Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘أورهان باموك’ Category

Images_Page_4

جنيف، 1959

أورهان باموك 3/2019

في شهر أيلول العام 1959 سُجلنا أنا وأخي الأكبر شفكت في مدرسة ابتدائية تدرِّس باللغة الفرنسية في سويسرا. وظِّف والدنا غوندوز وهو مهندس تركي نابغة في الرياضيات للعمل لصالح المؤسسة الدولية للحاسبات الآلية IBMفي جنيف ومنذ وصولنا من إسطنبول في شهر حزيران كانت والدتنا شكر تحاول بصورة ملحَّة أن تدرسنا اللغة الفرنسية. كانت فرنسيتها جيدة-كانت قد تعلمت اللغة من الراهبات في مدرسة دام دو سيون وهي مدرسة كاثوليكية في إسطنبول-لكنها لم تكن مدرِّسة. كان من الصَّعب فرض أي نوع من الانضباط على ولدين صعبي المراس في عمر السَّابعة والتَّاسعة ناهيك عن تدريسهما لغة جديدة في الوقت نفسه.

كان يوجد عدد كبير من الأطفال الأجانب مثلنا في المدينة ممن لم يتحدثوا اللغة الفرنسية شاهدناهم على ضفاف بحيرة جنيف، في المتنزهات، في الشَّوارع. لا ريب كنَّا سنتعلم اللغة في آخر المطاف وإن بالتَّحدث مع الأولاد الآخرين في المدرسة فقط؟ كانت والدتنا مشغولة بما فيه الكفاية في محاولتها التَّوفيق بيننا وبين الأعمال المنزلية، ربما ما كان ليهم كثيراً أننا لم نستطع تعلمها منها.

مع ذلك بعد أن أوصلتنا والدتي في يومنا المدرسي الأول، استولى عليَّ خوف أكَّال. فصلت في باحة المدرسة عن أخي ووضعت في رتل مع طلاب الصَّف الثاني الآخرين وسرعان ما صرنا في غرفة صفِّنا التي كانت نظيفة ومضيئة. كانت المدرِّسة التي ابتسمت للجميع قد بدأت تشرح أموراً.

كتبت أحياناً كلمة على السَّبورة لكني لم أنجح في معرفة جِرس تلك الكلمة. لم ينقل الأولاد الأخرون تلك الكلمات إلى دفاترهم قط، لذا لم أفعل أيضاً. شاهدت بطرف عيني ما كان يفعله الولد الجالس قربي لكني لم أنظر نحوه مباشرة قط. بدا كما لو أن لدى جميع من في الصَّف ما يقوله، تطرح المدرِّسة الأسئلة والطلاب يجيبون.

في البيت ذلك المساء فتحنا أنا وأخي المقلمتين اللتين حصلنا عليهما في المدرسة، مصنوعتين من البلاستيك الذي بدا مثل الجلد وتبادلنا عرض الأشياء التي استلمها كل واحد منَّا: الممحاة، قلم الرصاص، المبراة، ومسطرة صغيرة.

في اليوم التَّالي في غرفة الصَّف زاد شعوري بالوحدة قليلاً. كنت بين الحين والآخر أتناول قلمي الرصاص كما لو لأنسخ كلمة عن السَّبورة، لكن حينئذٍ كنت أضعه ثانية. ما من كلمة أصبحت متميزة قط. بدا أنَّ المدرِّسة والأطفال الأخرون يتحدثون دون توقف. لم أستطع مجاراة ما كان يحدث من حولي وبدأت أشعر بالضَّجر. نظرت من النافذة وتمنيت لو أني في المنزل أقرأ صفحات رياضة كرة القدم في الصُّحف التي وصلت متأخرة من تركيا.

ساورني في اليوم التَّالي الشُّعور نفسه بالوحشة ثانية. لم أستطع اكتساب اللغة التي كان يستعملها الجميع بأريحية بالغة، وهذا جعلني أشعر بأني أحمق وأفتقر إلى الكفاءة. كان كما لو أني وقعت في دوَّامة. لم أتمكن من العثور على مركز لأتمسك به، أو على بداية لأنطلق منها. فكرت أحياناً أن الوقت لن يمر قط. فكرت أحياناً أني شخص آخر، مكان آخر. كان أحدهم أحياناً ينتبه لي، ينظر نحوي وأنا أشعر بالخجل لكوني مستغرق بعمق في أحلام يقظتي.

كان الوقت سعيداً بالنسبة لي منذ أن تعلمت القراءة والكتابة السَّنة السَّابقة. قرأت بصوت مسموع كل إعلان وكل رقعة من الرسوم الجدارية الجرافيتي التي وقعت عليها عيناي. كنت قد واظبت على فعل ذلك في جنيف، أتلو أي مجموعة من الأحرف أصادفها: مارتيني، بيكون، ايسو، هيلفيتيا.

كانت كلمات وأرقام مثل هذه أساساً لدروس أمي في اللغة الفرنسية ذلك الصَّيف. لكني كنت أعاني الآن في تخيُّر أي منها من اللغة التي كانت محكية في غرفة الصَّف. في البيت، كانت كل كلمة أشبه بطائر غريب وفريد. لكن في المدرسة بدا أن الكلمات تنقضُّ عبر السَّماء مثل سرب، لا يمكن تمييز طائر بمفرده عن الكل.

عندما تعاظم شعوري بالعزلة في غرفة الصَّف بحثت عن أخي في الباحة خلال الاستراحة. عقدنا الأيدي أحياناً. كانت ذكرى مولده متأخرة مدة أسبوع فلم يكن ممكناً التحاقه بالصَّف الرابع، أقمنا في إسطنبول السَّنة التي كان يفترض به أن يدرج فيه، لذا كان في الصَّف الثالث بدلاً من ذلك. عرف حينها الأرقام كلها وصنع لنفسه اسماً في الصَّف بالعد عكسياً ثلاثيات.

بعد يومين أعلنتُ فجأة عندما كانت والدتي تعدنا للمدرسة: “أنا لست ذاهب!” أسدلت عيني ولم أجب على مداهنتها أو على أسئلتها.

قال أخي: “أنا سأذهب!”

خرجا مسرعين. وحيداً في المنزل، فهمت أننا لو كنَّا في إسطنبول لما كانت والدتي تساهلت معي. شعرت بندم حارق رغم أن عدم رغبتي بالذهاب إلى المدرسة كانت مبررة. (هربت من المدرسة مرات كثيرة في السنوات التي تلت وفي كل مرة استولت عليَّ مشاعر مشابهة من الوحشة وتأنيب الضمير).

أعلن والدي بعد ثلاثة أيام أنه من الأفضل لي ولأخي أن نقيم مع والدته والالتحاق بمدرسة في تركيا، لذا غادرنا المدرسة الفرنسية. لم نتمكن أبداً من تعلم اللغة الفرنسية♦.

ترجمها عن التركية إكين أوكلاب.

ترجمتها عن الانكليزية: أماني لازار.

المقالة نشرت في مجلة النيويوركر.

https://www.newyorker.com/magazine/2019/06/10/geneva-1959?utm_medium=social&utm_social-type=owned&mbid=social_facebook&utm_source=facebook&utm_brand=tny&fbclid=IwAR1yQZAv5rxcLO7vzm_iS_CZtbF03_7yd2KdkCWylG62SnbX71JxOrWWX30

Read Full Post »