Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘فيليب روث’ Category

Montgomery-Roth-03-23

كنت أتحدَّث ذات مرة مع فيليب روث عن سباحة الممرات، أمرٌ تبيَّن أن كلاً منا أحبَّ فعله، على الرغم من أنه استطاع السِّباحة مسافة أطول وعلى نحو أسرع مني بكثير. سألني: “بماذا تفكرين وأنت تقطعين كل مسافة؟” أخبرته بالحقيقة الرتيبة: “أفكر، المسافة الأولى، المسافة الأولى، المسافة الأولى، من ثم المسافة الثانية، المسافة الثانية، المسافة الثانية. وهلم جرا”. أضحكه ذلك. “هل تريدين أن تعرفي رأيي بالموضوع؟” أردت ذلك. “أختارُ سنة، لنقل العام 1953. ثم أفكر حول ما حدث في حياتي أو ضمن حلقتي الصَّغيرة في تلك السنة. ثم أنتقل للتفكير بشأن ما حدث في نيوارك، أو نيويورك. ثم في أمريكا. من ثم إذا كنت أقطع المسافة قد أبدأ بالتفكير بأوروبا، أيضاً. وهلم جرا”. أضحكني ذلك. الطاقة، المدى، الدِّقة، الاتساع، حب الاستطلاع، الإرادة، الذكاء. لم يكن روث في بركة السِّباحة مختلفاً عن روث الجالس إلى مكتبه الثَّابت. كان كاتباً حتى النُّخاع. لم يكن مخففاً بأمور أخرى كما هو الحال معنا نحن البقية، بصورة رحيمة. كان يكتب بإخلاص وكل ما فعله كان في خدمة الكتابة. تعلَّم، وكان بعد يافعاً، على غير العادة، ألا يكتب ليحمل الناس على أن يحسنوا به الظن، وألا يكتب كي يعرض للآخرين، من خلال القصص، النوع المناسب من الأفكار، فبالتالي يفكرون به على أنه الشخص المناسب.

قال يوماً: ” ليس الأدب مسابقة جمال أدبية”. لم يكن الأدب بالنسبة لروث أداة من أي نوع. كان الشيء الموقر لذاته. أحب القصّ و(بخلاف الكثيرين، نصف أو ثلاثة أرباع الكتاب) لم يكن يوماً خجلاً منه. أحبه في طيشه، في هزله، في فحشه، وفي استقلاليته المقدسة. هو لم يخلط يوماً بينه وبين أمور أخرى مصنوعة من الكلمات، مثل تصريحات عن العدالة الاجتماعية أو آراء شخصية، خطب صحفية أو سياسية، كلها حيوية وضرورية للحيوات التي نعيشها خارج القصص، لكن أياً منها ليست قصاً، وهو وسيلة يتعين عليها دوماً أن تجيز لنفسها، عندما لا تستطيع تلك الصيغ الأخرى، إمكانية التعبير بحميمية والحقائق المزعجة.

أدلى روث بالحقيقة دوماً-حقيقته، حقيقة ذاتية-من خلال اللغة ومن خلال الأكاذيب، المحركان التوأم في لبِّ الأدب المحرج. محرج للآخرين، وليس لروث أبداً. ذوات ثانية، ذوات زائفة، ذوات وهمية، ذوات بديلة، ذوات مروِّعة، جذلة، ذوات مخزية-رحب بها جميعاً. مثل جميع الكتاب، كان هناك أمور وأفكار تتجاوز إدراكه أو تصوره، امتلك نقاطاً مخفيَّة، أحكاماً مسبقة، ذوات تمكن من تخيلها جزئياً فقط، أو ذوات أساء فهمها أو وضعها في غير مكانها. لكن على خلاف الكثير من الكتاب، لم يتق إلى رؤيا تامة. عرف باستحالة الأمر. الذاتية محددة برؤيا الشخص، ومهمة الكتابة هي أن تبذل ما بوسعك مع ما تملك. استعمل روث كل نبذة صغيرة امتلكها. لم يكن هناك شيء مستبقى أو مصون من الكتابة، لا شيء مدخر لوقت الحاجة. كتب كل كتاب عزم على كتابته وقال كل شيء قصد قوله. بالنسبة لكاتب، ليس هناك مطمح أعظم من ذلك. أن تسبح الامتدادات الخمسة وثمانين في بركة السباحة من ثم تخرج دون أن تلتفت إلى الوراء.

في الوقت الذي التقيت فيه روث كان قد توقَّف عن الكتابة، كان يقرأ. التاريخ الأميركي بشكل حصري تقريباً، والموضوع الذي بدا أنه يهمه أكثر من أي شيء كان الاستعباد. كانت كتب حول الموضوع مكدسة على طاولة القهوة خاصته-كتب رسمية، متخصصة، ومبهمة-والكثير من قصص العبودية، بعضها مشهور ومعروف بالنسبة لي، سواها لم أسمع عنها من قبل، والتي اقترضتها أحياناً لأعيدها بعد شهر أو اثنين وأناقشها. كلما تحدثت مع أي شخص عن قراءة روث العلمية المفرطة، بدوا دوماً مندهشين، لكن بالنسبة لي كان أمراً متماسكاً مع الرجل وعمله. كان روث كاتباً وطنياً استثنائياً، لكن حبه لوطنه لم يفق أهمية أبداً أو حجب فضوله بشأنه. هو أراد دوماً أن يعرف أمريكا، في جمالها ووحشيتها المطلقة، وأن يرى صورتها الكاملة: المثل النبيلة، الواقع الدموي. لم يتوجب على الأمر أن يكون سليماً كي يشغله، وذلك سرى بشكل مضاعف على النَّاس، الذين في عالم روث لطالما عنوا حقاً شخصيات. الخلطة المكوَّنة من البديع والجامح الموجودة في الناس، المثالي والباطل، الجميل والقبيح، هي ما عرفه وفهمه وعفا عنه دوماً، حتى لو لم يسامحه الناس الذين كتب عنهم دوماً لملاحظته لهم. كان من المحتمل أن يقوده إلى الجنون القول بوجود شيء ممعن في القدم وحاخامي في هذا الانجذاب إلى التناقض والنقصان، لكني سأقوله بأية حال. طاقة بحتة-موهبة روث الرئيسية والخاصيَّة التي تشاركها مع أميركا ذاتها-هي ترِكتُه للأدب، ولسوف تكون دوماً موجودة، جاهزة ليُنهل منها أو لمزجها مع ثمَّة عنصر جديد من قبل شخص جديد. سوف تكون تلك الروح الروثيَّة-زاخرة بالناس والقصص والضَّحك والتَّاريخ والجنس والغضب-مصدراً للطاقة ما دام الأدب موجوداً. أول ما فكرت به بعد وفاته أنه كان واحداً من أكثر الناس حيوية ووعياً الذين التقيتهم أبداً، حتى النهاية. فكرة أن وعياً مثل ذلك تمكَّن في وقت ما من التوقف عن كونه واعياً! ومع ذلك ها هو محفوظ، في كتاب تلو آخر، حمداً لله.

 

عن مجلة النيويوركر.

 

 

Read Full Post »