Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘ترجماتي’ Category

Didda & Sigur Rós – Dót

ألعاب

استعدتُ ذات مرة وعيي بنفسي

ممددةً على الأرض في ثمَّة ما يشبه المستودع

كانت الرفوف تزخر بالألعاب

ألعابٌ لها شكل ضفادع لأطفال حتى عمر ثلاثة أعوام

آلات بلاستيكية، دراجات بلاستيكية، ودمى

لها عيون مدوَّرة فارغة بكماء

كنت عاريةً هناك

وجسم ذكوري حاضر للاستلقاء فوقي

أعضاؤه التناسلية المتدلية أمسكت بمنفرجه

وكان طاعناً في السِّن كما لو أن اللحم كان مرمياً عليه

لم ألمس أطرافي

ولم أتمكَّن من تحريكها

كانت وجوه الأطفال وأجراس أشبه بنقيض صارخ لهذا الرجل العجوز الهائج

وحالما تمدد فوقي صعد القيء إلى حلقي

وانقلبتُ على جنبي

وتقيأت على الحصيرة البيضاء الناعمة المصنوعة من الفراء

نطق الرجل بشتيمة موبخاً إياي لأني لوثت السَّجادة

وشرع بتنظيفها

استعدتُ رباطة جأشي بطريقة ما ولم أمتلك فضلةً من طاقة لأنبس بكلمة

ليس حتى لأركل الرجل

والدمى جلست مستريحة وظريفة

ومقل عيونها ارتعشت في وجوهها عندما خرجتُ مترنحة.

Read Full Post »

Montgomery-Roth-03-23

كنت أتحدَّث ذات مرة مع فيليب روث عن سباحة الممرات، أمرٌ تبيَّن أن كلاً منا أحبَّ فعله، على الرغم من أنه استطاع السِّباحة مسافة أطول وعلى نحو أسرع مني بكثير. سألني: “بماذا تفكرين وأنت تقطعين كل مسافة؟” أخبرته بالحقيقة الرتيبة: “أفكر، المسافة الأولى، المسافة الأولى، المسافة الأولى، من ثم المسافة الثانية، المسافة الثانية، المسافة الثانية. وهلم جرا”. أضحكه ذلك. “هل تريدين أن تعرفي رأيي بالموضوع؟” أردت ذلك. “أختارُ سنة، لنقل العام 1953. ثم أفكر حول ما حدث في حياتي أو ضمن حلقتي الصَّغيرة في تلك السنة. ثم أنتقل للتفكير بشأن ما حدث في نيوارك، أو نيويورك. ثم في أمريكا. من ثم إذا كنت أقطع المسافة قد أبدأ بالتفكير بأوروبا، أيضاً. وهلم جرا”. أضحكني ذلك. الطاقة، المدى، الدِّقة، الاتساع، حب الاستطلاع، الإرادة، الذكاء. لم يكن روث في بركة السِّباحة مختلفاً عن روث الجالس إلى مكتبه الثَّابت. كان كاتباً حتى النُّخاع. لم يكن مخففاً بأمور أخرى كما هو الحال معنا نحن البقية، بصورة رحيمة. كان يكتب بإخلاص وكل ما فعله كان في خدمة الكتابة. تعلَّم، وكان بعد يافعاً، على غير العادة، ألا يكتب ليحمل الناس على أن يحسنوا به الظن، وألا يكتب كي يعرض للآخرين، من خلال القصص، النوع المناسب من الأفكار، فبالتالي يفكرون به على أنه الشخص المناسب.

قال يوماً: ” ليس الأدب مسابقة جمال أدبية”. لم يكن الأدب بالنسبة لروث أداة من أي نوع. كان الشيء الموقر لذاته. أحب القصّ و(بخلاف الكثيرين، نصف أو ثلاثة أرباع الكتاب) لم يكن يوماً خجلاً منه. أحبه في طيشه، في هزله، في فحشه، وفي استقلاليته المقدسة. هو لم يخلط يوماً بينه وبين أمور أخرى مصنوعة من الكلمات، مثل تصريحات عن العدالة الاجتماعية أو آراء شخصية، خطب صحفية أو سياسية، كلها حيوية وضرورية للحيوات التي نعيشها خارج القصص، لكن أياً منها ليست قصاً، وهو وسيلة يتعين عليها دوماً أن تجيز لنفسها، عندما لا تستطيع تلك الصيغ الأخرى، إمكانية التعبير بحميمية والحقائق المزعجة.

أدلى روث بالحقيقة دوماً-حقيقته، حقيقة ذاتية-من خلال اللغة ومن خلال الأكاذيب، المحركان التوأم في لبِّ الأدب المحرج. محرج للآخرين، وليس لروث أبداً. ذوات ثانية، ذوات زائفة، ذوات وهمية، ذوات بديلة، ذوات مروِّعة، جذلة، ذوات مخزية-رحب بها جميعاً. مثل جميع الكتاب، كان هناك أمور وأفكار تتجاوز إدراكه أو تصوره، امتلك نقاطاً مخفيَّة، أحكاماً مسبقة، ذوات تمكن من تخيلها جزئياً فقط، أو ذوات أساء فهمها أو وضعها في غير مكانها. لكن على خلاف الكثير من الكتاب، لم يتق إلى رؤيا تامة. عرف باستحالة الأمر. الذاتية محددة برؤيا الشخص، ومهمة الكتابة هي أن تبذل ما بوسعك مع ما تملك. استعمل روث كل نبذة صغيرة امتلكها. لم يكن هناك شيء مستبقى أو مصون من الكتابة، لا شيء مدخر لوقت الحاجة. كتب كل كتاب عزم على كتابته وقال كل شيء قصد قوله. بالنسبة لكاتب، ليس هناك مطمح أعظم من ذلك. أن تسبح الامتدادات الخمسة وثمانين في بركة السباحة من ثم تخرج دون أن تلتفت إلى الوراء.

في الوقت الذي التقيت فيه روث كان قد توقَّف عن الكتابة، كان يقرأ. التاريخ الأميركي بشكل حصري تقريباً، والموضوع الذي بدا أنه يهمه أكثر من أي شيء كان الاستعباد. كانت كتب حول الموضوع مكدسة على طاولة القهوة خاصته-كتب رسمية، متخصصة، ومبهمة-والكثير من قصص العبودية، بعضها مشهور ومعروف بالنسبة لي، سواها لم أسمع عنها من قبل، والتي اقترضتها أحياناً لأعيدها بعد شهر أو اثنين وأناقشها. كلما تحدثت مع أي شخص عن قراءة روث العلمية المفرطة، بدوا دوماً مندهشين، لكن بالنسبة لي كان أمراً متماسكاً مع الرجل وعمله. كان روث كاتباً وطنياً استثنائياً، لكن حبه لوطنه لم يفق أهمية أبداً أو حجب فضوله بشأنه. هو أراد دوماً أن يعرف أمريكا، في جمالها ووحشيتها المطلقة، وأن يرى صورتها الكاملة: المثل النبيلة، الواقع الدموي. لم يتوجب على الأمر أن يكون سليماً كي يشغله، وذلك سرى بشكل مضاعف على النَّاس، الذين في عالم روث لطالما عنوا حقاً شخصيات. الخلطة المكوَّنة من البديع والجامح الموجودة في الناس، المثالي والباطل، الجميل والقبيح، هي ما عرفه وفهمه وعفا عنه دوماً، حتى لو لم يسامحه الناس الذين كتب عنهم دوماً لملاحظته لهم. كان من المحتمل أن يقوده إلى الجنون القول بوجود شيء ممعن في القدم وحاخامي في هذا الانجذاب إلى التناقض والنقصان، لكني سأقوله بأية حال. طاقة بحتة-موهبة روث الرئيسية والخاصيَّة التي تشاركها مع أميركا ذاتها-هي ترِكتُه للأدب، ولسوف تكون دوماً موجودة، جاهزة ليُنهل منها أو لمزجها مع ثمَّة عنصر جديد من قبل شخص جديد. سوف تكون تلك الروح الروثيَّة-زاخرة بالناس والقصص والضَّحك والتَّاريخ والجنس والغضب-مصدراً للطاقة ما دام الأدب موجوداً. أول ما فكرت به بعد وفاته أنه كان واحداً من أكثر الناس حيوية ووعياً الذين التقيتهم أبداً، حتى النهاية. فكرة أن وعياً مثل ذلك تمكَّن في وقت ما من التوقف عن كونه واعياً! ومع ذلك ها هو محفوظ، في كتاب تلو آخر، حمداً لله.

 

عن مجلة النيويوركر.

 

 

Read Full Post »

terman-hatless

1

المهنة: شاعر

أليست مهمَّتي أن أتكاسل وأتَّكئ على الطَّاولة،

وأغفو في السَّاعات المضنية؟

أوَ لستُ أكسب أجراً مقابل أن أتحدَّث

على نحو غير ملائم، وأن ألزم الصَّمت

وأنا مزحوم بالعمل، وأن أتهرَّب من الاجتماعات؟

أوَ تفضِّلني مراعياً للمواعيد؟

عندما يأتي الثَّلج، نفحوني أجراً

لقاء أن أمدَّ لساني. عندما

عندما ينكسر المصباح، تتجلى مهمتي

في وصف الظلمة. لا تنتظر مني

أن أعود دوماً إلى الكرسي نفسه

مثلما يعود كلب إلى قدر الصَّفيح نفسه

في ركن الوجار. أنام

والآخرون سهارى، أستيقظ

والآخرون نيام. الجوع

هو المكوِّن الأكثر أهمية

في حميتي الغذائية. عندما تشير

إلى طائرة، أنا أحدق نحو القمر.

عندما تشير إلى القمر،

أحفر التراب بأسناني.

سوف أوقِّع على عريضتك بملحمتي الشِّعرية.

لا تتبعني إلا إذا كنت راغباً

بالذَّهاب إلى مكان آخر. لا

تتفاجأ إذا ما قابلت

قصاصكَ

بعناق. أو إذا ما كنت أدعي

أن كومة الرَّوث نعيماً.

أو إذا ما أسهبت بالكلام طويلاً بعد

نطق الريح لمرثيتها الأخيرة.

2

الصَّيف الذي قرأت فيه بروست

أوَ تتذكر الصَّيف الذي قرأتَ فيه بروست؟

في الأرجوحة الشَّبكية المعلَّقة إلى أشجار التُّفاح

اللائي تسلَّقتها بناتك، تندمج ظلالهنَّ

مع ظلال الأوراق

تنسكب على تلك العبارات الطَّويلة المضنية،

طوال الأصيل وحتى المساء-طيور أبو الحنَّاء،

طيور الزرياب، الكلب البعيد، الأرجحة من حين لآخر،

كيف تهدهدتِ السَّاعات جيئةً وذهاباً،

وذلك الكتاب الضَّخم يستحوذ عليك في عشِّه المحبوك-

لم تكتفِ من الصَّفحات، تمنَّيتَ

لو أنَّ ألف صفحة تضاف عند كل منعطف،

تجرُّك الكلمات إلى النَّوم، النَّوم

يوقظك على الكلمات، ذلك الصَّيف الذي قرأت

فيه بروست، الذي دام ما حييت.

فيليب تيرمان يقرأ القصيدة

3

 

في دار النَّقاهة، قدَّموا لأمي طعاماً محرماً

يضع الخادم طبق البطاطا الحلوة ولحم الخنزير المقدَّد أمام أمي، التي لم تتناول طوال حياتها سوى الطَّعام المباح، وفصلت الأجبان عن اللحم، الأطباق في خزائن منفصلة، الأواني الفضيَّة في أدراج متقابلة، تبعت طوال حياتها نصَّ القانون على قدر استطاعتها، أضاءت الشُّموع وفق الوصايا، ضفرت الخبز من أجل السَّبت، صامت كفارةً، كل يقظة ونهوض، على شرف والديها، طبقاً لمشيئة الله، الكلمات التي حفظتها غيباً، الحركات التي ورثتها وأورثتها-وما هي ذروة هذا التفاني؟

فيما مضى، في غرفتها الأشبه بصندوق، والشَّمس تجري من خلفها، شعر أشيب مبعثر على وجهها النَّحيل، تلقَّفت ذراعي وابتهلت: أنا ميتة. تهزها ريح لا مرئية. أنت لن تنساني؟ لا تنسني، بابا. كانت ابنتي، أنا من دفعها نحو المكان الذي وجدنا أنفسنا فيه فجأة-أسماؤنا تتحلل، علاقتنا-أم وطفل، جسد ينفصل وينجرف، كما تنجرف الآن عن الطَّبق الموضوع أمامها، عيناها تتحولان، من جانب إلى آخر، كما لو عن شيء لا يمكن التَّعرف إليه.

موقع الشاعر فيليب تيرمان

 

Read Full Post »

f79969fa44efe905e5a84962dd073ed7

في المكتبة-تشارلز سيميك

إلى أوكتافيو

يوجد كتاب يدعى

“قاموس الملائكة”.

لم يفتحه أحد منذ خمسين عاماً،

أعرف، لأني فتحته،

صرَّ الغلاف، الصَّفحات

تفتتت. وعندئذٍ اكتشفت

أن عدد الملائكة كان في السَّابق موفوراً

مثلما هو الحال مع أنواع الذباب.

لطالما كانت السَّماء عند

الغسق مثخنة بهم.

كان عليك التَّلويح بكلتا ذراعيك

كي تبقيهم بعيداً.

الشَّمس تشع الآن

عبر النَّوافذ الطويلة.

المكتبة مكان هادئ.

ملائكة وآلهة احتشدوا

في الكتب القاتمة غير المفتوحة.

السِّر العظيم يتوضَّع

على ثمَّة رفٍّ تمرُّ به الآنسة

جونز يومياً أثناء جولاتها.

قوامها ممشوق للغاية، لذا تميل

رأسها دوماً كما لو أنها تصغي.

الكتب تهمس.

لا أسمع شيئاً، لكنها تسمع.

 

Read Full Post »

13517098

على مسافة خطوة منهم

إنها ساعة غدائي، لذا أذهب

في نزهة بين سيارات الأجرة

الملونة، المهمهِمة. أولاً، على الرَّصيف

حيث يغذِّي العمَّال جذوعهم

القذرة اللماعة بالشَّطائر

والكوكا كولا، معتمرين خوذاً

صفراء. لحمايتهم من القرميد

المتساقط، أغلب الظن. ثم نحو

الجادَّة حيث تتقلب تنانير

فوق كعوب الأحذية العالية وتهبُّ فوق

المشابك الحديدية. الشَّمس لاذعة، لكن

سيارات الأجرة تثير الهواء. أتطلع

نحو صفقات لبيع ساعات اليد. هناك

قطط تلعب في النِّشارة.

نحو التايمز سكوير، حيث تنفث

اللافتة الدخان فوق رأسي، ومن أعلى

ينسكب الشَّلال برفق.

زنجي يقف في عتبة وفي يده

مسواك، يهتز بخمول.

تطقطق شقراء من فتيات الكورس:

يبتسم ويفرك ذقنه. كل شيء

يزمِّر فجأة: إنها السَّاعة 12:40 من يوم

خميس.

إن ضوء النيون في وضح النهار

لمتعة عظيمة، كما قد يكتب إدوين دينبي

كما لو أنها مصابيح في وضح النهار.

أتوقَّف عند ركن جولييت لشراء شطيرة بالجبن

جوليتا ماسينا، زوجة

فيدريكو فيليني، إنها ممثلة جميلة

ومخفوق الحليب بالشوكولا. سيدة

ترتدي سترة من فراء ثعلب في مثل هذا اليوم تضع كلبها البودل

في سيارة أجرة.

يوجد في الشَّارع اليوم عدد

من البويرتوريكيين، ما يمنحه

جمالاً ودفئاً. مات بوني

أولاً، ثم جون لاتوش،

ثم جاكسون بولوك. لكن أوَ تزخر الأرض بهم مثلما كانت الحياة؟

واحد أكل وواحد يسير،

ماراً بمجلات صور العراة

وملصقات إعلانية لمصارعة الثيران و

مستودع تخزين مانهاتن،

الذي سوف يهدمونه قريباً.

لطالما فكرت أن معرضاً

للفن المعاصر أقيم هناك.

كأس من عصير البابايا

وأعود إلى العمل. قلبي في

جيبي، مجموعة قصائد كتبها بيير ريفيردي.

Read Full Post »

220px-Amedeo_Modigliani,_Pierre_Riverdy,_1915

ترجمتها عن الفرنسية ليديا ديفيس.

في هواء السَّقف الدافئ أنيرت أضواء الأحلام.

تقوَّست الجدران البيض. الصَّدر المثقل يهمس بكلمات مشوَّشة. في المرآة، تدوِّم رياح الجنوب، حاملة أوراق شجر وريش. النَّافذة مسدودة. أوشك القلب على الإنطفاء وسط رماد القمر البارد بالفعل -لا ملاذ لليدين والأشجار جميعاً مضطجعة. في الرياح القادمة من الصَّحراء، انحنت الإبر وانقضت ساعتي.

Read Full Post »

13435091_f520

يسيل الحبر من زاويتي فمي.

ما من سعادة تضاهي سعادتي.

كنت أتناول الشِّعر.

لا تصدِّق أمينة المكتبة ما تراه.

عيناها حزينتان

تسير ويداها في جيبي ردائها.

القصائد مضت.

الضُّوء شاحب.

الكلاب على درج القبو مقبلين.

مقل عيونهم تتقلَّب،

تتَّقد قوائمهم الشُّقر مثل أجمة.

تبدأ أمينة المكتبة المسكينة بخبط الأرض بقدميها وتبكي.

هي لا تفهم.

عندما أجثو على ركبتي وألعق يدها،

تصرخ.

أنا انسان جديد.

أزمجر نحوها وأنبح.

أثبُ مرحاً في الظُّلمة الكُتبية.

Eating Poetry by Mark Strand

Read Full Post »

هذه ترجمة لكلمات الأغنية التي غناها المغني الإسباني باكو ايبانييز، كلمات الأغنية هي قصيدة للشاعر الإسباني خوسيه أوغستين غويتيسولو (ولد عام 1928 وتوفي منتحراً عام1999 ) المهداة إلى ابنته خوليا التي سميت على اسم والدته التي قتلت جراء القصف خلال الحرب الأهلية الإسبانية عام 1938.

Palabras para Julia – Paco Ibañez.

jos-agustn-goytisolo-0fe6b59c-7e67-4590-b64a-fae6f43053d-resize-750

ليس بوسعكِ العودة إلى الوراء

لأن الحياة تدفعك قدماً

مثل عواء لا آخر له.

سوف تشعرين بأنك حبيسة القفص،

سوف تشعرين بأنك تائهة ووحيدة،

وقد تتمنين لو أنك لم تولدي قط.

لكن تذكَّري دوماً

ما كتبته ذات يوم

فكِّري بنفسكِ كما أفكر بك الآن.

الحياة جميلة، سوف ترين،

رغم أحزانها،

سوف تحبين، وسوف يكون لديك أصدقاء.

رجل بمفرده، أو امرأة،

أحدهما دون الآخر،

ليسا سوى غبار، لا شيء.

لذلك ينبغي عليك أن تتذكري دوماً

ما كتبته ذات يوم

فكري بنفسكِ مثلما أفكر بك الآن.

لا تستلمي قط، لا تضلِّي،

لا تقولي أبداً إلى جانب الطريق

لا يمكنني المضي قدماً، سوف أبقى.

الحياة جميلة، سوف ترين،

رغم أحزانها،

سوف تحبين، وسوف تحظين بأصدقاء.

وتذكَّري دوماً، دوماً

ما كتبته ذات يوم

فكري في نفسك مثلما أفكر بك الآن.

القصيدة بصوت الشاعر

Read Full Post »

capote03_doctvgr_r

معطف من فراء المِنك للمرء وحده-ترومان كابوت (1944)

أنهت السَّيدة مونسُن شبكَ وردة من الكتَّان في شعرها الخرنوبي وتراجعت عن مرآتها كي تقيّم الأثر. ثم مررت يديها على وركيها… كان الفستان ضيقاً للغاية وذلك كل ما في أمره.

فكَّرت بغضب: “التغيير سوف لن يسترده ثانية”. بنظرة واحدة أخيرة محقِّرة نحو صورتها المنعكسة استدارت ودخلت غرفة الجلوس.

كانت النَّوافذ مفتوحة والغرفة زاخرة بالصُّراخ الصَّاخب الخارق للعادة. أقامت السَّيدة مونسُن في الطَّابق الثَّالث، وفي الجهة الأخرى من الشَّارع كان يوجد ملعب لمدرسة رسمية. في الأصيل المتأخر كانت الضَّوضاء تكاد لا تطاق. يا إلهي، لو أنها فقط عرفت بهذا قبل توقيعها عقد الإيجار! بنعرة طفيفة أغلقت النافذتين وبقدر ما يعنيها الأمر، يمكن لهما أن تلبثا بذلك الشكل للسنتين القادمتين.

لكن السَّيدة مونسُن كانت متأثرة للغاية لتكون ممتعضة حقاً. كانت فيني روندو قادمة لرؤيتها، تخيل، فيني روندو… وهذا الأصيل بالذَّات! عندما فكَّرت في الأمر شعرت بأجنحة ترفرف في معدتها. مضت خمس سنوات تقريباً، وفيني كانت في أوروبا طوال هذا الوقت. كانت السَّيدة مونسُن تعلن بثبات كلما وجدت نفسها في جمع يناقشون الحرب: “حسناً، تعلمون أن لدي صديقة عزيزة جداً في باريس هذه اللحظة بالذات، فيني روندو، كانت تماماً هناك عندما زحف الألمان! تنتابني كوابيس قطعية عندما أفكر بما لا بد أنها تعانيه!” قالت السَّيدة مونسُن ذلك كما لو أنها هي التي مصيرها معلق في الميزان.

إذا كان هناك من أحد في الحفل لم يسمع القصَّة من قبل سوف تبادر لتشرح عن صديقتها. قد تبدأ: “ترين، كانت فيني بالضَّبط الفتاة الأكثر موهبة، مهتمة بالفن وجميع الأمور من ذلك القبيل. حسناً، كانت تملك مبلغاً كبيراً من المال، لذا ذهبت إلى أوروبا مرة في السَّنة على الأقل. أخيراً، عندما توفي والدها حزمت أمتعتها وذهبت إلى غير رجعة. يا إلهي، لكن ارتبطت بعلاقة غرامية قصيرة، من ثم تزوجت كونت أو بارون أو شيء ما. ربما سمعت عنها… فيني روندو… عمود تشولي نيكربوكر الصَّحفي كان يذكرها طوال الوقت”. واستمر دون انقطاع مثل محاضرة تاريخية.

فكَّرت وهي تجد متعة بالغة في التعجب من ذلك دون توقف على الإطلاق: “فيني، في أميركا مجدداً”. دملجت المخدَّات الصَّغيرة الخضراء على الأريكة وجلست. استقصت غرفتها بعينين ثاقبتين. مضحك أنك لم تري محيطك يوماً حقاً من قبل أن تكوني بانتظار مجيء زائر. حسناً، تنهدت السَّيدة مونسن برضا، تلك الفتاة الجديدة أحيت المعايير التي كانت قائمة قبل الحرب وهذا نادراً ما يحدث.

رنَّ جرس الباب بغتةً. أزَّ مرتين قبل أن تتمكن السيدة مونسن من أن تتحرك، كانت مستثارة إلى ذلك الحد. أخيراً استعادت رباطة جأشها وذهبت لتفتح.

للوهلة الأولى لم تتعرف السَّيدة مونسُن إليها. المرأة التي قابلتها لم يكن لشعرها تسريحة أنيقة مردودة إلى الأعلى.. حقاً تدلى شعرها برخاوة بعض الشَّيء وبدا كما لو أنه غير مسرح. فستان ذو نقوش في كانون الثاني؟ حاولت السَّيدة مونسُن أن تخفي الإحباط من صوتها عندما قالت: “فيني، عزيزتي، لا بد أني كنت سأتعرف إليك في أي مكان”.

المرأة لا تزال واقفة في العتبة. حملت تحت إبطها صندوقاً كبيراً زهرياً ونظرت عيناها الرماديتان نحو السَّيدة مونسُن بفضول.

قالت وكان صوتها همساً غريباً: “حقاً، بيرتا؟ هذا لطيف، لطيف جداً. لا بد أني كنت سأتعرف إليك أيضاً، على الرغم من أنك سمنتِ إلى حد ما، ألم تفعلي؟” ثم صافحت يد السَّيدة مونسُن الممدودة ودخلت.

شعرت السَّيدة مونسُن بالحرج ولم تدر تماماً ماذا تقول. دخلتا ذراعاً بذراع إلى غرفة الجلوس وجلستا.

“ما رأيك باحتساء قليل من نبيذ الشِّيري؟”

هزَّت فيني رأسها الصَّغير الدَّاكن:” لا، شكراً لك”.

سألت السَّيدة مونسن بإلحاح: “حسناً، ماذا عن الويسكي أو شيء ما؟”. دقَّت السَّاعة التي لها شكل تمثال صغير والموضوعة على رف الموقد الزائف برفق. لم تلحظ السَّيدة مونسُن يوماً كم يمكن أن يبدو صوتها عالياً.

قالت فيني بحزم: “لا، لا شيء، شكراً لك”.

استقرت السَّيدة مونسُن على الأريكة مستسلمة.

“الآن، عزيزتي، أخبريني كل شيء عن الأمر. متى عدت إلى الولايات؟” أعجبها صدى ذلك. “الولايات”.

وضعت فيني الصُّندوق الزهري الكبير بين ساقيها وطوت يديها.

“عدت إلى هنا منذ سنة تقريباً” توقَّفت، ثم أسرعت مدركة التعبير المروَّع لمضيِّفتها،”لكني لم أكن في نيويورك. بطبيعة الحال كنت لأتواصل معك عاجلاً، لكني كنت في كاليفورنيا”.

هتفت السَّيدة مونسُن، ولو أنها في الواقع لم تذهب يوماً أبعد من شيكاغو: “أوه، كاليفورنيا، أحب كاليفورنيا”.

ابتسمت فيني ولاحظت السَّيدة مونسُن كم كانت أسنانها غير منتظمة وجزمت أنها قد تصبح في حال أفضل بواسطة التنظيف الجيد بالفرشاة.

تابعت فيني: “إذن، عندما عدت إلى نيويورك الأسبوع الماضي فكرت بكِ في الحال. لقد أمضيت فترة رهيبة أحاول العثور عليك لأني لم أستطع تذكر اسم زوجك الأول…”

قالت السَّيدة مونسُن دون داع: “ألبرت”.

“…لكني أخيراً فعلت وها أنا ذي. كما تعلمين، بيرتا، أنا حقاً بدأت التفكير بك عندما قررت أن أتخلص من معطفي المصنوع من فراء المنك”.

رأت السَّيدة مونسُن حمرة مفاجئة على وجه فيني.

“معطفك من فراء المنك؟”

قالت فيني وهي ترفع الصُّندوق الزهري: “نعم. تتذكرين معطف المنك خاصتي. أنت لطالما أعجبت به كثيراً. قلت دوماً إنه كان أجمل معطف رأيته على الإطلاق”.

بدأت تفك الشَّريط الحريري المتهرئ الذي جعل الصندوق متماسكاً.

قالت السَّيدة مونسُن جاعلة “بالتأكيد” تتردد برقة: “بالتأكيد، نعم بالتأكيد”.

“قلت لنفسي، فيني روندو، من أجل أي شيء على الأرض تحتاجين إلى ذلك المعطف؟ لماذا لا تدعين بيرتا تملكه؟ ترين، بيرتا، اشتريت الفراء الأسود الأكثر بهاء في باريس ويمكنك أن تفهمي أني حقاً لا أحتاج إلى معطفين من الفراء. إلى جانب أني أملك سترة من فراء الثعلب الفضي”.

شاهدتها السَّيدة مونسُن تباعد المنديل الورقي في الصُّندوق، رأت الطلاء المتشقق على أظافرها، رأت أن أصابعها كانت دون جواهر، وفجأة أدركت قدراً عظيماً من الأمور الأخرى.

“إذن فكرت بك إلا إذا كنت غير راغبة فيه سوف أحتفظ به لأنه سوف لن يكون بمقدوري احتمال التفكير بأن شخص آخر يمتلكه “. أمسكت المعطف ووقفت تدوره ذات اليمين وذات الشمال. كان معطفاً جميلاً، شع الفراء فاخراً وناعماً للغاية. مدت السَّيدة مونسُن يدها ومررت أصابعها عبره، تكدر الشعيرات الصغيرة بالاتجاه المعاكس. قالت دون تفكير: “بكم؟”

سحبت السَّيدة مونسُن يدها سريعاً، كما لو أنها مسَّت النار، ثم سمعت صوت فيني خفيضاً ومتعباً.

“دفعت ألف ثمناً له تقريباً، هل ألف كثير جداً؟”

من الشَّارع استطاعت السَّيدة مونسُن سماع الهدير المصمّ للملعب وفي الحال كانت ممتنة. منحها شيئاً آخر لتركز عليه، شيء ليخفف من كثافة مشاعرها.

قالت السَّيدة مونسُن بحيرة وهي لا تزال تحدق بالمعطف، خشية أن ترفع عينيها وترى وجه المرأة الأخرى: “أخشى أن ذلك كثير. أنا حقاً لا يمكنني دفع ثمنه”.

رمت فيني المعطف على الأريكة: “حسناً، أريدك أن تملكيه. ليس المال ذا بال كثيراً، لكني أشعر بأني يجب أن أحصل على شيء بالمقابل لحسابي… كم بوسعك أن تدفعي؟”

أغمضت السَّيدة مونسُن عينيها. أوه، يا إلهي، هذا كان رهيباً! فقط رهيب لعين تماماً!

أجابت بوهن: “ربما أربعمئة “.

تناولت فيني المعطف ثانية وقالت بابتهاج:” لنرَ كيف يبدو عليك إذن”.

دخلتا غرفة النَّوم وقاست السَّيدة مونسُن المعطف أمام مرآة خزانتها بالطول الطبيعي. فقط بعض التعديلات، تقصير الأكمام، وربما قد تعيد تلميعه. نعم، لا شك إنه أضفى عليها تغييراً.

“أوه، أظن إنه جميل، فيني. كان لطفاً منك أن تفكري بي”.

استندت فيني على الجدار، يبدو وجهها الشَّاحب قاسياً في ضوء الشَّمس المكبَّر عبر نوافذ غرفة النَّوم الكبيرة.

قالت دون اكتراث: “يمكنك أن تحرري لي شيكاً مصرفياً”.

قالت السَّيدة مونسُن وهي تعود فجأة إلى أرض الواقع: “نعم، بالتأكيد”. تخيل بيرتا مونسُن وهي تملك معطفاً من فراء المنك!

عادتا إلى غرفة الجلوس وكتبت الشِّيك لفيني.  أودعته فيني وهي تطويه بعناية محفظتها الصَّغيرة المطرزة بالخرز.

حاولت السَّيدة مونسُن جاهدة أن تجري حواراً لكنها اصطدمت بجدار بارد عند كل مجرى جديد. سألت مرة: “أين زوجك فيني؟ لابد أن تجلبيه إلى هنا ليتحدث ألبرت معه “.

وأجابت فيني: “أوه، هو! لم أره منذ دهور. هو لا يزال في لشبونة هذا كل ما أعرفه” وهكذا انتهى الحوار.

أخيراً، غادرت فيني بعد أن وعدت أن تتصل في اليوم التالي، عندما ذهبت فكرت السَّيدة مونسُن:”عجباً، فيني المسكينة هي ليست شيئاً سوى مستجيرة!” ثم أخذت معطفها الجديد ودخلت غرفة النوم. لن يكون ممكناً إخبار ألبرت بكيفية حصولها عليه، ذلك كان مؤكداً. لكنه قد يغضب بشأن النقود! قررت أن تخفيه في أقصى حيز من خزانتها ثم ذات يوم سوف تخرجه وتقول: “ألبرت، أنظر إلى المنك المقدس الذي ابتعته من مزاد. حصلت عليه بمبلغ لا يكاد يعتد به”.

علقت المعطف على علاقة وهي تتلمس طريقها في ظلمة خزانتها. نترته قليلاً وشعرت بالهلع لدى سماع صوت تمزيق. سريعاً أضاءت المصباح ورأت أن الكم كان ممزقاً. أمسكت الشق على حدة وشدت بخفة. تفتَّق أكثر من ثم المزيد. بخواء متقزز عرفت أن الأمر برمته كان بالياً.قالت وهي تمسك بوردة الكتان في شعرها: “أوه، يا إلهي، أوه، يا إلهي، لقد انخدعت وانخدعت ببراعة، ولا يوجد شيء في العالم يمكنني فعله بهذا الشأن، لا شيء في العالم!” لأن السَّيدة مونسُن أدركت فجأة أن فيني سوف لن تتصل ثانية غداً ولا في أي وقت آخر.

Read Full Post »

لست أدري ما الذي يجعل أغنية بعينها تنزرع في ذاكرتنا، فهي وإن كانت ترتبط بحدث معين في حياتنا، غير أن هذا الحدث ليس على قدر من الأهمية.

أتذكر أني سمعت أغنية الأيام لماجدة الرومي للمرة الأولى في وقت ما بين العامين 1992-1993 عندما كنت طالبة في معهد المهن النفطية والمعدنية أو ما نعرفه بمعهد النفط، وكنا قد ذهبنا لتناول طعام الغداء عند إحدى زميلاتنا بعد انتهاء الدوام ذلك اليوم، أنا وهيفاء وأخريات ذهبنا لزيارة زميلتنا لجينة القادمة من قرية الصبورة إحدى القرى التابعة لمنطقة السلمية، وقد استأجرت غرفة في أحد أحياء حمص التي لم  أكن أعرفها قبل ذلك الحين، استمعنا إلى هذه الأغنية على شريط كاسيت في مسجلة قديمة، وكل ما أذكره أن الصبايا كن يتندرن على ماجدة الرومي لتكرارها كلمة: “بحبك، بحبك، بحبك” في نهاية الأغنية، لم يرق لهم ذلك التكرار باعتباره مبالغة. وأتذكر أيضاً أننا أكلنا تبولة!

هي ذكرى، مجرد ذكرى، ليست جميلة وليست حزينة، هي جزء من ماض بات كل ما نملك في هذه الأيام، وشو الأيام؟

الأيام- ماجدة الرومي

Read Full Post »

Older Posts »