Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘كتاباتي’ Category

  DSC00416

ممزَّقة بين قلقي ومخاوفي، بؤسي وعجزي، بين خبرٍ في الصَّباح عن انفجار شاحنة، وخبر بعد الظَّهيرة عن انفجار عبوةٍ ناسفة في حافلة عامَّة، بين حياتي الطَّويلة هنا التي لم تعد جديرة باسمها، حبيسةً انتقل من سجن البيت إلى سجن العمل، وأقطع بضع مئات من الأمتار لأصل إلى حافلة تقلُّني وأخرى تعيدني. وبين رغبتي بالسَّفر، العصيَّة على التَّحقق لأني لم أستطع اتِّخاذ القرار الصَّعب بتركِ كلَّ شيء ورائي، كل شيء لا أزال أعتقد بوجوده، واهمةً، ولأن السَّفر هرباً أو غرقاً يكلِّف مالاً لا أملكه، أزداد تمزقاً.. أجلس ساهمةً أنتزع ذلك الجلد المحيط بأظفاري واحداً واحداً حتى يسيل دمي لأتألَّم عبثاً وينزاح بعض الخدَر، ألمٌ ليس في وسعه أن يكون دليلاً على وجود ينبض بالحياة…
لم تكن مأساتي يوماً نابعة من ظروف الحرب، ربما هي حجَّة أتذرَّع بها كي لا ألقي باللوم على نفسي، أو هذا ما يظنه النَّاس فأسايرهم، لكن ظنهم هذا يجعلني أرى في كلماتهم شفقةً أكرهها فتزيد كراهيتي لنفسي. لأني أعرف تمام المعرفة أن مأساتي سابقة على الحرب ولن تنتهي بانتهائها، إنه جبني وترددي، خوفي وقلقي، وتعلُّقي وارتباطي بأشياءٍ وأناس تعلقاً زائفاً، بخيوط لا وجود لها إلا في خيالي، بل ربما أكثر من ذلك، خيوط أدّعي وجودها لأكذب على نفسي بوعي تامٍ مني.. أنا جبانة ولم أدافع يوماً عن أحلامي، ربما لأنه لم يكن لديّ أحلام لأدافع عنها بكل ما عندي من قوة، ولم أرغب يوماً في شيء إلى درجة تجعلني أسعى إلى نيله. يقولون: سافري، نعم أريد أن أسافر، هل حقاً أريد أن أسافر؟ لا أعرف، ربما لا أريد شيئاً، قد أفعل إذا ما جاء شخص من اللا مكان وقال لي: هيَّا احزمي أمتعتك لأننا مسافرون. لكن هذا الشَّخص لن يأتي لأنه غير موجود أصلاً ولن ينوجد يوماً. كل ما أعرفه أنني أكرهني وأن هذا الإحساس سيرافقني طويلاً جداً…

أعرف أني نموذج شخص لا يُقدم على الانتحار، يفكِّر فيه، نعم، لكن لا يقدم عليه. لماذا؟ الجواب ببساطة: لأني أخاف. ربما أخاف من الفكرة مجردة من مرأى الدَّم؛ ففكرة الانتحار ترتبط عندي بسكين ورسغ مقطوع وبركة من الدِّماء، أعلم أن هناك طرقٌ أخرى… أغمي عليَّ مرات عدَّة في حياتي لأسباب غريبة، مرة في المرحلة الإعدادية في درس العلوم عندما جاءت المُدرّسة بعين حيوان ما لتشرح لنا عن العين، مرة أخرى أغمي عليَّ عندما كنا نقف في الباحة مع زميلة لنا كانت تشرح كيف وقعت عن الدَّرج وأصيبت عينُها، أذكر المرة الأخيرة حدث هذا بعد مشاهدتي فيلم بعنوان “مائة وسبع وعشرون 127 ساعة”، كان وقع الإغماءة شديداً على أمِّي لظنها أني متّ، وظلت أسبوعاً كاملاً تقبلني وتضمني وتسألني عن السَّبب، مع أنها لم تكن معتادة على ذلك سابقاً! قسا قلبي مع مرور السَّنوات ولا سيَّما الأخيرة منها، رأيتُ جثثاً على قارعة الطَّريق وسمعتُ وشاهدتُ أخباراً كثيرة عن القتل والإصابات أتحاشاها قدر المستطاع لأني وإن لم أفقد الوعي فالكوابيس لن تفارقني أياماً طويلة. هكذا ولأسباب كثيرة، منها ما أجهله، لست شخصاً ينتحر ولكني أُجنّ، أشعر بأني أقرب ما يمكن إلى الجنون، وبأن الصَّرخة تقف في حلقي ولا يزال في وسعي أن أمنعها من الإفلات، لكنها بالتأكيد ستغدر بي يوماً وتتمكن من الخروج، حادَّة، مدويَّة، ونقيَّة. سأجنّ وأصرخ قائلة: “أيتها الحياة أريد أن أعيشك!” حينها ربما ستصلها صرختي، ولكن بعد فوات الأوان.

Read Full Post »

3قرنفلات

1

داعبتِ الريح

أوراق شجرة التُّفاح

لتسلِّي وحشتي

أوَّل الليل.

لطول ما وقفتُ

إلى النَّافذة

صارت صديقتي،

سألتها:

تُراهم لماذا يحكمون على ميْتٍ

بالسِّجن؟

لم تُحر جوابًا،

لكني رأيت على خدِّها

سيل الدُّموع.

2

لم نكن جالسين معًا في مقهى

لتنهض وتتركني هناك وحيدة.

ولم نتحدَّث على الهاتف

بعد أن أغلقته دوني.

لكنَّ كلماتك الأخيرة

التي قذفتني بها كانت رسائل مكتوبة

لا يزال رجع صداها يتردد في رأسي

مثل منشار يحزُّ جذع شجرة

جيئة وذهابًا.

أحاول عبثًا أن أجد فيها

نبرة مهادنة قد تشفُّ

عن بقايا حنوٍّ أو عاطفة

كما لو أنها حجر مصمتٌ في بئرٍ لا قرار لها.

3

رذاذُ نيسانَ، ضحكاتٍ طفولية في ليلِ السَّامرين‏

فرَح ٌشقيٌ، يحلو لهُ السَّهر.

الطلُّ الَّذي يهطلُ اليومَ-في أيَّار-

لهُ طعمُ الوجع

دافئ، كالشَّوقِ إليكَ.

برفقٍ يتهادى منَ السماء متبعثراً

كما أنا،

عندما لا يصلني بَريدُكَ…

4

رأيتُ صورتكَ على صفحةِ صديقنا المشترك

كان ثغركَ يفترُّ عن ابتسامةٍ عريضة

شعرت بالابتسامة ترتسم على وجهي

وغصَّت عيناي بالدموع

احتار قلبي، أيلهج بالشُّكر

على نعمة الأصدقاء المشتركين؟

أم يلعن الأقدار على سخريتها

وصار يجهش بالبكاء حينًا

ويضحك حينًا آخر

هكذا،

بتنا نسترق النَّظر على من كانوا

ينادون إذ ينادوننا

روحي، حياتي…

5

أيلول زار آذار أربعاً

وما زال

صدى صوتك يتردد في الأنحاء

تؤرجحه الرياح

وحيداً في عتمة ليل القرية

الرابضة على سفح الجبل البعيد

جنوباً،

عائداً من سهرة الرفاق

وعلى وقع خطواتك المرتجفة

فتاة حزينة تغني ألحان الحب.

6

كطفل صغير في خطواته الأولى

يحلو له العبث بكل شيء يقع تحت ناظريه

تمنعه، تجعل من جسدك حاجزاً

وفي هنيهة أقصر من رفة عين، يغافلك

ويجري، يجري سريعاً

حدّ الذهول…

كما دموعي تنسرب

لا أدري، من اليمين، والشمال

أعرف كيف تبدأ

كيف تبدأ فقط…

هي الجاردينيا التي بها سررت

7

خيمة

في فناءِ بيتنا الصَّغير،

اخترعتُ خيمةً صغيرة. ‏

ومنْ حولِها ما زالت قطراتُ المطرِ

‏ تتبعثر، ‏

هُنا، حيثُ لا يتَّسع المكان

إلاَّ لبعضِ أغنيات جيلبير بيكّو،

زهرةُ الجاردينيا التي زَرعتُها

‏ على اسمِكَ،

كتابٌ (اسمهُ أحمَر) ‏

كأسُ شايٍ بنكهةِ آيرل جراي،

كما تفضّله،

وأشواقٌ وحشيةٌ‏

أُروِّضها…‏

أجلسُ،

وأحلمُ بالحريَّة. ‏

8

وصلت دفعة صغيرة من كنزات الربيع،

شاهدت هذا الصباح، شجرة لوز

تفرك عينيها، تبتسم وترتدي واحدة!

9

رغبات

أن أمرَّ بك في المقهى
ساعة الغروب،

وأجلس بقربك حتى تنهي كوب
شايك البارد، ثم نمضي، يداً بيد
نذرع الدروب التي تضيئها
النجوم، كضالين
لا ينشدان هداية.

10

أهرع بشوق إلى
شجرة الكرز
وإذ بها تمنح نحلة قبلتها
ألتقط لهما صورة.

11

كان يا مكان
كان هناك فتاه بعد عودتها من المدرسة
تساعد أمها في غسيل أطباق وجبه الغداء
وهي تستمع إلى شريط كاسيت أزرق
وتبكي عندما يقول المغني
يا أم العيون حزينة تشبه سما الخريف..
حدث ذلك في تسعينات القرن الماضي
وكان اسم المغني هاني شاكر!

12

لماذا لا يأتينا البحر

عندما نشتاقه ولا يكون

في وسعنا الذهاب إليه؟

13

ها هو عمري يتقدم وحيداً مسرعاً أمامي
ويتركني طفلة تلهو بأرجوحة
شجرة التوت الكبيرة
في بيت الأجداد واسع الأرجاء
وقد فرقت أهلوه اليوم الرياح الأربع.

غداً، عندما تنتهي الحرب،

سأعلق في حديقتي أرجوحة
قد تنفع حبالها لتكون مشنقة
عندما يكف القلب عن التحليق!

 

 

14

كمن يحاول أن يصنع مقلباً صغيراً

فيضع العلب الصغيرة داخل العلب

الكبيرة ويغلفها لتبدو كالهدية،

هكذا، مجازاً كنت أصف حياتي

بسجون داخل سجون،

البلاد والمدن فالبيوت

وحتى أضيق الغرف

أما الآن فالسجن أضحى

حقيقة ولم يعد هناك

ما يثير الضحك أبداً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Read Full Post »

حكاية

كان في وسعها أن تصفع نفسها في تلك اللحظة، لكنها كانت في حالة من التعب والكآبة فاكتفت بتخيل ذلك. كانت أمسية كباقي الأمسيات التي تجلس فيها وحيدة أمام شاشة الكمبيوتر تشاهد فيلماً ما، مشاهدة ينقصها التركيز في غالب الأحيان، فقط كي تؤنس وحدتها.

منذ شهر أو أكثر قليلاً، أكد لها الطبيب أن كل شيء سيكون على ما يرام، مستبعداً أي شبهة للإصابة بمرض السرطان بعد المعاينة الأولية وبعد أن طرح عليها عدداً من الأسئلة، من ضمنها سؤال عما إذا حدث وأن أصيب أحد أفراد العائلة سؤال أجابت عليه بالنفي بكل صدق وثقة.

بعد مضي أسبوع على زيارة الطبيب، تلقت منه رسالة تفيد بأن الخزعة التي تم فحصها لم تشر إلى وجود أي مرض خبيث وإن كانت في الوقت نفسه غير كافية لتبين طبيعتها تماماً.

في البداية، بعد سماعها كلمة “سرطان”، انهارت تماماً، وانفجرت بالبكاء-كانت تنفجر بالبكاء لأسباب أقل شأناً بكثير، وأحياناً دون سبب على الإطلاق-كان محزناً بالنسبة لها أن تموت قبل أن تعرف طعم الحياة، وأن يكون متعذراً اللقاء بمن تحب، لكن بعد سماعها كلمات الطبيب اطمأنت ولربما بعد التفكير ملياً في الموضوع، وجدت أن حياتها وموتها سواء ولا داع لكل هذا القلق.

لكن في تلك اللحظة، عندما تخيلت أنها تصفع جبهتها، كانت قد خطفتها الذكرى من مشاهدة الفيلم، مثل وميض البرق، عن ثلاثة أشخاص، أولهم، على الأرجح، كانت صغرى شقيقات والدها، التي قتلها سرطان البنكرياس وكانت في السابعة والعشرين من عمرها، لم يمض على إنجابها لتوأم مكون من طفلتين سوى بضعة أشهر، صورة وحيدة كانت لا تزال عالقة في ذاكرتها لتلك العمة، صورة معتمة تضيئها نار الفرن الذي كانت تسخن عليه سندويتشات لها ولابن عمتها الذي كان في مثل عمرها، في بيت جدها، عندما كان الجميع في المستشفى برفقة عمتها الأخرى، كبرى شقيقات والدها، التي كانت في ذلك الحين مصابة بسرطان الدم وتوجب نقلها إلى المستشفى أثناء زيارتها لأهلها في حمص، إذ كانت تقيم –هي وأختها الصغرى-في دمشق العاصمة، هذه العمَّة أيضاً توفيت بعد عام من وفاة أختها، ولم ينفع في شفائها ذهابها للعلاج في ولاية أريزونا الأمريكية، كانت مرافقتها إلى المطار لوداعها الذكرى الوحيدة التي تملكها عنها. أما الثالث فهو عمها، شقيق والدها الأكبر الذي توفي بعد أخيه بحوالي ستة أشهر، قبل عشر سنوات، ولا تعرف على وجه التحديد إذا ما كان مصاباً بسرطان الدم، أم سرطان نقي العظام، لأن العلاقات كانت منقطعة مع من بقي من عائلة والدها منذ وفاته.

ربما كانت تستحق صفعة حقيقة وليس متخيلة، لنسيانها كل هذا دفعة واحدة، ولو أنه لن يغير في الأمر شيء، لكن كان جيداً أن تعرف أن للسرطان تاريخ، وقصص طويلة في عائلتها، وأن في وسعها أن تكون هي، ذات يوم، من يعيد بناء هذه العلاقة.

 

 

Read Full Post »

هوس

هَوَسْ

دخلتْ جين إلى الشقة حيث كان بول في انتظارها، لم تستطع أن تلق التحية فقد كانت تضحك بصوتٍ عال بالرغم من محاولتها التوقف دونما جدوى. ابتسم بول مندهشاً من ضحكها الغريب هذا ووضع ذراعه حول خصرها قائلاً لها:

–        ما بكِ عزيزتي، ما سبب كل هذا الضحك؟ ها اخبريني، وأخذها من يدها لتجلس على الأريكة.

التقطت جين أنفاسها: انتظر، آه يا إلهي، لا أستطيع التوقف عن الضحك.

 وكلما كانت تحاول أن تتكلم وتخبره ما تريد،  كانت الضحكة تعود إليها ويعلو صوت قهقهتها، لدرجة أن ارتسمت على وجه بول ابتسامة عريضة، ثم اقترب منها في رغبة منه لتقبيلها، فتوقفت مبعدةً إياه بدفعة خفيفة من يدها واستقامت في جلستها،  آخذة نفساً عميقاً وارتسمت على وجهها بعض الجدية:

–        لقد قابلت توم اليوم، خطيبي الذي حدثتك عنه.

لم يقل بول شيئاً وإنما كان يومئ لها مصغياً باهتمام.

وتابعت : لقد أخبرني توم بأنه بات يكرهني بكل بساطة، وأنه لا يريد أن يتسبب في جرحي لكن هذه هي حقيقة مشاعره نحوي، والتي لا بد لي من معرفتها.

بدأت تغرورق عينا جين الواسعتان الجميلتان بالدموع، مد بول يده آخذاً بيدها محتضناً إياها باليد الأخرى:  تابعي عزيزتي،  أنا أسمعكِ.

–   أعلم أنه محق، لقد تسببت بخراب كل شيء جميل صنعناه سوياً،  لكني لا أعرف لم أفعل كل هذا به وبنفسي، أرجوك بول صدقني إنه أمرٌ ليس بيدي.

هز بول رأسه موافقاً وتابعت جين بانفعال:

–   أعرف أيضاً كم تصرفاتي معه مزعجة بل ومقيتة، أتعلم؟ لقد قال لي أني أصبحت مصدراً لمخاوفه! ، أنا لا أكف عن ملاحقته في كل مكان والاتصال به في كل حين دون مراعاة لظروف عمله ومزاجه وكل شيء.

كان بول يصغي إليها باهتمام بالغ، دونما مقاطعة وكان ينتظر أن تنهي نوبة انفعالها هذه.

–   أتدري بول؟ لقد أخبرتني صديقتي يوماً بأن الرجال بطبعهم صيادون ولا يتحملون أن يعاملون معاملة الطريدة، لكني لم أفهم حينها ماذا تعني.

–       قال بول: نعم، هذه حقيقة.

–    يا إلهي كم أنا غبية لقد خسرته إلى الأبد، بول هل تعلم ماذا يعني هذا؟ أنا لا استطيع أن أحيا من دونه صدقني.

–       نعم، نعم أعلم كم تحبينه عزيزتي لكن اهدأي الآن، كل شيء ممكن أن يتصلح.. قاطعته جين قائلة:

–    كنا نخطط للذهاب إلى البحر في نزهة قصيرة بعد أن ينهي أعماله، نعم عزيزتي، وقام بول باتجاه البار سائلاً إياها في طريقه: هل تشربين كاساً؟ أجابت جين: نعم أرجوك، ثم أخرجت من حقيبتها الزرقاء- تلك الحقيبة التي أهداها إياها توم يوماً- لقد كان يفضل اللون الأزرق في كل شيء، أخرجت علبة سجائرها وأشعلت واحدة ووضعت العلبة على الطاولة التي أمامها.

 قدم لها بول كاساً من شرابٍ خفيف وعاد ليجلس قربها .

جين: خططنا لكل شيء، تخيل! واليوم يقول أنه بات يكرهني، رحلتنا البحرية والبيرة الرخيصة التي سنشربها، الأفلام التي وعدني توم بمشاهدتها سوياً وعن الرقص، آه الرقص وكل شيء كل شيء….. ضيقت الخناق عليه حتى لم يعد يحتمل أن يراني..

– قاطعها بول: هل قال ذلك؟

– نعم، نعم قال كل شيء صراحة، وعن أسلوبي الذي أشبه بأسلوب بوليسي لا يطاق، وكونه لم يعد يتخيل أنه سيتابع حياته معي.

– آه يا الهي ماذا سأفعل بنفسي؟!

رفع بول رأسه فجأة قائلاً لها: لكن أنت حتى الآن لم تخبريني لماذا كنت تضحكين كل هذا الضحك عند وصولك؟

 فتحت جين عيناها على اتساعهما لتعاودها الضحكة مجدداً، ولكن ليس بنفس الدرجة من الشدة :

–       آه صحيح،  لم أخبرك بعد، اسمع إذن يا صديقي:

–   لقد قال لي توم بعد كل هذا الحديث الطويل أنه لن يستغني عن صداقتي وأنه  بإمكاننا أن نتكلم عبر الإنترنت من وقت لآخر!

ارتسمت على وجه بول تعابير الدهشة:

–       أوه حقاً؟ وراح يضحك ضحكة طويلة تشبه ضحكات جين.

–       آه يا إلهي لا أصدق…

وصار كلما خفت صوت ضحكة أحدهما علت ضحكة الآخر واستمرا على هذه الحال حتى أنهكهما الضحك في وقت متأخر من الليل.

–       هيه يا بنت، ألا تتعبين من التحديق في جهاز الكمبيوتر هذا؟

جملة أمها المعهودة تلك بصوتها العالي كتأنيب صارخ، أيقظتها من شرودها الطويل، وانتبهت إلى أنها كانت تسرح في عالم آخر منذ أكثر من ساعة. ترسم في بالها نهاية واحدة لقصص عديدة، تنهدت بحزن لأن خيالها كان أضيق من أن يكون خيالاً أدبياً، وقفز فجأة اسم الشاعر بشار بن برد ذلك الشاعر الذي ولد كفيفاً وكان يصف الألوان بصفات غريبة عنها لأنه لم يعرفها، ثم ضحكت هي أيضاً- من نفسها- ضحكة سوداء كلون دم متخثر.

Read Full Post »