Feeds:
Posts
Comments

13517098

على مسافة خطوة منهم

إنها ساعة غدائي، لذا أذهب

في نزهة بين سيارات الأجرة

الملونة، المهمهِمة. أولاً، على الرَّصيف

حيث يغذِّي العمَّال جذوعهم

القذرة اللماعة بالشَّطائر

والكوكا كولا، معتمرين خوذاً

صفراء. لحمايتهم من القرميد

المتساقط، أغلب الظن. ثم نحو

الجادَّة حيث تتقلب تنانير

فوق كعوب الأحذية العالية وتهبُّ فوق

المشابك الحديدية. الشَّمس لاذعة، لكن

سيارات الأجرة تثير الهواء. أتطلع

نحو صفقات لبيع ساعات اليد. هناك

قطط تلعب في النِّشارة.

نحو التايمز سكوير، حيث تنفث

اللافتة الدخان فوق رأسي، ومن أعلى

ينسكب الشَّلال برفق.

زنجي يقف في عتبة وفي يده

مسواك، يهتز بخمول.

تطقطق شقراء من فتيات الكورس:

يبتسم ويفرك ذقنه. كل شيء

يزمِّر فجأة: إنها السَّاعة 12:40 من يوم

خميس.

إن ضوء النيون في وضح النهار

لمتعة عظيمة، كما قد يكتب إدوين دينبي

كما لو أنها مصابيح في وضح النهار.

أتوقَّف عند ركن جولييت لشراء شطيرة بالجبن

جوليتا ماسينا، زوجة

فيدريكو فيليني، إنها ممثلة جميلة

ومخفوق الحليب بالشوكولا. سيدة

ترتدي سترة من فراء ثعلب في مثل هذا اليوم تضع كلبها البودل

في سيارة أجرة.

يوجد في الشَّارع اليوم عدد

من البويرتوريكيين، ما يمنحه

جمالاً ودفئاً. مات بوني

أولاً، ثم جون لاتوش،

ثم جاكسون بولوك. لكن أوَ تزخر الأرض بهم مثلما كانت الحياة؟

واحد أكل وواحد يسير،

ماراً بمجلات صور العراة

وملصقات إعلانية لمصارعة الثيران و

مستودع تخزين مانهاتن،

الذي سوف يهدمونه قريباً.

لطالما فكرت أن معرضاً

للفن المعاصر أقيم هناك.

كأس من عصير البابايا

وأعود إلى العمل. قلبي في

جيبي، مجموعة قصائد كتبها بيير ريفيردي.

220px-Amedeo_Modigliani,_Pierre_Riverdy,_1915

ترجمتها عن الفرنسية ليديا ديفيس.

في هواء السَّقف الدافئ أنيرت أضواء الأحلام.

تقوَّست الجدران البيض. الصَّدر المثقل يهمس بكلمات مشوَّشة. في المرآة، تدوِّم رياح الجنوب، حاملة أوراق شجر وريش. النَّافذة مسدودة. أوشك القلب على الإنطفاء وسط رماد القمر البارد بالفعل -لا ملاذ لليدين والأشجار جميعاً مضطجعة. في الرياح القادمة من الصَّحراء، انحنت الإبر وانقضت ساعتي.

13435091_f520

يسيل الحبر من زاويتي فمي.

ما من سعادة تضاهي سعادتي.

كنت أتناول الشِّعر.

لا تصدِّق أمينة المكتبة ما تراه.

عيناها حزينتان

تسير ويداها في جيبي ردائها.

القصائد مضت.

الضُّوء شاحب.

الكلاب على درج القبو مقبلين.

مقل عيونهم تتقلَّب،

تتَّقد قوائمهم الشُّقر مثل أجمة.

تبدأ أمينة المكتبة المسكينة بخبط الأرض بقدميها وتبكي.

هي لا تفهم.

عندما أجثو على ركبتي وألعق يدها،

تصرخ.

أنا انسان جديد.

أزمجر نحوها وأنبح.

أثبُ مرحاً في الظُّلمة الكُتبية.

Eating Poetry by Mark Strand

هذه ترجمة لكلمات الأغنية التي غناها المغني الإسباني باكو ايبانييز، كلمات الأغنية هي قصيدة للشاعر الإسباني خوسيه أوغستين غويتيسولو (ولد عام 1928 وتوفي منتحراً عام1999 ) المهداة إلى ابنته خوليا التي سميت على اسم والدته التي قتلت جراء القصف خلال الحرب الأهلية الإسبانية عام 1938.

Palabras para Julia – Paco Ibañez.

jos-agustn-goytisolo-0fe6b59c-7e67-4590-b64a-fae6f43053d-resize-750

ليس بوسعكِ العودة إلى الوراء

لأن الحياة تدفعك قدماً

مثل عواء لا آخر له.

سوف تشعرين بأنك حبيسة القفص،

سوف تشعرين بأنك تائهة ووحيدة،

وقد تتمنين لو أنك لم تولدي قط.

لكن تذكَّري دوماً

ما كتبته ذات يوم

فكِّري بنفسكِ كما أفكر بك الآن.

الحياة جميلة، سوف ترين،

رغم أحزانها،

سوف تحبين، وسوف يكون لديك أصدقاء.

رجل بمفرده، أو امرأة،

أحدهما دون الآخر،

ليسا سوى غبار، لا شيء.

لذلك ينبغي عليك أن تتذكري دوماً

ما كتبته ذات يوم

فكري بنفسكِ مثلما أفكر بك الآن.

لا تستلمي قط، لا تضلِّي،

لا تقولي أبداً إلى جانب الطريق

لا يمكنني المضي قدماً، سوف أبقى.

الحياة جميلة، سوف ترين،

رغم أحزانها،

سوف تحبين، وسوف تحظين بأصدقاء.

وتذكَّري دوماً، دوماً

ما كتبته ذات يوم

فكري في نفسك مثلما أفكر بك الآن.

القصيدة بصوت الشاعر

capote03_doctvgr_r

معطف من فراء المِنك للمرء وحده-ترومان كابوت (1944)

أنهت السَّيدة مونسُن شبكَ وردة من الكتَّان في شعرها الخرنوبي وتراجعت عن مرآتها كي تقيّم الأثر. ثم مررت يديها على وركيها… كان الفستان ضيقاً للغاية وذلك كل ما في أمره.

فكَّرت بغضب: “التغيير سوف لن يسترده ثانية”. بنظرة واحدة أخيرة محقِّرة نحو صورتها المنعكسة استدارت ودخلت غرفة الجلوس.

كانت النَّوافذ مفتوحة والغرفة زاخرة بالصُّراخ الصَّاخب الخارق للعادة. أقامت السَّيدة مونسُن في الطَّابق الثَّالث، وفي الجهة الأخرى من الشَّارع كان يوجد ملعب لمدرسة رسمية. في الأصيل المتأخر كانت الضَّوضاء تكاد لا تطاق. يا إلهي، لو أنها فقط عرفت بهذا قبل توقيعها عقد الإيجار! بنعرة طفيفة أغلقت النافذتين وبقدر ما يعنيها الأمر، يمكن لهما أن تلبثا بذلك الشكل للسنتين القادمتين.

لكن السَّيدة مونسُن كانت متأثرة للغاية لتكون ممتعضة حقاً. كانت فيني روندو قادمة لرؤيتها، تخيل، فيني روندو… وهذا الأصيل بالذَّات! عندما فكَّرت في الأمر شعرت بأجنحة ترفرف في معدتها. مضت خمس سنوات تقريباً، وفيني كانت في أوروبا طوال هذا الوقت. كانت السَّيدة مونسُن تعلن بثبات كلما وجدت نفسها في جمع يناقشون الحرب: “حسناً، تعلمون أن لدي صديقة عزيزة جداً في باريس هذه اللحظة بالذات، فيني روندو، كانت تماماً هناك عندما زحف الألمان! تنتابني كوابيس قطعية عندما أفكر بما لا بد أنها تعانيه!” قالت السَّيدة مونسُن ذلك كما لو أنها هي التي مصيرها معلق في الميزان.

إذا كان هناك من أحد في الحفل لم يسمع القصَّة من قبل سوف تبادر لتشرح عن صديقتها. قد تبدأ: “ترين، كانت فيني بالضَّبط الفتاة الأكثر موهبة، مهتمة بالفن وجميع الأمور من ذلك القبيل. حسناً، كانت تملك مبلغاً كبيراً من المال، لذا ذهبت إلى أوروبا مرة في السَّنة على الأقل. أخيراً، عندما توفي والدها حزمت أمتعتها وذهبت إلى غير رجعة. يا إلهي، لكن ارتبطت بعلاقة غرامية قصيرة، من ثم تزوجت كونت أو بارون أو شيء ما. ربما سمعت عنها… فيني روندو… عمود تشولي نيكربوكر الصَّحفي كان يذكرها طوال الوقت”. واستمر دون انقطاع مثل محاضرة تاريخية.

فكَّرت وهي تجد متعة بالغة في التعجب من ذلك دون توقف على الإطلاق: “فيني، في أميركا مجدداً”. دملجت المخدَّات الصَّغيرة الخضراء على الأريكة وجلست. استقصت غرفتها بعينين ثاقبتين. مضحك أنك لم تري محيطك يوماً حقاً من قبل أن تكوني بانتظار مجيء زائر. حسناً، تنهدت السَّيدة مونسن برضا، تلك الفتاة الجديدة أحيت المعايير التي كانت قائمة قبل الحرب وهذا نادراً ما يحدث.

رنَّ جرس الباب بغتةً. أزَّ مرتين قبل أن تتمكن السيدة مونسن من أن تتحرك، كانت مستثارة إلى ذلك الحد. أخيراً استعادت رباطة جأشها وذهبت لتفتح.

للوهلة الأولى لم تتعرف السَّيدة مونسُن إليها. المرأة التي قابلتها لم يكن لشعرها تسريحة أنيقة مردودة إلى الأعلى.. حقاً تدلى شعرها برخاوة بعض الشَّيء وبدا كما لو أنه غير مسرح. فستان ذو نقوش في كانون الثاني؟ حاولت السَّيدة مونسُن أن تخفي الإحباط من صوتها عندما قالت: “فيني، عزيزتي، لا بد أني كنت سأتعرف إليك في أي مكان”.

المرأة لا تزال واقفة في العتبة. حملت تحت إبطها صندوقاً كبيراً زهرياً ونظرت عيناها الرماديتان نحو السَّيدة مونسُن بفضول.

قالت وكان صوتها همساً غريباً: “حقاً، بيرتا؟ هذا لطيف، لطيف جداً. لا بد أني كنت سأتعرف إليك أيضاً، على الرغم من أنك سمنتِ إلى حد ما، ألم تفعلي؟” ثم صافحت يد السَّيدة مونسُن الممدودة ودخلت.

شعرت السَّيدة مونسُن بالحرج ولم تدر تماماً ماذا تقول. دخلتا ذراعاً بذراع إلى غرفة الجلوس وجلستا.

“ما رأيك باحتساء قليل من نبيذ الشِّيري؟”

هزَّت فيني رأسها الصَّغير الدَّاكن:” لا، شكراً لك”.

سألت السَّيدة مونسن بإلحاح: “حسناً، ماذا عن الويسكي أو شيء ما؟”. دقَّت السَّاعة التي لها شكل تمثال صغير والموضوعة على رف الموقد الزائف برفق. لم تلحظ السَّيدة مونسُن يوماً كم يمكن أن يبدو صوتها عالياً.

قالت فيني بحزم: “لا، لا شيء، شكراً لك”.

استقرت السَّيدة مونسُن على الأريكة مستسلمة.

“الآن، عزيزتي، أخبريني كل شيء عن الأمر. متى عدت إلى الولايات؟” أعجبها صدى ذلك. “الولايات”.

وضعت فيني الصُّندوق الزهري الكبير بين ساقيها وطوت يديها.

“عدت إلى هنا منذ سنة تقريباً” توقَّفت، ثم أسرعت مدركة التعبير المروَّع لمضيِّفتها،”لكني لم أكن في نيويورك. بطبيعة الحال كنت لأتواصل معك عاجلاً، لكني كنت في كاليفورنيا”.

هتفت السَّيدة مونسُن، ولو أنها في الواقع لم تذهب يوماً أبعد من شيكاغو: “أوه، كاليفورنيا، أحب كاليفورنيا”.

ابتسمت فيني ولاحظت السَّيدة مونسُن كم كانت أسنانها غير منتظمة وجزمت أنها قد تصبح في حال أفضل بواسطة التنظيف الجيد بالفرشاة.

تابعت فيني: “إذن، عندما عدت إلى نيويورك الأسبوع الماضي فكرت بكِ في الحال. لقد أمضيت فترة رهيبة أحاول العثور عليك لأني لم أستطع تذكر اسم زوجك الأول…”

قالت السَّيدة مونسُن دون داع: “ألبرت”.

“…لكني أخيراً فعلت وها أنا ذي. كما تعلمين، بيرتا، أنا حقاً بدأت التفكير بك عندما قررت أن أتخلص من معطفي المصنوع من فراء المنك”.

رأت السَّيدة مونسُن حمرة مفاجئة على وجه فيني.

“معطفك من فراء المنك؟”

قالت فيني وهي ترفع الصُّندوق الزهري: “نعم. تتذكرين معطف المنك خاصتي. أنت لطالما أعجبت به كثيراً. قلت دوماً إنه كان أجمل معطف رأيته على الإطلاق”.

بدأت تفك الشَّريط الحريري المتهرئ الذي جعل الصندوق متماسكاً.

قالت السَّيدة مونسُن جاعلة “بالتأكيد” تتردد برقة: “بالتأكيد، نعم بالتأكيد”.

“قلت لنفسي، فيني روندو، من أجل أي شيء على الأرض تحتاجين إلى ذلك المعطف؟ لماذا لا تدعين بيرتا تملكه؟ ترين، بيرتا، اشتريت الفراء الأسود الأكثر بهاء في باريس ويمكنك أن تفهمي أني حقاً لا أحتاج إلى معطفين من الفراء. إلى جانب أني أملك سترة من فراء الثعلب الفضي”.

شاهدتها السَّيدة مونسُن تباعد المنديل الورقي في الصُّندوق، رأت الطلاء المتشقق على أظافرها، رأت أن أصابعها كانت دون جواهر، وفجأة أدركت قدراً عظيماً من الأمور الأخرى.

“إذن فكرت بك إلا إذا كنت غير راغبة فيه سوف أحتفظ به لأنه سوف لن يكون بمقدوري احتمال التفكير بأن شخص آخر يمتلكه “. أمسكت المعطف ووقفت تدوره ذات اليمين وذات الشمال. كان معطفاً جميلاً، شع الفراء فاخراً وناعماً للغاية. مدت السَّيدة مونسُن يدها ومررت أصابعها عبره، تكدر الشعيرات الصغيرة بالاتجاه المعاكس. قالت دون تفكير: “بكم؟”

سحبت السَّيدة مونسُن يدها سريعاً، كما لو أنها مسَّت النار، ثم سمعت صوت فيني خفيضاً ومتعباً.

“دفعت ألف ثمناً له تقريباً، هل ألف كثير جداً؟”

من الشَّارع استطاعت السَّيدة مونسُن سماع الهدير المصمّ للملعب وفي الحال كانت ممتنة. منحها شيئاً آخر لتركز عليه، شيء ليخفف من كثافة مشاعرها.

قالت السَّيدة مونسُن بحيرة وهي لا تزال تحدق بالمعطف، خشية أن ترفع عينيها وترى وجه المرأة الأخرى: “أخشى أن ذلك كثير. أنا حقاً لا يمكنني دفع ثمنه”.

رمت فيني المعطف على الأريكة: “حسناً، أريدك أن تملكيه. ليس المال ذا بال كثيراً، لكني أشعر بأني يجب أن أحصل على شيء بالمقابل لحسابي… كم بوسعك أن تدفعي؟”

أغمضت السَّيدة مونسُن عينيها. أوه، يا إلهي، هذا كان رهيباً! فقط رهيب لعين تماماً!

أجابت بوهن: “ربما أربعمئة “.

تناولت فيني المعطف ثانية وقالت بابتهاج:” لنرَ كيف يبدو عليك إذن”.

دخلتا غرفة النَّوم وقاست السَّيدة مونسُن المعطف أمام مرآة خزانتها بالطول الطبيعي. فقط بعض التعديلات، تقصير الأكمام، وربما قد تعيد تلميعه. نعم، لا شك إنه أضفى عليها تغييراً.

“أوه، أظن إنه جميل، فيني. كان لطفاً منك أن تفكري بي”.

استندت فيني على الجدار، يبدو وجهها الشَّاحب قاسياً في ضوء الشَّمس المكبَّر عبر نوافذ غرفة النَّوم الكبيرة.

قالت دون اكتراث: “يمكنك أن تحرري لي شيكاً مصرفياً”.

قالت السَّيدة مونسُن وهي تعود فجأة إلى أرض الواقع: “نعم، بالتأكيد”. تخيل بيرتا مونسُن وهي تملك معطفاً من فراء المنك!

عادتا إلى غرفة الجلوس وكتبت الشِّيك لفيني.  أودعته فيني وهي تطويه بعناية محفظتها الصَّغيرة المطرزة بالخرز.

حاولت السَّيدة مونسُن جاهدة أن تجري حواراً لكنها اصطدمت بجدار بارد عند كل مجرى جديد. سألت مرة: “أين زوجك فيني؟ لابد أن تجلبيه إلى هنا ليتحدث ألبرت معه “.

وأجابت فيني: “أوه، هو! لم أره منذ دهور. هو لا يزال في لشبونة هذا كل ما أعرفه” وهكذا انتهى الحوار.

أخيراً، غادرت فيني بعد أن وعدت أن تتصل في اليوم التالي، عندما ذهبت فكرت السَّيدة مونسُن:”عجباً، فيني المسكينة هي ليست شيئاً سوى مستجيرة!” ثم أخذت معطفها الجديد ودخلت غرفة النوم. لن يكون ممكناً إخبار ألبرت بكيفية حصولها عليه، ذلك كان مؤكداً. لكنه قد يغضب بشأن النقود! قررت أن تخفيه في أقصى حيز من خزانتها ثم ذات يوم سوف تخرجه وتقول: “ألبرت، أنظر إلى المنك المقدس الذي ابتعته من مزاد. حصلت عليه بمبلغ لا يكاد يعتد به”.

علقت المعطف على علاقة وهي تتلمس طريقها في ظلمة خزانتها. نترته قليلاً وشعرت بالهلع لدى سماع صوت تمزيق. سريعاً أضاءت المصباح ورأت أن الكم كان ممزقاً. أمسكت الشق على حدة وشدت بخفة. تفتَّق أكثر من ثم المزيد. بخواء متقزز عرفت أن الأمر برمته كان بالياً.قالت وهي تمسك بوردة الكتان في شعرها: “أوه، يا إلهي، أوه، يا إلهي، لقد انخدعت وانخدعت ببراعة، ولا يوجد شيء في العالم يمكنني فعله بهذا الشأن، لا شيء في العالم!” لأن السَّيدة مونسُن أدركت فجأة أن فيني سوف لن تتصل ثانية غداً ولا في أي وقت آخر.

لست أدري ما الذي يجعل أغنية بعينها تنزرع في ذاكرتنا، فهي وإن كانت ترتبط بحدث معين في حياتنا، غير أن هذا الحدث ليس على قدر من الأهمية.

أتذكر أني سمعت أغنية الأيام لماجدة الرومي للمرة الأولى في وقت ما بين العامين 1992-1993 عندما كنت طالبة في معهد المهن النفطية والمعدنية أو ما نعرفه بمعهد النفط، وكنا قد ذهبنا لتناول طعام الغداء عند إحدى زميلاتنا بعد انتهاء الدوام ذلك اليوم، أنا وهيفاء وأخريات ذهبنا لزيارة زميلتنا لجينة القادمة من قرية الصبورة إحدى القرى التابعة لمنطقة السلمية، وقد استأجرت غرفة في أحد أحياء حمص التي لم  أكن أعرفها قبل ذلك الحين، استمعنا إلى هذه الأغنية على شريط كاسيت في مسجلة قديمة، وكل ما أذكره أن الصبايا كن يتندرن على ماجدة الرومي لتكرارها كلمة: “بحبك، بحبك، بحبك” في نهاية الأغنية، لم يرق لهم ذلك التكرار باعتباره مبالغة. وأتذكر أيضاً أننا أكلنا تبولة!

هي ذكرى، مجرد ذكرى، ليست جميلة وليست حزينة، هي جزء من ماض بات كل ما نملك في هذه الأيام، وشو الأيام؟

الأيام- ماجدة الرومي

28795989_950761051737737_2745251380871561216_n

With the Kitchen Knives that we carried with our luggage

We have cut the fruits

That our hosts have presented it to us in the exile

And in the old drawers of the camps that were our shelters

We have kept it

Sharpened

And shiny

To dig out our old scars once they get healed

We took instant selfies pictures

With our clothes still damp from the sea that swallowed our relatives

We started to jargonize with new languages

We shared on our Facebook accounts walls

Breathtaking photos of nature

Wallowing on its grasses

Like happy bulls

But with the same knives that we have hidden

Sharpened

And bright

In the drawers

 We went pay the stabs to each other

As we were doing in our birthplaces.

oldpossum1

من ديوان “كتاب بوسوم العجوز عن القطط العملية”.

تسمية القطط مسألة صعبة،

إنها ليست مجرد واحدة من ألعاب عطلتك،

قد تحسبني للوهلة الأولى مختل عقلياً

عندما أخبرك، أن على كل قط امتلاك ثلاثة أسماء مختلفة.

بادئ ذي بدء، هناك الاسم الذي تستعمله العائلة يومياً،

من مثل بيتر، أغسطس، ألونزو، أو جيمس،

مثل فيكتور أو جوناثان، جورج، أو بيل بايلي..

جميعها أسماء يومية معقولة.

يوجد أسماء لمربي القطط إذا كنت تظن أنها تبدو أحلى،

بعض منها للسادة، والبعض للسيدات:

مثل أفلاطون، أدميتوس، إلكترا، ديميتر..

لكن جميعها أسماء يومية معقولة.

لكني أقول لك، كل قط يحتاج إلى اسم معين،

اسم مميز، وأكثر جلالاً،

وإلا كيف يمكنه أن يستمر برفع ذيله،

أو يفرد شاربيه، أو يزهو بفخره؟

بوسعي منحك نخبة أسماء من هذا النوع،

مثل مانكوستراب، كواكسو، أو كوريكوبات،

مثل بومبالورينا، وأيضاً جيليلوروم-

أسماء لا تنسب أبداً إلى أكثر من قط واحد.

لكن بما يفوق كل التوقعات ما زال هناك اسم واحد متبق،

وذلك هو الاسم الذي سوف لن تخمِّنه مطلقاً،

الاسم الذي يعجز أي بحث بشري عن اكتشافه..

لكن القط نفسه يعرفه، ولن يعترف به أبداً.

عندما تلاحظ قطاً مستغرقاً في تأمل عميق،

أقول لك إن السَّبب هو واحد دوماً:

عقله مشغول في تأمل ذاهل

يفكر ويفكر ويفكر باسمه:

اسمه الذي يفوق الوصف

السِّري الأقدس من أن يذكر

المفرد الملغز والعميق.

 

28053097_10213840912151401_2064567494_n

9 فبراير،1960

عزيزي السَّيد برجمان

لا شكَّ أنَّك تلقيَّت ما يكفي من الاستحسان والنَّجاح من شتى أرجاء العالم ما يجعل هذا المكتوب فائضاً عن الحاجة إلى حدٍّ بعيد، لكن رغم أنه قد لا يكون على قدر كبير من الأهمية، أودُّ أن أضيف ثَنائي وامتناني باعتباري مخرج زميل، على المساهمة المتألقة والخارقة للعادة التي قدَّمتها للعالم من خلال أفلامك (لم يسبق لي أن ذهبت إلى السويد ولذلك لم أحظَ بشرف مشاهدة أعمالك المسرحية). هزَّتني رؤيتك للحياة بعمق، بعمق أكبر بكثير مما سبق أن تأثرت لدى مشاهدة أي فيلم آخر. أؤمن أنك أعظم مخرج سينمائي يعمل في وقتنا الراهن. زيادة على ذلك، اسمح لي بالقول إنه لا يوجد من يتفوق عليك في خلق المزاج والجو العام، براعة الأداء، تجنُّب ما هو بيِّن، المصداقية والكمال في رسم الشَّخصيات. إلى هذا يتعين أيضاً إضافة كل شيء آخر يدخل في صناعة فيلم. أعتقد أنك ميمون بممثلين رائعين. يحيا كل من ماكس فون سيدو وانجريد تولين في ذاكرتي بوضوح، وهناك الكثير من الممثلين الآخرين في شركتك ممن لا تحضرني أسماؤهم. أتمنى لك ولهم جميعاً حظاً سعيداً وسوف أتطلع بلهفة إلى كل فيلم من أفلامك.

أطيب التحيات

ستانلي كوبريك

 

 

truffaut godard 451 high

رسالة من جان-لوك جودار إلى فرانسوا تروفو 1965:

“لم نعد نلتقي، أنا وأنت، إنها حقاً لحماقة شديدة. ذهبتُ البارحة لرؤية “كلود شابرول” أثناء التَّصوير، وكان اللقاء مريعاً، لا نملك ما نقوله لبعضنا البعض. إنه كما في الأغنية، في الفجر الشَّاحب، لا شيء ينجو حتى الصَّداقة. انصرفَ كل واحد منا نحو كوكبه الخاص، لا نرى بعضنا البعض من خلال لقطة مقرَّبة، كالسَّابق، لقطات عامَّة وحسب. أكثر فأكثر، تفرِّق الفتيات اللواتي نضاجعهنَّ فيما بيننا، عوضاً عن أن يجمعن شملنا. ليس من المفترض بالحال أن تكون كذلك”.

جان-لوك جودار يكتب إلى تروفو في نهاية شهر أيار/مايو عام 1973

“على الأرجح، لن يدعوك أحد بالكاذب. حسناً، سوف أفعل. إنها ليست مهينة أكثر من “فاشي”. إنه نقد. وغياب النقد لمثل هذه الأفلام، فيلمك، وفي أفلام شابرول، فيريري، فيرنويل، ديلانوي، رونوار، إلخ، هو ما أتذمر منه. تقول، الأفلام قطارات كبيرة تعبر في الليل. لكن من يركب القطار؟ أولئك قطارات أيضاً. في أي فئة من المقاعد يجلسون؟ ومن يقود القطار وجاسوس الزعماء واقف إلى جانبه؟ إنهم يصنعون أفلام-قطارات أيضاً. وإذا كنت لا تتحدث عن قطارات “ترانس-يوروب”، إذن، ربما هو قطار الضواحي، أو ربما قطار “داشو-ميونخ”، وبالتأكيد سوف لن نرى أبداً تلك المحطة في فيلم-قطار “لولوش”. أنت كاذب لأن صورتك مع “جاكلين بيسّيت” تلك الأمسية في مطعم “Chez Francis ” (مطعم في ساحة دو لالما) ليست من فيلمك. وأود أن أعرف لماذا المخرج هو الشَّخص الوحيد الذي لا يضاجع في فيلم “ليلة أميركية، Day for night”. سوف أتطرق إلى نقطة أكثر مادية. لأصور فيلماً بسيطاً أنا بحاجة إلى خمسة أو ستة ملايين فرنك. بالنظر إلى فيلم ” ليلة أميركية” ينبغي عليك أن تساعدني، لكي يعرف الجمهور أن فيلمك ليس فريداً من نوعه من حيث نجاحه المضمون. لو ترغب بالتحدث عن الأمر، لا بأس”.

تروفو يجيب جان-لوك جودار. حزيران/يونيو عام 1973

“أنا أعيد رسالتك إلى جان بيير. قرأتها ووجدتها مثيرة للاشمئزاز. بسبب تلك الرسالة أظن أن اللحظة أزفت لأخبرك، بالتفصيل، كيف أرى أنك تتصرف مثل قذر. أنا لا أهتم لرأيك في فيلم “ليلة أميركية”. لكن ما أجده مثيراً للشفقة من ناحيتك هو أنك، حتى الآن، تذهب إلى أفلام مثل ذلك حتى عندما تعرف جيداً سلفاً أنها لا تتطابق مع فكرتك عن السينما، أو فكرتك عن الحياة. إنه دوري لأدعوك بالكاذب. في بداية فيلم “كل شيء على ما يرام” يوجد السطر التالي: “لتصنع فيلماً أنت بحاجة إلى نجوم”. تلك كذبة. الجميع يعرف حول إلى أي حد أصريت على تكون معك جين فوندا التي رفضت، بينما أخبرك ممولوك أن تختار أي شخص.   نجومك القلائل حصلت عليهم بأسلوب “كلوزوت”. طالما أنهم يعملون معي يمكنهم أن يعملوا مقابل عشر مرتبهم معك، إلخ. كارميتز، برنار بول يحتاج إلى نجوم. أنت لا تحتاج.

إذن تلك كانت كذبة. لطالما امتلكته، هذا الأسلوب في التظاهر بأنك ضحية، مثل “كايات”، مثل “بواسيت”، مثل “ميشيل دراش”، ضحية “بومبيدو”، “مارسيلين”، الرقابة، الموزعين الذين يستقطعون الأفلام، بينما في الواقع أنت تدبر أمورك جيداً جداً بالقيام بالضبط بما تريد، عندما تريد، بالطريقة التي تريد، وفوق كل شيء، محافظاً على صورتك هذه كرجل صارم نقي، التي ترغب بالحفاظ عليها، حتى لو على حساب الناس الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. عندما رأيت “رياح الشرق وسلسلة” كيف تصنع كوكتيل المولوتوف”، الشعور الوحيد الذي خالجني نحوك كان الاحتقار. وبعد عام ابتعدت عندما طلبت منك أن توزع صحيفة “قضية الشعب”في الشارع مع جان بول ساتر. فكرة أن الرجال متساوين هي مجرد نظرية بالنسبة لك. لا تشعر بها.

أنت فقط تريد أن تلعب دوراً ويجب أن يكون دوراً كبيراً. أظن أن المحاربون الحقيقيون هم مثل سيدات التنظيف: إنه ليس عملاً ممتعاً، إنه يومي، ضروري. لكن أنت، أنت مثل أورسولا اندريس، جوهرة لمدة أربع دقائق، وقت من أجل فلاشات آلات التصوير، بضع ملاحظات ساخرة مدهشة، وبنفخة، تختفي، تعود إلى الغموض المربح.  سلوك قذر! حقاً سلوك قذر! لفترة بعد أيار 68 لم يعرف أحد ماذا كنت تفعل. سرت شائعات: هو يعمل في مصنع، هو شكل مجموعة، إلخ. ثم ذات يوم سبت نسمع، أعلن أنك سوف تتحدث على قناة الـ RTL بقيت في المكتب لأتمكن من سماعك. كان السبيل الوحيد لأكتشف، أحصل على أنباء عنك.

كان صوتك يرتعش، بدا مفعماً بالعاطفة. أعلنت أنك كنت ستصور فيلماً، “وفاة أخي”، حول عامل أسود البشرة كان مريضاً وتركوه يموت في قبو مصنع لأجهزة التلفزيون، ومصغياً، وإلهام الرعشة في صوتك، عرفت أولاً أن القصة ربما لم تكن حقيقية تماماً، أو أنك حرفتها، وثانياً، أنك ما كنت لتصنع الفيلم أبداً. وقلت لنفسي: هل كان لهذا الفتى الميت عائلة، ثم سوف يعيشون على أمل أن الفيلم سوف ينجز؟ ليس هناك دور في الفيلم لايف مونتان أو جين فوندا. لكن لمدة خمس عشرة دقيقة منحت انطباعاً عن أنك كنت في “حال ممتازة”، مثل ميسمر (رئيس وزراء) عندما يعلن أنه تم خفض سن التصويت إلى التاسعة عشرة. زائف، غندور، متباه! لطالما كنت متباه وزائف، مثلما عندما أرسلت برقية إلى “دو غول” من أجل عملية البروستات. زائف، عندما اتهمت “شوفيه” بكونه فاسد لأنه الأخير، الوحيد الذي يقاومك! زائف عندما تكون زئبقياً، عندما تعامل رونوار وفيرنويل بطريقة متشابهة، على أنهما متكافئان، زائف عندما تقول إنك سوف تظهر الحقيقة حول الأفلام، من يعمل دون مقابل، إلخ. لو ترغب بالتحدث عن الأمر، حسناً…”

كتب جودار بعد وفاة تروفو عام 1985:

“لم يمت فرانسوا بمحض الصُّدفة. حقبة زمنية كاملة اندثرت. تمكَّن من القيام بما لم نسعَ نحن البقية للقيام به وتلكَّأنا عن فعله-كان محترماً. من خلاله حظيت “الموجة الجديدة” بالاحترام. بسببه كنا محترمين. أما وقد رحل الآن، نحن لم نعد محترمين. أحاطني فرانسوا بحمايته على طريقته الخاصَّة. الآن، أنا مرعوب للغاية إذ أنَّ هذه الحماية لم تعد موجودة”.