الـ RTL بقيت في المكتب لأتمكن من سماعك. كان السبيل الوحيد لأكتشف، أحصل على أنباء عنك.

كان صوتك يرتعش، بدا مفعماً بالعاطفة. أعلنت أنك كنت ستصور فيلماً، “وفاة أخي”، حول عامل أسود البشرة كان مريضاً وتركوه يموت في قبو مصنع لأجهزة التلفزيون، ومصغياً، وإلهام الرعشة في صوتك، عرفت أولاً أن القصة ربما لم تكن حقيقية تماماً، أو أنك حرفتها، وثانياً، أنك ما كنت لتصنع الفيلم أبداً. وقلت لنفسي: هل كان لهذا الفتى الميت عائلة، ثم سوف يعيشون على أمل أن الفيلم سوف ينجز؟ ليس هناك دور في الفيلم لايف مونتان أو جين فوندا. لكن لمدة خمس عشرة دقيقة منحت انطباعاً عن أنك كنت في “حال ممتازة”، مثل ميسمر (رئيس وزراء) عندما يعلن أنه تم خفض سن التصويت إلى التاسعة عشرة. زائف، غندور، متباه! لطالما كنت متباه وزائف، مثلما عندما أرسلت برقية إلى “دو غول” من أجل عملية البروستات. زائف، عندما اتهمت “شوفيه” بكونه فاسد لأنه الأخير، الوحيد الذي يقاومك! زائف عندما تكون زئبقياً، عندما تعامل رونوار وفيرنويل بطريقة متشابهة، على أنهما متكافئان، زائف عندما تقول إنك سوف تظهر الحقيقة حول الأفلام، من يعمل دون مقابل، إلخ. لو ترغب بالتحدث عن الأمر، حسناً…”

كتب جودار بعد وفاة تروفو عام 1985:

“لم يمت فرانسوا بمحض الصُّدفة. حقبة زمنية كاملة اندثرت. تمكَّن من القيام بما لم نسعَ نحن البقية للقيام به وتلكَّأنا عن فعله-كان محترماً. من خلاله حظيت “الموجة الجديدة” بالاحترام. بسببه كنا محترمين. أما وقد رحل الآن، نحن لم نعد محترمين. أحاطني فرانسوا بحمايته على طريقته الخاصَّة. الآن، أنا مرعوب للغاية إذ أنَّ هذه الحماية لم تعد موجودة”.

عن جدِّي.

10500313_10152461383917597_4281626490588640809_n

هذه هي الصورة الوحيدة التي تجمعني بجدِّي لأبي، قسطنطين لازار الذي أهديته ترجمتي لرواية “المغتربون” تأليف ف.ج. زيبالد وهي سوف تصدر قريبًا عن دار التنوير، لأن جدِّي توفي بعد التقاط هذه الصُّورة بعدة أشهر.

جاء جدي إلى سوريا في بداية العقد الثَّاني من القرن الماضي، إبَّان الانتداب الفرنسي على سوريا، قادمًا من مدينة تبليسي في جورجيا على متن سفينة فرنسية، هربًا من الثَّورة الشيوعية بعد اجتياح الجيش البلشفي لجورجيا، إما لأنه كان ينتمي إلى عائلة مناهضة للثورة، وهو أصغر الأبناء، أو هربًا من الحرب، لا أحد منا يعرف على وجه التحديد،  وكل ما عرفته أنا وإخوتي كان من خلال أحاديث والدي وعمّي وعمّاتي، وما كانوا يعرفونه قليل بالنَّظر إلى أن جدي كان شخصًا كتومًا على حدِّ قولهم، فقط عمي، شقيق والدي الوحيد وأكبر الإخوة، كانت له بعض المراسلات مع أقارب جدي الذين كانوا يقيمون في روسيا أو أوكرانيا، ومنهم من قتل في الحرب العالمية الثانية، كان عمي يتقن اللغة الروسية، والفرنسية أيضًا ، ولا أدري حقًا كيف تعلمها وهو لم يكن يحمل أي شهادة تعليمية،  ربما تعلمها من والده، جدِّي الذي عرفنا أنه كان يتقن  عددًا من اللغات.

مع قدوم جدي تلك الأيام إلى سوريا وكان شابًا صغيرًا حينها، جُنِّد في الجيش الفرنسي، في فرقة الهجَّانة وهي شرطة الحدود في تلك الأثناء. تعرَّف في مدينة دير الزور إلى جدَّتي التي كانت تقيم عند أقاربها، بعد مقتل والدتها فيما يسمى (مذابح السّريان)، وهي من مدينة ماردين التي تتبع اليوم إلى تركيا.

ولأن جدي كان عسكريًا، كانت العائلة تنتقل من مكان إلى آخر بحسب الموقع الذي كان يؤدي فيه جدي خدمته، على سبيل المثال، ولد عمي في مدينة دير الزور، والدي في مدينة تدمر، عمَّتي في مدينة سلميَة التي تتبع إلى محافظة حماه. وهكذا مع انتهاء فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، خُيِّر جدي ومن مثله من جنود قادمين من بلاد أخرى بين العودة إلى بلدانهم أو الحصول على الجنسية الفرنسية والذهاب إلى فرنسا، غير أن جدي لم يكن راغبًا لا بهذا ولا بذاك، فضّل البقاء في سوريا وانضم إلى الجيش السوري المؤسس حديثًا، حارب في فلسطين عام 1948 وانقطعت أخباره طويلًا حتى خُيِّل إلى زوجته وأبنائه أنه قتل، هذا ما عرفته من الأحاديث التي كانت تدور بين والدي وأخيه وأخواته كلما اجتمعوا، لكنه عاد أخيرًا. مُنح جدي عددًا من الأوسمة كانت مثبتة على قطعة قماش ومعلَّقة على أحد جدران البيت، غير أنها جميعًا ضاعت عندما طاف بيت جدي بعد انهمار غزير للأمطار في ثمانينات القرن الماضي. بعد تسريحه من الجيش، وظِّف في أحد معامل مدينة حمص، وتوفي لاحقًا متأثرًا بمضاعفات مرض السُّكَّري.

إلى الذين يولدون بعدنا-برتولت بريخت-ترجمة قيس الزبيدي

إلى الذين سيولدون بعدنا | برتولت بريخت | ترجمة: قيس الزبيدي

 

أنا أعيش حقاً، في زمن مظلم!

الكلمة الطيبة تبدو غبية. والجبين الناصع

يدل على انعدام الحس. والضاحك

لم يستلم بعد

الخبر الرهيب.

يا له من زمن، يكاد

الحديث فيه عن الأشجار يكون جريمة،

لأن الصمت يطوّق جرائم لا تحصى.

والذي يجتاز الشارع هنا بهدوء

لا يمكن مخاطبته من أصدقائه

الذين هم في عوز!

صحيح: أنني ما أزال أكسب قوتي

لكن صدقوني: إنه من باب الصدفة. إذ لا شيء

مما أعمله، يخولني

أن أشبع

ونجاتي هي صدفة أيضاً (إذا ما تخلى عني الحظ، فأنا هالك)

ثمة من يقول لي: كل واشرب يا هذا! وتنعم

بما عندك!

لكن كيف يتسنى لي أن آكل وأشرب بينما أنتزع

ممن يموتون جوعاً ما آكله

وممن يموتون عطشاً ما أشربه؟

ومع هذا فأنا آكل واشرب.

بودي أيضاً أن أصير حكيماً.

وفي الكتب القديمة ورد، من هو الحكيم:

إن من يبعد نفسه عن نزاع العالم ويقضي

وقته القصير دونما وجل

ويستغني أيضاً عن الشدة

ويقابل الشر بالخير،

ولا يحقق رغباته، إنما يتناساها

يعد من الحكماء.

كل هذا لا أقدر عليه

أنا أعيش حقاً في زمن مظلم؟

 

-2-

 

قدِمتُ هذه المدن في زمن الفوضى

حين عم الجوع.

تجولت بين الناس في زمن التمرد

وتمردت معهم.

على هذه الحال انقضى وقتي

الذي منح لي على الأرض.

طعامي تناولته بين المعارك

وخلدت إلى النوم بين القتلة

ولم أعنَ بالحب أبداً

وشاهدت الطبيعة بنفاد صبر.

وعلى هذه الحال انقضى وقتي

الذي منح لي على الأرض.

على أيامي كانت الطرقات تؤدي إلى الوحل.

واللغة كشفتني أمام الجزار.

ما استطعته قليل. لكن الحكام

شعروا بدوني بأمان أكثر وهذا ما أمنّي نفسي به

وعلى هذه الحال انقضى وقتي

الذي منح لي على الأرض.

كانت الطاقات شحيحة، وكان الهدف نائياً جداً.

وبدا بوضوح، لي على الأقل،

صعوبة الوصول.

وعلى هذه الحال انقضى الوقت

الذي منح لي على الأرض.

 

-3-

 

يا أنتم، يا من ستطلعون من الفيضان

الذي غرقنا نحن فيه

تذكروا أيضاً

إذا ما تحدثتم عن ضعفنا

الزمن المظلم

الذي أفلتم أنتم منه.

وإذا ما كنا نغيّر البلاد

أكثر من الأحذية،

ونخوض حروب الطبقات بيأس

فلأنه لم يكن هناك سوى الظلم وليست الثورة

غير أننا كنا أثناء ذلك نعرف:

إن الكراهية الموجهة ضد الدناءة، أيضاً

تشوه الطباع.

وإن الغضب الموجه ضد الاستبداد، أيضاَ

يجعل الصوت مبحوحاً.

آه، نحن

الذين أردنا أن نعبّد الأرض للمحبة

لم نقدر بالذات، أن نكون محبين.

أما أنتم، حينما سيأتي الأوان

ويصبح الإنسان عوناً للإنسان

فتذكرونا

بتسامح.

lispector-19503

الدَّجاجة-كلاريس ليسبكتور.

كانت دجاجة يوم الأحد، ولم تكن على قيد الحياة إلا لأن السَّاعة التَّاسعة لم تكن قد حلَّت بعد.

بدت ساكنة وهي جاثمة منذ يوم السَّبت في ركن من أركان المطبخ. لم تنظر إلى أحد، ولم ينظر أحدٌ إليها. حتى عندما وقع اختيارهم عليها، مصوِّبين أصابعهم نحوها على وجه الخصوص بلا اكتراث، لم يكن في مستطاعهم أن يعرفوا فيما إذا كانت سمينة أو هزيلة. لم يكن لأحد أن يخمِّن بأن لديها أمنية.

لذا كان الأمر مفاجئًا عندما بسطت جناحيها الصَّغيرين، ونفخت صدرها، ووصلت إلى جدار الشُّرفة، بعد محاولتين أو ثلاث محاولات. ترنَّحت حينًا من الوقت-كان كافيًا لتطلق الطَّاهية صرخةً -ثم صارت على شرفة الجيران، ومن هناك، عبر تحليق أخرق آخر، وصلت إلى سطحٍ قرميدي. وظلَّت هناك مثل دوَّارة ريح في غير موضعها، تتردد في مشيتها، أولًا على إحدى ساقيها، ثم على الأخرى. استدعيت العائلة في الحال، وأصابها الذعر عندما رأت وجبة غدائها بجانب المدخنة. ارتدى ربُّ العائلة بسعادة سرواله الخاص بالسباحة، مذكِّرًا نفسه بواجبه المزدوج: تناول الطعام والقيام بالتمارين بين الحين والآخر، وعزم على اللحاق بالدَّجاجة. وصل إلى السَّطح عبر قفزات متأنِّية، فسارعت الدجاجة إلى تغيير اتجاهها، وهي ترتجف وتترنَّح. اشتدَّ وطيس المطاردة. اجتازت من سطح إلى آخر أكثر من عمارة في الشَّارع. كان على الدَّجاجة أن تقرِّر بنفسها الطريق التي ستسلكها، فلم تكن مستعدة لكفاح شديد الضَّراوة في سبيل الحياة، وهي تفتقر إلى أي مساعدة من بني جنسها. بأيَّ حال استيقظ الصَّياد النائم في الرَّجل الشَّاب، وأطلق صرخة صيد متواضعة بما يتناسب مع الفريسة.

ركضت مقطوعة الأنفاس، وحيدة في العالم، دون أب أو أم، محتشدة، وبكماء. أحيانًا تتوقف عن الطَّيران لتحطَّ عند ثغرٍ على حافَّة سطح وتلتقط أنفاسها، بينما قفز الشَّاب من سطح إلى آخر بصعوبة، استجمعت قواها في إحدى اللحظات، وبدت حرةً للغاية.

حمقاء، وجبانة، وحرة. ليست ظافرة، كما قد يبدو الدِّيك الهارب. أي شيء هذا في أحشائها جعل منها كائنًا؟ الدجاجة كائن. هذا صحيح، لا يمكنها أن تعوِّل على أي شيء. لا يمكنها أن تعوِّل على نفسها أيضًا-مثلما يؤمن ديك في عُرفه. الأمر الوحيد الذي يميزها تجلَّى في وجود عدد كبير من الدجاجات، ما إن تموت واحدة، حتى تظهر أخرى في اللحظة نفسها، مثلها تمامًا، كما لو أنها الدَّجاجة نفسها.

أخيرًا التقطها الشَّاب عندما توقَّفت في إحدى اللحظات لتستمع بهربها. أُسرت في حمأة الرِّيش والصَّرخات. ثم حُملت عبر السطوح بانتصار، من أحد جناحيها، وأودعت أرض المطبخ بعنف. هزَّت نفسها قليلًا وهي لا تزال دائخة، وراحت تقوقي بصوتٍ أجش وغير واثق.

ثم حدث ما حدث. بدهشتها البالغة، متفاجئة ومُنهكة وضعت الدَّجاجة بيضة. ربما كانت قبل أوانها. لكنها بدت مباشرة بعدئذٍ، كما لو أنَّها وُلدت لتكون أمًا، مثل أم مسنَّة معتادة على الأمر. رقدت على البيضة ولم تأتِ بنأمة، تتنفس وتغلق وتفتح عينيها الصَّغيرتين. قلبها صغير جدًا على طبق، ما جعل الريش يعلو ويهبط، ويملأ تلك التي لن تكون يومًا أكثر من بيضة بالدِّفء. كانت الفتاة الصغيرة وحدها في الجوار وشهدت كلَّ شيء بخوف. حالما تمكَّنت من انتزاع نفسها، نهضت عن الأرض وصرخت:
“ماما! ماما! لا تقتلوا الدَّجاجة بعد الآن! لقد باضت! هي تُحبنا!”

هرع الجميع إلى المطبخ ثانية، وتحلَّقوا صامتين حول الأم حديثة الولادة. وهي تدفِّء وليدها، لم تكن لطيفة ولا فظَّة، لا سعيدة ولا حزينة، لم تكن شيئًا، كانت دجاجة. ما لا يوحي بأي عاطفة خاصة. نظر كل من الأب، الأم، والابنة، إليها لبعض لوقت، ولم يخطر لأحدهم أن يقول شيئًا عن الأمر. لم يسبق أن ربَّت شخص على رأس دجاجة. أخيرًا قرَّر الأب ببعض الفظاظة:” إذا قتلتم هذه الدجاجة سوف لن آكل لحم الدَّجاج في حياتي!”

“أنا أيضا!” تعهَّدت الفتاة الصغيرة بحماس.

تململت الأم مُرهقة.

بدأت الدَّجاجة تعيش مع العائلة غافلة عن الحياة التي مُنحت لها. كانت الفتاة الصغيرة عندما تأتي من المدرسة، ترمي حقيبتها المدرسية وتهرع إلى المطبخ دون إبطاء. يتذكَّر الأب أحيانًا: ” أفكِّر كيف جعلتها تركض على تلك الحال!”  أصبحت الدجاجة ملكة المنزل. عرف الجميع بذلك ما عدا الدجاجة. عاشت بين المطبخ وشرفته، مستعينة بإمكانياتها التي تتجلى في الخوف وجمود الحِس.

لكن عندما هدأ جميع من في المنزل وبدوا أنَّهم نسوا أمرها، استجمعت بعض ما بقي من شجاعة امتلكتها عند هربها العظيم وتجوَّلت على الأرض القرميدية، يلحق جسدها برأسها، متروِّية كما لو أنَّها في حقل، بينما خانها الرأس الصغير: كان يتحرك ويهتز بسرعة، برعب قديم موروث وقد أصبح تلقائيًا الآن.

بين حين وآخر، ودومًا أكثر ندرة، كانت تشبه تلك الدَّجاجة التي سبق أن وقفت بجلاء في مهبِّ الرِّيح على حافَّة السطح، مستعدَّة للإعلان عن أمر ما. في مثل هذه اللحظات ملأت رئتيها بهواء المطبخ الملوَّث، وإذا كان في وسع الإناث الغناء، هي لم تكن لتغنِّي، لكنها كانت أكثر قناعة. مع ذلك، حتى في تلك اللحظات، لم يبدُ أن تغييرًا طرأ على رأسها الفارغ. سواء أثناء التحليق، أو عند الاستراحة، أو حين الولادة، أو وهي تنقد الذُّرة-كان رأس دجاجة، نفس الرَّأس الذي صُمم منذ بداية الدَّهر.

إلى أن ذبحوها ذات يوم وأكلوها ومرَّت السُّنون.

 

أخبار متلفزةكشيشتوف ليسوفسكي.

 

ولد طفلٌ ومنح اسماً.

 

أنهى زميل “مالر” تأليف سمفونية،

ليست أسوأ من “الأولى”.

 

بصرُ من لم ينهِ قراءة كتاب

تمَّ إنقاذه.

 

حُمل عنكبوت

بإجلال

إلى الشُّرفة.

 

قُلِّد عجوز وساماً

لإضحاكه الجارة

مراراً وتكراراً.

 

أوصل قطار

ضيوف حفل الزفاف دون تأخير.

 

أوراق الأشجار

في أحسنِ حال.

 

في السَّماء، سبحت غيومٌ،

جيئةً وذهاباً.

 

بلطفٍ، اعترضت الريح

سبيل الدَّراجين.

 

كثرٌ احتسوا القهوة اليوم

ومن الترَّاس

أطالوا النَّظر إلى البحر.

 

مزاج المرح

سوف يتواصل.

 

جزيرة جوتلاند السويدية-حزيران عام 2000.

 

كشيشتوف ليسوفسكي شاعر وكاتب بولوني من كراكوف مواليد العام 1954.

القصيدة من ديوان “الباحثون عن الضُّوء” الذي ترجمته إلى الإنجليزية: إيفا هرينيفتش ياربرا.

 

20180104_104919

 

d050a43d6fb0649d74159cadaea0ecce--stoner-john-williams-leo

ستونر

 تأليف

 جون ويليامز

 ترجمة

 أماني لازار

 

 

 

 

 

إهداء المؤلف

 

هذا الكتاب مُهدى إلى أصدقائي وزملائي السَّابقين في قسم الأدب الإنكليزي في جامعة ميزوري. سوف يتعرَّفون من فورهم إلى كونه عملاً أدبياً، وأنه ما من شخصيَّة مرسومة فيه بالاعتماد على أيِّ شخص، حيٍّ أو ميت، وأنه ما من حدثٍ له نظير في الواقع الذي عرفناه في جامعة ميزوري. وسوف يدركون أيضاً أني تصرفت ببعض الحرية المادية والتاريخية، مع جامعة ميزوري، لذا هي في الواقع مكان متخيَّل أيضاً.

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

التحق وليم ستونر بجامعة ميزوري عام 1910، وكان يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً، وبعد ثماني سنوات، آناء ذروة الحرب العالمية الأولى، حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة وعُيّن مدرّساً في الجامعة نفسها ودرَّس حتى وفاته عام 1956. لم يتجاوز رتبة أستاذٍ مساعد، عدد قليل من طلبته يتذكَّرونه بشيء من الوضوح. بعد وفاته قدَّم زملاؤه لمكتبة الجامعة هبةً تذكاريّة وهي عبارة عن مخطوطة قروسطية منقوش عليها: “مهداة إلى مكتبة جامعة ميزوري إحياءً لذكرى وليم ستونر، قسم الأدب الإنكليزي. من قبل زملائه”، ربما يمكن العثور على هذه المخطوطة بين مجموعة الكتب النَّادرة.

قد يدفع الفضول من يصادف الاسم إلى التساؤل عمَّن يكون وليم ستونر. لكن نادراً ما يتجاوز فضوله السُّؤال العابر. زملاء ستونر الذين لم يمحَضوه تقديراً خاصَّاً في حياته قلّما يتحدثون عنه الآن، فاسمه بالنسبة إلى الأكبر سناً بينهم يذكّرهم بالنِّهاية التي تنتظرهم جميعاً، أما بالنسبة إلى الأصغر سناً فحسبه أن يكون إما صوتاً لا يستثير إحساساً بالماضي أو شخصية لا يمكنهم أن يربطوا أنفسهم أو مهنتهم بها.

ولد ستونر عام 1891 في مزرعة صغيرة وسط ميزوري بالقرب من قرية بونفيل التي تبعد حوالي أربعين ميلاً عن كولومبيا حيث مقرّ الجامعة. مع أنَّ والديه كانا شابَّين حين ولادته، كان والده في الخامسة والعشرين من عمره، ووالدته كانت قد بلغت لتوها العشرين من عمرها، كان وهو صبي ينظر إليهما بوصفهما مسنين؛ بدا والده عندما كان في الثلاثين من عمره كما لو أنه في الخمسين، وقد حنى ظهره التَّعب، يحدِّق بيأسٍ في رقعة الأرض القاحلة التي تعيل الأسرة من سنة إلى أخرى، أما أمه فتنظر إلى حياتها بصبرٍ وكأنها لحظة طويلة يجب عليها تحمُّلها. كانت عيناها شاحبتين ومغشيتين، يعزِّز التغضُّنات الصَّغيرة حولهما شعر خفيف أشيب مسوَّى على رأسها ومعقوص على شكل كعكة في الخلف.

يتذكَّر وليم ستونر الواجبات التي ألقيت على عاتقه في الماضي. فمنذ أن كان في السَّادسة من عمره حلبَ البقرات الهزيلات وأطعم الخنازير في الزَّريبة التي لا تبعد كثيراً عن المنزل، وجمع البيض الصَّغير الذي يضعه سرب الدجاجات النَّحيلات. كما أنه يتذكَّر ذهابه إلى المدرسة الريفية التي تبعد ثمانية أميال عن المزرعة، كان نهاره زاخراً بالأعمال، يبدأ قبل مطلع الفجر ويمتد إلى ما بعد المغيب. بدأت أكتافه تنحني في عمر السَّابعة عشرة تحت وطأة مشاغله.

كان الطِّفل الوحيد لعائلة وحيدة، وكانوا ملزمين جميعهم بضرورة الكدح فيها. يجلسون ثلاثتهم مساء في المطبخ الصَّغير المضاء بمصباح الكيروسين اليتيم، يحدقون في اللهب الأصفر قرابة ساعة من الزمن بين موعد العشاء وموعد النوم، كان الصَّوت الوحيد الذي يمكن سماعه غالباً هو صوت حركة الجسد الضَّجرة في الكرسي وصرير الخشب الخافت الذي يصدر أحياناً بسبب قدم المنزل.

كان المنزل مبنياً في حرشٍ وعِر، وقد تراخت الدعامات الخشبية غير المطلية حول الشُّرفة والأبواب، ومع مرور السَّنوات اكتسب لونَي الأرض الجافة البني والرمادي مخططاً بالأبيض. يوجد في المنزل بهو طويل يتألف أثاثه البسيط من كراسٍ وبعض الطَّاولات الخشبية، ومطبخ تمضي فيه العائلة جلّ وقتها القليل. وعلى الجانب الآخر توجد غرفتا نوم، كل واحدة منهما مفروشة بهيكل سرير حديدي مطلي بالمينا الأبيض وكرسي واحد وطاولة عليها مصباح ومغسل. كانت الأرضيات خشبية غير مطلية منبسطة بشكل متفاوت ومتصدِّعة بسبب القدم، والغُبار يدخل من خلالها باستمرار؛ لذا كانت والدة ستونر تكنسه يومياً.

أدَّى واجباته المدرسيَّة كما لو أنها أعمال منزلية لكنها أقل إرهاقاً من تلك التي يقوم بها في المزرعة. عندما أنهى المرحلة الثانوية ربيع عام 1910، توقَّع أن يتولى مزيداً من العمل في الحقول، ومع مرور الأشهر بدا له والده أكثر بطئاً وإرهاقاً.

ذات مساء في أواخر الربيع، بعد أن أمضى الرجلان يومهما في عزق الذُّرة، تحدَّث إليه والده بعد العشاء:

“زارني وكيل المنطقة الأسبوع الماضي”.

رفع وليم بصره عن المشمَّع ذي المربعات الحمر والبيض المفرود بنعومة على طاولة المطبخ الدائرية الشكل ولم يتكلَّم.

“يقول إنَّ لديهم كلية جديدة في جامعة كولومبيا، تدعى كلية الزراعة. وقد أخبرني إنَّ عليك الذَّهاب، مدَّة الدراسة فيها أربع سنوات”.

قال وليم: “أربع سنوات، ألا تكلِّف مالاً؟”

“يمكنك أن تعمل مقابل السَّكن والطَّعام، ابن عم والدتك يملك بيتاً في ضاحية قريبة من كولومبيا. ستحتاج إلى كتب وأشياء. يمكنني أن أرسل إليك دولارين أو ثلاثة دولارات شهرياً”.

فرد وليم يديه على مفرش الطَّاولة الذي ومض بخفوت تحت ضوء المصباح. لم يسبق له أن غادر منزله قط أو بَعُد عن بونفيل مسافةً تزيد عن خمسة عشر ميلاً. ازدرد ريقه كي لا يرتجف صوته وسأل:

“هل تظن أن بمقدورك أن تتولى أمر المكان بنفسك؟”

“أنا ووالدتك سنتدبر الأمر، قد أزرع المدرجات العشرين الشمالية بالقمح، هذا سيقلل من الحاجة إلى اليد العاملة”.

نظر وليم إلى أمه وسألها: “أمي؟”

قالت ببرود: “افعل ما يقوله لك والدك”.

سأل: “هل حقاً تريدان مني الذهاب؟ هل حقاً ترغبان بذلك؟” وكان ينتظر أن يلقى جواباً بالرفض إلى حد ما.

اعتدل والده في جلسته على الكرسي ونظر إلى أصابعه السَّميكة المتصلبة في الشُّقوق التي تغلغل فيها التراب عميقاً جداً فكان من الصعب إزالته. شبك أصابعه معاً ووضعها على الطاولة كما لو أنه يصلي، قال وهو ينظر إلى يديه:

“لم أحظَ بأيّ تعليم يُذكر، أنهيت المرحلة الابتدائية وبدأت العمل في الزراعة ولم أرتدْ مدرسة في شبابي. لكن الآن يبدو أنَّ الأرض تجفّ والعمل يزداد صعوبة سنة بعد أخرى، لم تعد الأرض خصبة كما عهدها عندما كنت فتياً. يقول وكيل المقاطعة إنهم في الجامعة يعلّمون أفكاراً وأساليب جديدة للقيام بالأشياء، ربما هو على حق. أحياناً عندما أعمل في الحقل أفكِّر”. توقَّف، شُدت أصابعه على بعضها ورست يداه المشبوكتان على الطاولة وتابع: “أفكر—” تجهَّم وهو ينظر إلى يديه وهزَّ رأسه قائلاً: “اذهبْ إلى الجامعة في الخريف القادم، أنا وأمك سنتدبر الأمر”.

كان أطول خطاب سمعه من أبيه على الإطلاق. ذهب في ذلك الخريف إلى كولومبيا وسجَّل في الجامعة في كلية الزراعة.

ذهب إلى كولومبيا مرتدياً بزَّة جديدة سوداء من الجوخ طُلبت من دليل سيرس وريباك ودفع ثمنها من عائدات بيع بيض أمه، ومعه معطف أبيه السَّميك الباهظ الثَّمن وبنطالاً صوفيَّاً أزرق اللون كان يرتديه مرة في الشَّهر لدى ذهابه إلى الكنيسة الميثودية[1] في بونفيل وقميصان أبيضان وبدلان من ثياب العمل وخمسة وعشرون دولاراً قايضها والده مع جاره بالقمح. أوصله والداه في الصَّباح الباكر إلى بونفيل بعربة يجرها بغل ثم تابع السَّير إلى كولومبيا.

كان يوماً خريفياً حاراً والطريق من بونفيل إلى كولومبيا مغبرٌ، مشى زهاء ساعة من الزمن، مرَّت بمحاذاته عربة لنقل البضائع، سأله السَّائق إن كان يرغب في الركوب. أومأ بالإيجاب، صعد وجلس على المقعد. كان بنطاله الصُّوفي أحمر اللون والغبار يكسو ركبتيه، أما وجهه الذي سمَّرته الشَّمس والريح فكان مكسواً بالقذارة؛ إذ اختلط غبار الطريق بعرقه. واصل الرحلة الطويلة وهو يفرك بنطاله بيدين ثقيلتين ممرراً أصابعه في شعره المرمل المسوَّى، فهو لم يكن يفضله مستوياً على رأسه.

وصلا إلى كولومبيا في وقتٍ متأخر من الأصيل. أنزل السَّائق ستونر على مشارف البلدة وأشار إلى مجموعة من المباني التي تظللها أشجار الدردار السَّامقة وقال: “هذه جامعتك، هناك حيث ستذهب إلى الكلية”.

بعد ذهاب السَّائق وقف ستونر عدَّة دقائق بلا حراك محدِّقاً في مجموعة المباني. لم يسبق له أن رأى شيئاً بهذه الضَّخامة من قبل. تعالت المباني القرميدية الحمراء في حقل فسيحٍ أخضر تقطعه ممرات حجرية وحدائق صغيرة. انتاب ستونر أمام رهبة المنظر إحساس مباغت بالأمان والسَّكينة لم يعهده سابقاً. طاف بضع دقائق حول الحرم الجامعي مع أنَّ الوقت كان متأخراً مكتفياً بالنَّظر إليه مثل الممنوع من الدخول.

قُبيل حلول الظلام سأل أحد العابرين عن اتجاه آشلاند غرافل، الطريق الذي سيقوده إلى مزرعة جيم فوت، ابنُ عم أمه الذي كان من المزمع أن يعمل لديه، لم يصل إلى هناك إلا بعد هبوط الظَّلام، ثمَّة مزرعة ومنزل أبيض اللون مؤلف من طابقين. هو لم يرَ عائلة فوت من قبل، وشعر بالغرابة في الذهاب إليهم في هذا الوقت المتأخر.

ألقيا عليه التحية بإيماءة معاينين إياه عن كثب. بعد لحظة وقف ستونر أثناءها مرتبكاً في العتبة، أشار إليه جيم فوت بالدخول إلى غرفة الجلوس، وهي غرفة معتمة صغيرة مكتظَّة بأثاث فائض وتحفٍ رخيصة معروضة على طاولات مُنارة بنور خافت. لم يجلس.

سأل فوت: “هل تناولت طعام العشاء؟”

أجاب ستونر: “لا، سيدي”.

أشارت إليه السَّيدة فوت بسبابتها وابتعدت بهدوء. تبعها ستونر عبر عدَّة غرف نحو المطبخ حيث طلبت منه الجلوس إلى الطاولة. وضعت أمامه إبريقاً من الحليب وعدة مربعات من خبز الذُّرة البارد. ارتشف الحليب لكن فمه الجاف من التوتر لم يتقبَّل الخبز.

جاء السَّيد فوت إلى الغرفة ووقف إلى جانب زوجته. كان رجلاً ضئيل الحجم لا يزيد طوله عن خمسة أقدام وثلاثة إنشات، ضامر الوجه حادَّ الأنف. كانت زوجته تفوقه طولاً بأربعة إنشات، تخفي عينيها نظارة ثقيلة دون إطار، شفتاها الرفيعتان مضمومتان. كلاهما راقباه بنهم وهو يرشف الحليب.

قال فوت بسرعة: “اعلفْ واسقِ الماشية، أطعم الخنازير في الصباح”.

نظر ستونر إليه مدهوشاً: “ماذا؟”

قال فوت: “هذا ما ستفعله في الصَّباح قبل أن تذهب إلى مدرستك وفي المساء ستعلف وتطعم ثانية وتجمع البيض وتحلب البقرات وتقطع الحطب، عندما يكون لديك وقت في العطل ستساعدني في أي شيء أقوم به”.

قال ستونر: “نعم سيدي”.

تفحصه فوت لحظة وقال هازّاً رأسه: “كُلية!”

وهكذا مقابل تسعة أشهر من السَّكن والطعام علف وسقى الماشية وأطعم الخنازير وجمع البيض، حلب البقرات وقطع الحطب وحرث التربة ومهّدها أيضاً، نبش الأرومات (حتى عمق ثلاثة إنشات في التربة المتجمدة شتاءً)، وخضَّ زبدة السَّيدة فوت التي كانت تراقبه محرّكة رأسها في رضى متجهم والممخضة الخشبية ترش الحليب صعوداً ونزولاً.

أسكنوه في الطَّابق العلوي الذي كان في السَّابق مستودعاً، متاعه الوحيد هيكل سرير حديدي أسود اللون له أطر متراخية تسند الفرشة الهزيلة المحشوَّة بالريش، وطاولة مكسورة وضع عليها مصباح الكيروسين، وكرسي متداع على الأرض، وصندوق كبير اتخذه مكتباً. الحرارة الوحيدة التي حظي بها في الشِّتاء كانت تتسرب عبر الأرض من غرف الطابق السفلي، تدثر باللحف والأغطية البالية التي قُدمت له ونفخ على يديه لتتمكنا من تقليب صفحات كتبه دون أن تمزقها.

أدَّى فروضه الجامعية وقام بأعماله في المزرعة بعناية دون متعة أو ضيق. في نهاية عامه الدراسي الأول كان معدل درجاته فوق المتوسط، كان راضياً عن نفسه؛ لأنه لم يكن أقل من ذلك، ولم يشعر بالقلق من عدم حصوله على درجة أفضل. كان مدركاً أنه تعلم أشياء لم يعرفها من قبل، لكن هذا لم يعن بالنسبة إليه سوى أنه قد يفعل في سنته الثانية أيضاً كما فعل في الأولى.

بعد سنته الأولى في الكلية عاد في الصيف إلى مزرعة أبيه وساعد في جني المحصول. عندما سأله والده عن الكلية وأجاب إنه يحبها كثيراً، أومأ والده ولم يشر إلى المسألة مجدداً.

لم يعلم وليم ستونر بسبب مجيئه إلى الكلية حتى عودته إليها في السنة الثانية.

بحلول عامه الثاني صار شخصاً مألوفاً في حرم الجامعة. ارتدى بدلة الجوخ السَّوداء نفسها والقميص الأبيض وربطة العنق الرفيعة في كل أوان، رسغاه بارزان من أكمام سترته، والبنطال منسدل بشكل أخرق حول ساقيه كأنه لشخص آخر.

استطالت ساعات عمله مع بلادة موظِّفِيه، أمضى المساءات الطويلة في غرفته بانتظام يؤدي واجباته، بدأ المتتالية التي سيحصل بنهايتها على إجازة في العلوم من كلية الزراعة، خلال الفصل الدراسي الأول من السَّنة الثانية كان لديه مقرران أساسيان، مقرر من كلية الزراعة في كيمياء التربة، والمقرر الذي كان مطلوباً من جميع طلاب الجامعة بشكل روتيني، مبحث فصلي في الأدب الإنكليزي.

بعد بضعة أسابيع عانى بعض الصعوبة في الدروس العلمية، ثمة الكثير من الأعمال يجب إنجازها والكثير من الدروس يجب حفظها. استرعت مادة كيمياء التربة اهتمامه، لم يحدث أن كانت كتل التراب الضاربة إلى السُّمرة التي عمل بها معظم أيام حياته أي شيء خلا ما تظهر عليه، بدأ يرى بإبهام أن معرفته المتنامية بها قد تكون نافعة عندما يعود إلى مزرعة أبيه لكن البحث المطلوب في الأدب الإنكليزي أشكل عليه وأقلقه.

كان المدرّس آرتشر سلون رجلاً في خريف العمر في أوائل أربعينياته، تولَّى مهمته في التعليم باستهتار وازدراء ظاهرين، كما لو أنه شعر أن هناك وهدة عميقة جداً بين معرفته وما يمكنه قوله، وهدة لن يبذل أي جهد لردمها. كان مُهاباً وغير محبوب من قبل معظم طلابه، كان يجيب بتفكّه ساخر دون تأثر. كان رجلاً متوسط الطول، طويل الوجه تخطه تغضنات عميقة، حليق، له نظرة نافدة الصبر إذ يمرر أصابعه في شعره المجعد الأشيب. صوته خفيض وجاف يندُّ عن شفاه تتحرك بصعوبة دون تعبير أو نبرة، لكن أصابعه الطويلة الرفيعة تتحرك برشاقة ويقين مانحة الكلمات الشَّكل الذي لم يستطع صوته منحه لها.

بعيداً عن الكلية، يقوم ستونر بعمله الروتيني في المزرعة أو يجلس في العلية الخالية من النوافذ يدرس على ضوء المصباح الخافت، كان يدرك في أحوال كثيرة صورة آرتشر منبثقة أمام بصيرته، فهو يعاني من صعوبة في استحضار وجه أي مدرس آخر من مدرسيه أو يتذكر أي شيء شديد الخصوصية عن أي شخص في صفوفه، لكن دائماً يظهر على عتبة وعيه شخص آرتشر سلون بصوته الجاف وكلماته المرتجلة المحتقرة عن فقرة ما من بياوولف[2]، أو بعض أبيات من شعر تشوسر[3].

أدرك أنه لا يمكنه أن يتناول البحث كما فعل في مقررات أخرى، مع أنه تذكر أعمال الكتّاب وتواريخهم وتأثيراتهم، كاد يرسب في امتحانه الأول، تحسنت نتيجته قليلاً في الامتحان الثاني. قرأ وأعاد قراءة وظائفه الأدبية أكثر من مرة وتراجع أداؤه في الصفوف الأخرى، كانت الكلمات التي يقرأها مجرد كلمات على صفحات ولم يستطع معرفة نفع قراءته لها.

أمعن التفكير في الكلمات التي قالها آرتشر سلون في القاعة لعلّه يكتشف تحت معناها المسطح الجاف فكرة تقوده إلى حيث كان يعتزم الذَّهاب، انكب على سطح المكتب جالساً على كرسي صغير جداً ليكون جلوسه مريحاً، ممسكاً بحواف سطح المكتب بشدة حتى أن براجمه بدت بيضاء بالنسبة إلى بشرته السمراء القاسية، تجهم بجدية وقضم شفته السفلى. لكن عندما أصبح انتباه ستونر ورفاقه في القاعة أكثر قنوطاً، غدا احتقار آرتشر سلون قهرياً أكثر. وعندما انفجر ذلك الاحتقار كان موجهاً نحو وليم ستونر بمفرده.

قرأ الطُّلاب مسرحيتين لشكسبير وكان الأسبوع ينتهي بدراسة للسونيتات. بدا الطلاب متوترين وحائرين، خائفين إلى حد ما من التوتر المتنامي بينهم وبين الشَّخص المترهل الذي ينظر إليهم من خلف المنبر. قرأ سلون جهاراً السونيتا الثالثة والسَّبعين، طافت عيناه في القاعة وتضيقت شفتاه في ابتسامة خالية من الدُّعابة.

سأل بانتبار: “ماذا تعني السونيتا؟” توقَّف وعيناه تستقصيان القاعة بصرامة ويأس يكاد يكون راضياً.

“سيد ويلبور؟”

لم يكن هناك جواب.

“سيد شميدت؟”

سعل أحدهم.

أدار سلون عينيه اللامعتين الداكنتين نحو ستونر وسأله: “سيد ستونر، ما معنى السونيتا؟”

ازدرد ستونر ريقه وحاول أن يفتح فمه.

قال سلون بجفاء: “إنها سونيتا يا سيد ستونر، تركيب شعري مؤلف من أربعة عشر بيتاً، له قاعدة محددة، أنا واثق من أنك حفظتها. إنها مكتوبة باللغة الإنكليزية التي أعتقد بأنك تتحدث بها منذ بضع سنوات.  مؤلفها الشاعر وليم شكسبير، مع أنه ميت فهو ما يزال يحتلُّ مكانة مهمة في أذهان البعض”.

نظر إلى ستونر لحظة ثم راحت عيناه تحدِّقان بنظرة فارغة وهما مثبتتان بصورة غافلة ما وراء القاعة. قرأ القصيدة ثانية دون أن ينظر إلى كتابه، اشتد صوته ورقَّ، كما لو أن الكلمات والأصوات والإيقاعات صارت هو للحظة:

“ذلك الفصل من فصول السَّنة، يمكن أن تراه في مشاعري[4]

حين يكون الورق الأصفر، أو القليل، أو لا شيء،

عالقاً على تلك الغصون، التي تهتز في مجابهة البرد،

آلات عزف عارية محطمة، غنت عليها الطيور الأثيرة ذات يوم.

في كياني ترى الشَّفق الذي كان في ذلك اليوم

يذوي في الغرب مثل الشَّمس بعد الغروب،

تأخذها الليلة الظلماء رويداً رويداً إلى مكان بعيد،

حيث الوجه الآخر للموت الذي يطوي الجميع في هدوء.

وترى في وجودي توقد ذلك اللهب

الذي يتمدد الآن على رماد شبابه،

كأنه على سرير الموت، حيث لابد أن ينتهي،

مستهلكاً بنفس الشيء الذي اقتات عليه.

أنت تعي ذلك الشيء الذي يجعل حبك قوياً إلى حد بعيد،

ويجعلك تحب بشكل أفضل، هذا الذي ستفارقه حتماً عما قريب”.

عمّ الصمت القاعة، سعل أحد الطلبة. كرر سلون الأبيات وانخفض صوته مجدداً.

“أنت تعي ذلك الشيء الذي يجعل حبك قوياً إلى حد بعيد،

ويجعلك تحب بشكل أفضل، هذا الذي ستفارقه حتماً عما قريب”.

أعاد سلون نظره إلى وليم وقال بجفاء: “يتحدث السيد شكسبير إليك منذ ثلاثمئة عام يا سيد ستونر، هل تسمعه؟”

أدرك وليم ستونر أنه كان يحبس أنفاسه عدة لحظات ثم يزفرها رويداً واعياً بدقة لحركة ثيابه على جسده أثناء خروج نَفَسه من رئتيه. أجال نظره في الغرفة حيث انحدر الضوء واستقر على وجوه زملائه، فبدت الإضاءة وكأنها آتية من خلالهم لتخرج إلى الظَّلام، طرفت عين أحدهم وسقط ظلٌّ رفيع على خدٍ تلقف نور الشَّمس. بدأ ستونر يعي أن أصابعه كانت ترخي قبضتها الشديدة على سطح مكتبه. قلّب يديه تحت ناظريه مدهوشاً من سمرتها، من الطريقة المعقدة التي توضعت فيها الأظافر عند نهايات أصابعه المثلمة، فكر أنه يستطيع أن يشعر بالدم يتدفق غير مرئي في أوردته الرقيقة وشرايينه، ينبض بلطف وتقلقل من أطراف أصابعه عبر جسده.

تحدَّث سلون ثانية: “ما الذي قاله لك يا سيد ستونر؟ ما الذي تعنيه القصيدة؟”

ارتفعت عينا ستونر ببطء وقال على مضض: “إنها تعني” وبحركة صغيرة رفع يديه في الهواء، شعر بعينيه تلتمعان وهما تتبعان آرتشر سلون، قال ثانية: “إنها تعني” ولم يتمكَّن من إنهاء ما شرع بقوله.

نظر سلون إليه بفضول ثم أومأ بانتبار دون أن ينظر إلى أحد: “انتهى الدرس”، التفت وخرج من القاعة.

لم يكن وليم ستونر واعياً للطلاب الذين نهضوا بتبرم من مقاعدهم مدمدمين واختلطوا في الغرفة إلا بالكاد. جلس بلا حراك بضع دقائق بعد مغادرتهم، يحدق أمامه في الألواح الخشبية الضيقة وقد بهت لون طلائها من حركة أقدام الطلاب الضجرة الذين لم يرهم أو يعرفهم قط. زلق قدمه على الأرضية وهو يسمع صوت احتكاك الخشب بنعله، ويشعر بخشونته عبر الجلد، نهض وخرج ببطء من القاعة.

تخللت قشعريرة خفيفة من أيام الخريف الأخيرة ملابسه. نظر حوله إلى الأغصان العارية المعقدة للأشجار الملتوية والمتشابكة أمام السَّماء الشاحبة. هرع الطلاب عبر الحرم الجامعي إلى قاعاتهم مارين به، سمع غمغمة أصواتهم وطقطقة كعوبهم على الدروب الحجرية، ورأى وجوههم المحمرة من البرد تنحني في وجه النسيم الخفيف. نظر إليهم بفضول وكأنه لم يرهم من قبل، وشعر أنه بعيد عنهم جداً وقريب منهم. احتفظ بشعوره وهو يهرع إلى محاضرة أستاذ كيمياء التربة، واحتجز ذاك الشَّعور أمام صوت الدندنة الذي كان يملي أشياء لتكتب في دفاتر الملاحظات وتُحفظ بعملية شاقة كانت في ذلك الوقت غريبة عليه أيضاً.

في الفصل الثاني من تلك السَّنة الدراسية صرف وليم ستونر النَّظر عن دروسه في العلوم الأساسية وأوقف متابعته لكلية الزراعة، تلقَّى دروساً تمهيدية في الفلسفة والتاريخ القديم ودرسين في الأدب الإنكليزي. في الصَّيف عاد ثانية إلى مزرعة أهله وساعد والده في جني المحصول ولم يشر إلى عمله في الجامعة.

عندما تقدَّم في العمر، كان ينظر إلى السنتين اللتين سبقتا تخرجه وكأنهما زمناً غير واقعي يخص شخصاً آخر، الزمن الذي لم يمض في التدفق المنتظم الذي اعتاده، لكن على نحو متقطع. لحظة مصفوفة بجانب أخرى ومعزولة عنها، شعر بأنه كان بعيداً عن الزمن، يراقبه وهو يمر أمامه مثل صورة كبيرة مقلوبة من خلال ثقب.

أصبح يعي نفسه كما لم يفعل من قبل. ينظر أحياناً إلى نفسه في المرآة، إلى الوجه الطويل والشعر البني الجاف جفاف القش، ويلمس عظام خديه البارزتين ويرى الرسغين النحيلين الناتئين مسافة إنشات من أكمام معطفه، ويتساءل إذا ما كان يبدو مضحكاً للآخرين كما يبدو لنفسه.

لم يكن لديه خطط للمستقبل، ولم يتكلم إلى أحد عن ارتيابه. واصل العمل عند عائلة فوت مقابل سكنه وطعامه، لكن لم يعد يعمل ساعات طويلة كما حدث في سنتيه الأولين في الجامعة. وضع نفسه في الخدمة على مدى ثلاث ساعات كل عصر ونصف ساعة في يوم العطلة، نزولاً عند رغبة جيم وسيرينا فوت، وما بقي من الوقت كان ملكاً له.

أمضى بعضاً من هذا الوقت في عليِّته الصغيرة فوق منزل عائلة فوت، لكن قدر استطاعته، كان يعود إلى الجامعة بعد أن ينهي دروسه وعمله لدى عائلة فوت. أحياناً في الأماسي كان يتجول في المربع الطويل المفتوح بين الأزواج الذين يتمشون معاً ويدمدمون همساً، ومع أنه لا يعرف أياً منهم ولم يتحدث إليهم لكنه شعر بالقرب منهم. أحياناً كان يقف في وسط المربع ينظر إلى الأعمدة الخمسة الضخمة أمام مبنى جيسي هول[5] وقد شقَّ طريقه عالياً في الليل فوق العشب البارد، وقد علم أن هذه الأعمدة هي ما بقي من البناء الأساسي الأصلي للجامعة الذي دمر منذ سنين خلت إثر حريق نشب فيه. بدت بلونها الفضي الضارب إلى الرمادي في ضوء القمر حاسرة ونقية وكأنها ترمز إلى طريقة الحياة التي تبناها كما يرمز المعبد لإله.

تجوَّل في مكتبة الجامعة بين آلاف الكتب التي تفوح منها رائحة الجلد العفِن، بدت رائحة القماش والصفحات الجافة مثل رائحة بخور غريب.

أحياناً يتوقف وينحّي مجلداً عن الرفوف، ويمسك به لحظة بين يديه الكبيرتين اللتين تتخدران لغرابة ملمس الغلاف والصفحة الطيعة. ثم يتصفح الكتاب ويقرأ فقرة هنا وفقرة هناك، تقلب أصابعه القاسية الصفحات بحذر، كما لو أنها إذا ما خرقتها قد تمزق وتتلف ما بذلت من جهد لتميط عنه اللثام.

لم يكن لديه أصدقاء وللمرة الأولى في حياته أدرك معنى الوحدة. أحياناً في عليته ليلاً يتوقف عن القراءة ويحدق في الزوايا المظلمة لغرفته حيث يومض ضوء المصباح أمام الظلال. إذا ما حدق طويلاً وبانتباه، تحتشد الظلمة في نور ويأخذ الشكل الوهمي لما كان يقرأه ويشعر أنه خارج الزمن، كما شعر ذلك اليوم في قاعة الدرس عندما تحدث إليه آرتشر سلون.  تجمع الماضي خارجاً من الظلمة حيث جلس، وبعث الموتى أنفسهم أحياء قبالته، وطاف الماضي مع الموتى في الحاضر بين الأحياء، هكذا كان لديه في لحظة غامرة رؤية للكثافة التي كان مضغوطاً فيها والتي لم يتمكن من الإفلات منها، ولم يكن يتمنى الهرب. مشى تريستان وإيزولت الجميلة أمامه، باولو وفرنسيسكا دوَّما في الظلمة المتقدة، هيلين وباريس تأتلق على وجهيهما مرارة العاقبة، انبثقا من العتمة. وكان معهم بطريقة لن يستطيع أبداً أن يكون عليها مع زملائه الذين مضوا من قاعة إلى أخرى، وجدوا مسكناً محلياً في جامعة كولومبيا الكبيرة، في ميزوري، ومشوا غافلين في هواء الغرب الأوسط.

تعلَّم خلال عام اللغتين اليونانية واللاتينية جيداً ما مكنه من قراءة نصوص بسيطة، كانت عيناه حمراوين تلتهبان من الإجهاد وقلة النَّوم. أحياناً يفكر بنفسه كيف كان قبل بضع سنوات وتذهله ذكرى ذلك الشَّخص الغريب الأسمر والمجهول كالأرض التي انبثق منها. فكَّر بوالديه، كانا تقريباً غريبين كالطفل الذي أنجباه، شعر بشفقة مشوبة بحب غامض تجاههما.

في منتصف سنته الرابعة في الجامعة، أستوقفه آرتشر سلون بعد الدرس وطلب إليه أن يذهب إلى مكتبه للمحادثة.

كان الفصل شتاء، طاف ضباب خفيض رطب غرب أوسطي على الحرم الجامعي. في الضُّحى تلألأت أغصان أشجار القرانيا الغضَّة بالصَّقيع، وبدت الدوالي السود التي تدلت من الأعمدة الكبيرة أمام مبنى جيسي هول محاطة ببلورات قزحية اللون ومضت أمام اللون الرمادي للأعمدة. كان معطف ستونر السميك رثاً جداً وبالياً وقرر ألا يرتديه في لقائه مع سلون على الرغم من شدة برودة الطقس. كان يرتعش وهو يحث الخطى على الدَّرجات الحجرية العريضة التي تقود إلى مبنى جيسي هول.

كانت الحرارة شديدة داخل المبنى. دلف الضَّباب عبر النوافذ والأبواب الزجاجية من الجانبين فانعكس الضوء الرمادي على بلاط الأرضية الأصفر ما زاد في توهجه، وسطعت الأعمدة البلوطية العظيمة والجدران الممسوحة من دكنتها. سُمع صوت خطوات متثاقلة على الأرضيات، كانت همهمة الأصوات مخففة بفعل اتساع القاعة الكبيرة، تحركت أشكال واهية ببطء تمتزج وتنفصل، والتقط الهواء الثقيل رائحة الجدران الزيتية ورائحة الثياب الصوفية الرطبة. صعد ستونر الدرجات الرخامية الناعمة نحو مكتب آرتشر سلون في الطابق الثاني. قرع على الباب المغلق، سمع صوتاً ودخل.

كان المكتب طويلاً وضيقاً تضيئه نافذة واحدة في الطَّرف القصي. تسامقت رفوف مزدحمة بالكتب نحو السَّقف العالي. أقحم مكتب بالقرب من النافذة حيث جلس آرتشر سلون مستديراً نصف استدارة أمام الضوء ومحاطاً بالظلمة.

قال سلون بجفاء: “سيد ستونر”، نهض قليلاً وأشار إلى كرسي جلدي مقابله. جلس ستونر.

” كنت أنظر في سجلاتك”. توقَّف سلون ورفع مجلداً موضوعاً على مكتبه، ونظر إليه بصرامة غير منحازة وقال: “أرجو ألا يزعجك فضولي”.

بلل ستونر شفتيه وعدّل جلسته على الكرسي. حاول أن يضم يديه الكبيرتين معاً بحيث لا تكونا مرئيتين، وقال بصوت أجش: “لا سيدي”.

أومأ سلون: “جيد، لاحظت أنك بدأت دراستك هنا بوصفك طالباً في كلية زراعة ثم في السَّنة الثانية تحولت إلى الأدب. هل هذا صحيح؟”

قال سلون: “نعم سيدي”.

عاد سلون إلى الوراء في كرسيه وحدَّق في مربع الضوء الداخل من النافذة الصغيرة العالية. دانى أطراف أصابعه إلى بعضها الآخر والتفت إلى الشَّاب الجالس متيبساً قبالته.

“إن الهدف الرسمي من هذا الاجتماع هو إعلامك أن عليك إجراء تغيير أساسي في برنامج الدراسة، وتوضيح نيتك في التخلي عن دراستك الأساسية والتأكيد على دراستك النهائية. سيستغرق الأمر خمس دقائق في مكتب التسجيل. ستقوم بذلك، صحيح؟”

أجاب ستونر: “نعم سيدي”.

“لكن كما قد تخمن، ليس هذا السَّبب الذي طلبت إليك المجيء من أجله. هل تمانع إذا ما استفسرت قليلاً عن خططك المستقبلية؟”

قال ستونر: “لا سيدي”، ونظر إلى يديه المعقودتين بشدة.

لمس سلون مجلد الأوراق الذي أخرجه من مكتبه وقال: “استدليت إلى أنك كنت أكبر قليلاً من الطلاب العاديين لدى التحاقك بالجامعة. في عمر العشرين تقريباً، كما أظن؟”

“نعم، سيدي”.

“وفي ذلك الوقت كنت تخطط للشروع بمقررات كلية الزراعة؟”

“نعم، سيدي”.

عاد سلون إلى الخلف في كرسيه ونظر إلى السقف العالي المظلم وسأل بغتة: “وما الذي تخطط له الآن؟”

كان ستونر صامتاً. لم يفكر بهذا الأمر، ولم يرغب في التفكير فيه. قال أخيراً بشيء من الامتعاض:”لا أعرف، لم أفكر في هذا كثيراً”.

قال سلون: “هل تتطلع إلى اليوم الذي تخرج فيه من هذه الجدران المعزولة إلى ما يسمى العالم؟”

كشر ستونر محرجاً وقال: “لا، سيدي”.

خبط سلون مجلد الأوراق على مكتبه وقال: “لقد علمت من خلال هذه السجلات أنك قدمت من مجتمع زراعي، هل أهلك مزارعون؟”

أومأ ستونر بالإيجاب.

“وتنوي العودة إلى المزرعة بعد حصولك على الشهادة هنا؟”

قال ستونر متفاجئاً من نبرة صوته الواثقة: “لا سيدي”، وفكر متعجباً من القرار الذي اتخذه فجأة.

أومأ سلون: “عليَّ أن أتخيل طالباً جاداً من طلاب الأدب وجد أن مهاراته لا تتناسب تماماً مع قناعة الأرض”.

قال ستونر كما لو أن سلون لم يكن قد تكلم: “لن أعود، لا أعرف ما الذي سأفعله بالضبط”. وتابع وهو ينظر إلى يديه: “لا يمكنني أن أستوعب تماماً أنني سأغادر الجامعة في نهاية السنة”.

قال سلون لا مبالياً: “بالتأكيد ليس هناك حاجة حتمية إلى المغادرة. افترض أنك لا تملك موارد مالية مستقلة؟”

هزَّ ستونر رأسه.

“لديك سجل طالب جامعي ممتاز. إلا بالنسبة إلـى”، رفع حاجبيه وتابع مبتسماً “إلا بالنسبة إلى بحثك في السَّنة الثانية في الأدب الإنكليزي، لقد حصلت على درجة جيدة في جميع امتحاناتك في اللغة الإنكليزية، ما من درجة أقل من متوسط في أي مكان آخر. إذا استطعت أن تثبت نفسك مدة سنة بعد التخرج، أنا واثق أن بإمكانك أن تكمل بنجاح نيل درجة الماجستير في الآداب، بعدئذٍ ستكون قادراً ربما على التعليم وأنت تُعدّ رسالة الدكتوراه. إذا ما كان ذلك من الأمور التي تهتم بها”.

انكفأ ستونر وسأل وهو يسمع نبرة الخوف في صوته: “ماذا تعني؟”

انحنى سلون للأمام قبالة وجه ستونر، رأى ستونر التجاعيد على الوجه الطويل وسمع الصوت الساخر الجاف يغدو لطيفاً واضحاً.

سأل سلون:” لكن ألا تعلم يا سيد ستونر؟ ألا تفهم بأنك ستصبح مدرساً”.

فجأة بدا سلون بعيداً جداً وتراجعت جدران المكتب، شعر ستونر بأنه معلق في الهواء الفسيح، وسمع صوته يسأل: “هل أنت واثق؟”

أجاب سلون برفق: “نعم”.

” كيف يمكنك أن تعرف؟ كيف يمكن لك أن تكون واثقاً؟”

قال سلون مبتهجاً: “إنه الحب يا سيد ستونر، أنت تحب. إن الأمر بهذه البساطة”.

لقد كان الأمر بتلك البساطة. أدرك أنه أومأ إلى سلون وقال شيئاً غير ذي صلة ثم خرج من المكتب. كانت شفاهه تستشعر وخزاً خفيفاً وأطراف أصابعه خدرة، مشى كالمسرنم مع أنه كان واعياً لما يحيط به. لمس برفق الجدران الخشبية المطلية في الممر، وفكر بأنه شعر بدفء الخشب وقِدمه، هبط ببطء الدرج ودهش عندما بدا له الرخام البارد ينزلق قليلاً تحت قدميه. في القاعات أصبحت أصوات الطلاب واضحة ومنفصلة عن الهمهمة الخافتة، كانت وجوههم قريبة وغريبة ومألوفة. خرج من مبنى جيسي هول إلى الصباح، وبدا أن الضباب لم يعد يثقل على الحرم الجامعي، انساقت عيناه عالياً نحو السماء، نظر كما لو أنه ينظر نحو احتمال لم يكن يملك له اسماً.

في الأسبوع الأول من شهر حزيران عام 1914 حصل وليم ستونر مع ستين شاباً وبعض الشابات على شهادة الإجازة في الآداب من جامعة ميزوري.

قبل يوم من موعد الحفل، استأجر والداه عربة تجرها فرسهم الكُميت المسنَّة وانطلقا ليلاً مسافة واحد وأربعين ميلاً من المزرعة، وصلا بُعيد الفجر إلى منزل عائلة فوت متوترين من رحلتهم المقلقة. ذهب ستونر إلى الباحة للقائهم، كانا واقفين جنباً إلى جنب في ضوء الصَّباح الهش منتظرين قدومه.

صافح ستونر أبيه بحركة واحدة سريعة دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر.

قال والده:” كيف حالك؟”

أومأت والدته: “أتيت ووالدك لنحضر حفل تخرجك”.

بقي صامتاً لحظة ثم قال: “من الأفضل أن تدخلا وتتناولا فطوراً”.

كانوا وحدهم في المطبخ، فمنذ مجيء ستونر إلى المزرعة اعتادت عائلة فوت النوم حتى وقت متأخر، همّ مرتين بالحديث إلى والديه بعد أن تناولا فطورهما لكنه لم يستطع إخبارهما عن تغيير خططه وعن قراره بعدم العودة إلى المزرعة. نظر إلى وجهيهما الأسمرين الذين انبثقا حاسرين من ملابسهما الجديدة، وفكر بالرحلة الطويلة التي قاما بها وبالسنوات التي انتظرا فيها عودته. جلس معهما متوتراً حتى أنهيا شرب قهوتهما، وحتى استيقظ السيد والسيدة فوت ودخلا إلى المطبخ. عندئذٍ قال لهم إن عليه الذهاب باكراً إلى الجامعة وإنه سيراهم هناك في وقت لاحق من النهار في التدريبات.

تجول حول الحرم، يحمل الثوب الأسود والقبعة التي استـأجرها، كانا ثقيلين ومزعجين، لكنه لم يجد مكانا يتركهما فيه. فكر بما كان عليه أن يقوله لوالديه، ولأول مرة أدرك حتمية قراره، وتمنى لو أنه يستطيع التراجع عنه. شعر بعدم ملاءمته للهدف الذي اختاره بشكل أهوج وشعر بالحنين إلى العالم الذي فقده. تأسَّف على خسارته وعلى والديه، حتى في أسفه شعر بنفسه ينسحب بعيداً عنهم.

ظلَّت مشاعر الخسارة ترافقه طوال فترة التدريبات على حفل التخرج، وعندما أُعلن اسمه مشى عبر المنصة ليتلقى لفافة من رجل مجهول ذي لحية رمادية ناعمة، لم يصدق حضوره ولم يكن للفافة الجلد الرقيقة في يده معنى، فقد انحصر تفكيره بأمه وأبيه الجالسين بتوتر وقلق بين الحشد الكبير.

بعد انتهاء الحفل عاد معهما إلى مزرعة آل فوت حيث كانا سيمضيان الليل ويبدأان رحلتهما إلى البيت مع مطلع الفجر.

جلسوا حتى وقت متأخر في ردهة آل فوت. ظلَّ جيم وسيرينا فوت ساهرين معهم إلى حين. كان جيم ووالدة ستونر يتبادلان أسماء الأقارب حيناً ويصمتان حيناً آخر. جلس والده على الكرسي ينحني إلى الأمام قليلاً، ساقاه متباعدتان ويداه العريضتان معقودتان على ركبتيه. أخيراً نظر جيم وسيرينا إلى بعضهما وتثاءبا معلنين أن الوقت صار متأخراً. ذهبا إلى غرفة نومهما، وظل الثلاثة بمفردهم.

حلَّ الصمت من جديد. والداه يحدقان في ظلال جسديهما، ويرنوان بنظريهما بين الحين والآخر إلى ابنهما، وكأنهما لا يريدان أن يزعجاه في حالته الجديدة.

بعد عدة دقائق انحنى وليم ستونر وتكلم، بدا صوته أعلى وأكثر قوة مما نوى حين قال: “عليَّ أن أخبركما عاجلاً. كان عليَّ أن أخبركما الصيف الماضي، أو هذا الصباح”.

كان وجها أبويه كئيبين وخاليين من التعابير في ضوء المصباح.

“ما أحاول قوله هو أنني لن أعود معكما الى المزرعة”.

لم يتحركا، قال والده: “عليك أن تنهي بعض الأمور هنا، يمكننا أن نعود في الصَّباح وتعود أنت إلى البيت بعد بضعة أيام”.

فرك ستونر وجهه براحة كفه وقال: “ليس هذا ما قصدته. أنا أحاول أن أخبركما بأنني لن أعود إلى المزرعة أبداً”.

انعقدت يدا والده على ركبتيه وعاد إلى الوراء في الكرسي، قال: “هل أوقعت نفسك في المشاكل؟”

أجاب ستونر مبتسماً: “لا شيء من هذا القبيل، سأمضي عاماً آخر في المدرسة، ربما عامان أو ثلاثة أعوام”.

هزَّ والده رأسه: “رأيتك تتخرج هذا المساء. وقد أخبرنا وكيل المقاطعة أن مدة الدراسة في كلية الزراعة أربع سنوات”.

حاول ستونر أن يشرح لوالده ما هو عازم على فعله، حاول أن يستثير فيه إحساسه بالأهمية والعزم. أصغى إلى كلماته وكأنها تخرج من فم شخص آخر، راقب وجه والده الذي تلقى تلك الكلمات كحجر يتلقى ضربات متكررة من قبضة. عندما انتهى جلس يصغي إلى صمت الغرفة ويداه معقودتان بين ركبتيه ورأسه محني.

أخيراً تحرك والده في كرسيه. رفع ستونر بصره إلى وجهي والديه قبالته وكاد أن يهتف بهما.

قال أبوه بصوت أجش متعب: “لا أعرف، لم أكن أتوقع أن الأمر سينقلب هكذا. ظننت بأنني كنت أفعل أفضل ما باستطاعتي عندما أرسلتك إلى هنا، أنا وأمك كنا دائماً نفعل أقصى ما بوسعنا من أجلك”.

قال ستونر: “أعلم”. لم يستطع أن يطيل النظر إليهما أكثر.” هل ستكونان بخير؟ يمكنني أن أعود فترة هذا الصيف للمساعدة. يمكنني..”

“إذا كنت تظن أن عليك البقاء هنا لدراسة كتبك، فهذا ما عليك فعله. يمكنني وأمك تدبر الأمر”.

كانت أمه قبالته، لكنها لم تره. كانت عيناها مغلقتين بشدة، تتنفس بصعوبة، بدا وجهها مجدولاً بالألم، وقبضتاها المغلقتان تضغطان على خديها. أدرك ستونر بدهشة أنها كانت تبكي بعمق وصمت، بشعور بالخجل والإحراج هي التي لا تبكي إلا نادراً. راقبها لحظة ثم نهض بتثاقل وخرج من الردهة. سلك طريقه عبر الدرج الضيق الذي يؤدي إلى عليته، استلقى على سريره وقتاً طويلاً بعيون مفتوحة تحدق في الظلمة حوله. Continue Reading »

large_hCPvO18vdEntYPH05sZnfUBAIid

هذه ترجمتي لكتاب “رابطة الشُّعراء الأموات”، المقتبس عن الفيلم الشَّهير الذي يحمل الاسم نفسه والذي كتب قصته توم شولمان عام 1989 ولعب دور البطولة فيه روبن وليامز. نانسي هورويتز كلينباوم من مواليد 30 آب عام 1948هي كاتبة وصحفية أمريكية تعيش في نيويورك مختصة في أدب الأطفال.

 

 

الفصل الأول

 

في أكاديمية ويلتُن الخاصَّة، تلك الواقعة على تلال فيرمونت النَّائية، جلس أكثر من ثلاثمائة فتى داخل الكنيسة الحجرية الصَّغيرة على جانبيْ الممرّ الطويل وهم يرتدون جميعاً سترة الأكاديمية، يحيط بهم أهلهم الفخورون، وظلُّوا ينتظرون حتى تناهت إليهم أصداء مزامير القِربة. حينها فقط قام رجل مسنّ قصير القامة تلفّه أردية منسابة بإشعال شمعة، وقاد موكباً من طلاّب يحملون الرايات، ومدرّسين بأزيائهم الرسمية، وخرّيجين، على امتداد رواق حجريّ طويل نحو الكنيسة الصَّغيرة الجليلة.

سار حمَلة الرايات الأربع بمهابة إلى المنبر. ببطء، يتبعهم الكهول من الرجال، وقد حمل آخرهم الشَّمعة المضاءة باعتزاز.

وقف مدير المدرسة جيل نولان، الرجل الستينيّ الضَّخم، عند المنصّة يراقب منتظراً اختتام الموكب. ثم قال بشكل مثير وهو يشير إلى الشَّمعة في يد الرجل:

“السيدات والسادة.. أيها الفتيان.. نور المعرفة”.

صفّق الحضور بتهذيب عندما تقدّم السَّيد المسنّ ببطء حاملاً الشَّمعة. في حين سار عازف القِربة نحو زاوية المنبر، وأخفض حاملو الرايات الأربع أعلامهم التي كُتب عليها: “تقاليد”، “شرف”، “انضباط”، “تفوّق”، واتخذوا مكاناً لهم بين الحضور بهدوء. تقدّم السَّيد حامل الشَّمعة من الحضور حيث جلس الطلاّب الجدد ممسكين بشموع غير مضاءة. ثمّ انحنى إلى الأمام على مهل، وأضاء شمعة أوّل طالب عند الممرّ.

ترنّم مدير المدرسة نولان بمهابة: “سيمرّر الأكبر سنّا نور المعرفة إلى الأصغر”، في حين كان كلّ واحد من الفتية يضيء شمعة الطالب الجالس إلى جانبه.

“أيها السَّيدات والسَّادة، أيها الخرّيج الأغر، أيها الطلاب… نحتفي، هذه السَّنة، سنة 1959، بمئوية تأسيس أكاديمية ويلتُن. منذ مائة عام، حين جلس سنة 1859 واحد وأربعون فتى في هذه الغرفة وطُرح عليهم السُّؤال نفسه الذي نطرحه عليكم في بداية كلّ سنة دراسيّة”. ثمّ توقّف نولان بشكل مسرحيّ، وسرّح بصره في الغرفة الممتلئة بوجوه شابة وجِلة ومُجهدة. وبعد ذلك قال بصوت هادر: “أيها السادة، ما هي الأركان الأربعة؟”

كسرت حركة الأقدام الصَّمت المهيب عندما نهض الطلاّب للوقفة الرسميّة. تلجلج تود أندرسُن البالغ من العمر ستة عشر عاماً، وهو واحد من القلّة الذين لا يرتدون سترة المدرسة، حين نهض الفتية من حوله على أقدامهم. وكزته والدته بمرفقها. كان وجهه مهموماً ومغتمًّاً، وعيناه مكفهرّتين غضباً. وراقب بصمت الفتية من حوله وهم يصيحون بانسجام: “تقاليد! شرف! انضباط! تفوّق!”

أومأ نولان، فجلس الفتية. وعندما همد صريف الكراسي، ران صمت مهيب على الكنيسة الصغيرة.

هدر العميد نولان عبر المصدح: “خرَّجت أكاديمية ويلتُن في سنتها الأولى خمسة طلاب”. توقّف بُرهةً ثم أردف: “خرَّجنا السَّنة الماضية واحداً وخمسين طالباً والتحق أكثر من خمسة وسبعين في المائة من هؤلاء بكلّيات رابطة اللبلاب[1]!”

ملأ انفجار من التهليل الغرفة، عندما بارك الآباء المتباهون الجالسون بالقرب من أبنائهم مساعي نولان. شارك اثنان من حَمَلَةِ الرايات في التهليل وهما نوكس أوفرستريت وصديقه تشارلي دالتون، وكلاهما في سنّ السَّادسة عشرة. متباهيين بستر ويلتُن، مجسّدين بجلوسهما بين أهليهما، صورة رابطة اللبلاب. كانت لنوكس تسريحة شعر قصيرة، ابتسامة تطفح بالودّ، وقامة رياضيّ. في حين كان تشارلي وسيم المحيّا مفعماً بالحيوية.

واصل العميد نولان عندما تلفّت نوكس وتشارلي نحو زملائهما: “هذا النوع من الإنجاز، هو نتيجة فرادة ما يتمّ ترسيخه في الطلاّب هنا من مبادئ.  ولهذا السَّبب يرسل الآباء أبناءهم إلى هنا، ولهذا السَّبب تعدُّ مدرستنا أفضل مدرسة إعدادية في الولايات المتّحدة”. توقّف نولان للتهليل الذي تلا كلامه. ثم واصل موجّهاً اهتمامه نحو الفتية المنضمين حديثاً إلى صفوف أكاديمية ويلتُن: “أيها الطلاب الجدد، يستند مفتاح نجاحكم إلى الأركان الأربعة. وهذا ينطبق على تلاميذ الصَّف السَّابع والطلاب المنقولين على حدّ السَّواء”. تلوَّى تود أندرسُن ثانية في مقعده لدى الإشارة إلى الطلاب المنقولين، وملامح الحرج بادية على وجهه. “الأركان الأربعة هي مُثل هذه المدرسة، وسوف تصبح الأركان الأساسيّة لحيواتكم”. ثم نادى نولان: “مرشح رابطة ويلتُن ريتشارد كاميرون”، فنهض واحد من حملة الرايات على قدميه سريعاً.

صاح كاميرون: “نعم، سيّدي!” شعَّ وجه والده الجالس إلى جانبه بالفخر.

“كاميرون، ماهي التقاليد؟”

“التقاليد، يا سيد نولان، هي حبّ المدرسة، البلاد، والعائلة. وتقاليدنا في ويلتُن هي أن نكون الأفضل!”

“جيد، سيد كاميرون”.

“مرشح رابطة ويلتُن جورج هوبكنز. ما هو الشَّرف؟”

جلس كاميرون على نحو رسميّ وابتسم والده باعتداد.

أجاب الفتى: “الشرف هو الوقار واحترام الواجب!”

“جيّد، سيد هوبكنز. مرشّح شرف الرابطة نوكس أوفرستريت”. وقف نوكس حاملاً إحدى الرايات هو أيضاً.

“نعم، سيدي”.

سأل نولان: “ما هو الانضباط؟”

“الانضباط هو احترام الوالدين، المدرّسين، والمدير. ينبع الانضباط من الداخل”.

“شكراً لك، سيد أوفرستريت.  مرشّح الشَّرف نيل بيري”.

جلس نوكس، مبتسماً. ربّت والداه المجانبان له، على كتفيه، مشجعَين.

قام نيل بيري على قدميه. كان جيب صدر سترته مكسوّاً بعنقود ضخم من دبابيس الإنجازات[2].  وقف الشَّاب ذو الستة عشر عاماً على نحو مطيع، وهو يحدج العميد نولان بغضب.

“التَّفوق، يا سيد بيري؟”

أجاب بيري بنبرة عالية رتيبة تشبه نبرة المدّعي: “التفوّق هو نتيجة العمل الجادّ.
التفوّق هو مفتاح كلّ نجاح، في المدرسة وفي كلّ مكان”.

جلس وحدّق مباشرة إلى المنبر. وكان والده العابس بجانبه يحدّق بصمت وبنظرة متحجّرة، دون أن يظهر أدنى اهتمام بابنه.

واصل العميد نولان: “أيها السَّادة، سيفوق عملكم في ويلتُن مشقّة كل عمل خبرتموه سابقاً في حياتكم، وسيكون النَّجاح الذي نتوقّعه جميعنا منكم مكافأتكم. بمقتضى تقاعد محبوبنا مدرّس اللغة الإنجليزية، السيد بورتيوس، آمل بأنكم ستنتهزون هذه الفرصة للقاء بديله، السَّيد جون كيتينج، وهو بنفسه متخرّج في هذه المدرسة بدرجة الشَّرف، كان يدرِّس في السنوات القليلة الأخيرة، في مدرسة تشيستر المحترمة للغاية في لندن”.

انحنى السيد كيتينج، الجالس مع أعضاء هيئة التَّدريس الآخرين، إلى الأمام قليلاً تعبيراً عن الشكر لتقديمه. كان كيتينج في باكورة ثلاثينياته، له شعر بني وعينان بنيّتان، رجل عاديّ المظهر متوسّط الطول. بدا أنه محترم ومثقّف، لكن والد نيل بيري حدّق نحو مدرس اللغة الإنجليزية الجديد بارتياب.

قال نولان: “في ختام هذه المراسم الترحيبيّة، أودّ أن أدعو إلى المنصة أقدم خرّيجي ويلتُن الأحياء، السيد ألكسندر كارميتشل الابن، من دفعة عام1886”.

نهض الحضور بحفاوة بالغة عندما شقّ الثمانينيّ طريقه إلى المنصّة ببطء جهيد مُعرضاً بكبرياء عن مساعي المساعدة التي عرضها الجالسون بجانبه. ودمدم ببعض كلمات بالكاد سمع الحضور منها شيئاً، وبذلك انتهى الاجتماع. وخرج رتل الطلاب وآبائهم من الكنيسة إلى ساحات الحرم الباردة.

مبانٍ حجرية مكشوفة وقد عزل التقشف المتّبع ويلتُن عن العالم من خلفها. راقب العميد نولان الطلاب والأهل وهم يتبادلون تحيات الوداع مثل قسٍّ واقف أمام كنيسة يوم أحد.

برفق، أزاحت والدة تشارلي دالتون الشَّعر عن عينيه وضمّته بشدة. عانق والد نوكس أوفرستريت ابنه بحنان عندما سارا حول الحرم مشيراً إلى معالمه. وقف والد نيل بيري بثبات، يسوّي دبابيس الإنجازات على سترة ابنه. في حين وقف تود أندرسن وحيداً، يحاول نبش حجر بحذائه. ووالده غير بعيد عنه يتحدّث إلى زوجين آخرين، متجاهليْن ابنهما هما أيضاً. وعندما اقترب منه العميد نولان وحاول أن يلقيَ بنظرة على بطاقته الاسمية، جفل تود وحدّق إلى الأرض مرتبكاً.

“آه، سيد أندرسن.  لديك عمل كبير تقوم به، أيها الشَّاب. لتُجاريَ أخاك الذي كان واحداً من أفضل طلاّبنا”.

قال تود بخفوت: “شكراً لك سيّدي”.

تابع نولان سيره، يتجول مارًّا بالأهل والطلاّب، محيّياً إيّاهم ومبتسماً طوال الوقت. وعندما وصل عند السيد بيري ونيل، توقّف ووضع يده على كتف نيل.

قال العميد لنيل: “ننتظر منك أشياء عظيمة، يا سيد بيري”.

“شكراً لك، سيد نولان”.

قال والد الفتى لنولان: “لن يخيّبنا، صحيح يا نيل؟”

“سأبذل قصارى جهدي، يا سيدي”. ربّت نولان على كتف نيل وتابع سيره. لاحظ أن ذقون الكثير من الفتية الأصغر سنّا ترتعش، ودموعهم تسيل فيما هم يودّعون آباءهم، ربما للمرّة الأولى.

قال أحد الآباء، مبتسماً وملوّحاً وهو يسير بسرعة مبتعداً: “ستحب المكان هنا”.

قال أب آخر بغضب وهو يبتعد عن ابنه الخائف الباكي: “لا تكن طفلاً”.

على مهل خرج الأهل بشكل تدريجيّ وانطلقت السَّيارات. صار للأولاد بيت جديد في أكاديمية ويلتُن، معزول في غابات فيرمونت الخضراء والباردة في آن.

انتحب أحد الفتيان: “أريد الذَّهاب إلى البيت!” فربّت زميل يكبره سنّاً على ظهره وقاده نحو بيت الطلبة. Continue Reading »

حكاية

كان في وسعها أن تصفع نفسها في تلك اللحظة، لكنها كانت في حالة من التعب والكآبة فاكتفت بتخيل ذلك. كانت أمسية كباقي الأمسيات التي تجلس فيها وحيدة أمام شاشة الكمبيوتر تشاهد فيلماً ما، مشاهدة ينقصها التركيز في غالب الأحيان، فقط كي تؤنس وحدتها.

منذ شهر أو أكثر قليلاً، أكد لها الطبيب أن كل شيء سيكون على ما يرام، مستبعداً أي شبهة للإصابة بمرض السرطان بعد المعاينة الأولية وبعد أن طرح عليها عدداً من الأسئلة، من ضمنها سؤال عما إذا حدث وأن أصيب أحد أفراد العائلة سؤال أجابت عليه بالنفي بكل صدق وثقة.

بعد مضي أسبوع على زيارة الطبيب، تلقت منه رسالة تفيد بأن الخزعة التي تم فحصها لم تشر إلى وجود أي مرض خبيث وإن كانت في الوقت نفسه غير كافية لتبين طبيعتها تماماً.

في البداية، بعد سماعها كلمة “سرطان”، انهارت تماماً، وانفجرت بالبكاء-كانت تنفجر بالبكاء لأسباب أقل شأناً بكثير، وأحياناً دون سبب على الإطلاق-كان محزناً بالنسبة لها أن تموت قبل أن تعرف طعم الحياة، وأن يكون متعذراً اللقاء بمن تحب، لكن بعد سماعها كلمات الطبيب اطمأنت ولربما بعد التفكير ملياً في الموضوع، وجدت أن حياتها وموتها سواء ولا داع لكل هذا القلق.

لكن في تلك اللحظة، عندما تخيلت أنها تصفع جبهتها، كانت قد خطفتها الذكرى من مشاهدة الفيلم، مثل وميض البرق، عن ثلاثة أشخاص، أولهم، على الأرجح، كانت صغرى شقيقات والدها، التي قتلها سرطان البنكرياس وكانت في السابعة والعشرين من عمرها، لم يمض على إنجابها لتوأم مكون من طفلتين سوى بضعة أشهر، صورة وحيدة كانت لا تزال عالقة في ذاكرتها لتلك العمة، صورة معتمة تضيئها نار الفرن الذي كانت تسخن عليه سندويتشات لها ولابن عمتها الذي كان في مثل عمرها، في بيت جدها، عندما كان الجميع في المستشفى برفقة عمتها الأخرى، كبرى شقيقات والدها، التي كانت في ذلك الحين مصابة بسرطان الدم وتوجب نقلها إلى المستشفى أثناء زيارتها لأهلها في حمص، إذ كانت تقيم –هي وأختها الصغرى-في دمشق العاصمة، هذه العمَّة أيضاً توفيت بعد عام من وفاة أختها، ولم ينفع في شفائها ذهابها للعلاج في ولاية أريزونا الأمريكية، كانت مرافقتها إلى المطار لوداعها الذكرى الوحيدة التي تملكها عنها. أما الثالث فهو عمها، شقيق والدها الأكبر الذي توفي بعد أخيه بحوالي ستة أشهر، قبل عشر سنوات، ولا تعرف على وجه التحديد إذا ما كان مصاباً بسرطان الدم، أم سرطان نقي العظام، لأن العلاقات كانت منقطعة مع من بقي من عائلة والدها منذ وفاته.

ربما كانت تستحق صفعة حقيقة وليس متخيلة، لنسيانها كل هذا دفعة واحدة، ولو أنه لن يغير في الأمر شيء، لكن كان جيداً أن تعرف أن للسرطان تاريخ، وقصص طويلة في عائلتها، وأن في وسعها أن تكون هي، ذات يوم، من يعيد بناء هذه العلاقة.

 

 

blogger-image-840491978

 

Syria

O beautiful happy Syria

Like a hearth in December

O unhappy Syria

Like a bone between dog’s teeth

O callous Syria

Like a scalpel in the surgeon’s hands

We are your good-hearted children

We have eaten your bread, olives, and your whips

Always, we will lead you to the springs

Always, we will wipe your blood with our tender fingers

And your tears with our dry lips

We will always pave the paths for you

We will not let you get lost, Syria

As a song in a desert.

Even the wolves

When you feeling sad

Both, The River and the boat are feeling sad with you

The willow trees and the gray sparrows

The mountain and the lamp of the room

The curtains and the sunlight

The heart in the chest

And the fish in the rivers

And even the wild wolves of the wilderness

Even the wolves

Are burying their heads in the sand and cry.

Tomorrow morning

We will climb the tree and eat the berry

Tomorrow morning

I will take your hand and run in the wilderness

Tomorrow morning

I will kiss you a thousand kisses

 Moreover, to you, I will say a thousand good mornings

Nevertheless, who can assure me that the morning is coming?

The night is expanded like an ages

The woman is in the balcony

And I am in the prison.

Translated by Amani Lazar