Feeds:
Posts
Comments

Posts Tagged ‘جيمس بالدوين’

James Baldwin poses at his home in Saint-Paul-de-Vence, France in 1979.

كومة الحجارة- جيمس بالدوين

ترجمتها عن الإنكليزية أماني لازار

مقابل منزلهم، على الجهة الأخرى من الشَّارع، كان يوجد كومة من الحجارة في قطعة أرض فارغة بين منزلين. كان وجود كتلة بارزة من الصَّخر الطبيعي مستغرباً في هذا المكان. شخص ما أخبرهم ذات يوم، ربما العمَّة فلورنس، بأمر الصَّخرة وعن عدم إمكانية إبعادها، فمن دونها كانت عربات التّرام تحت الأرض لتتطاير وتقضي في طريقها على حياة النَّاس جميعاً. كان هذا تفسيراً مثيراً للاهتمام إلى حدٍّ بعيد لتعرُّضه لثمَّة لغز طبيعي يتعلَّق بكل من سطح ومركز الأرض على حدٍّ سواء، وعلاوة على ذلك خلع على كومة الصُّخور أهميَّة غامضة لدرجة أن روي شعر أن من حقِّه، إن لم نقل من واجبه، أن يلعب هناك.

كان أولاد آخرون يتواجدون هناك كلَّ أصيل، بعد العودة من المدرسة ويومي السَّبت والأحد، ويتشاجرون على كومة الحجارة. هاجموا بعضهم بعضاً وتشبَّثوا بالقمم، ثابتي الأقدام وخطرين وطائشين، يختفون أحياناً في ظل الجانب الآخر في فوضى من الغبار والصُّراخ وبأقدام سائبة ومنقلبة. قالت والدتهم وهي تراقب ذات يوم من سلَّم النَّجاة: “أعجبُ من أنهم لا يقتلون أنفسهم. أيها الأطفال ابتعدوا عن هناك، هل تسمعونني؟” ومع أنها قالت “أطفال” إلا أنها كانت تنظر إلى روي حيث جلس إلى جانب جون على سلَّم النجاة. ثمّ واصلت: “يعلم الله أني لا أريدكم أن تعودوا إلى البيت نازفين في كل يوم يرسله الرَّب”. انزاح روي متبرماً وواصل التَّحديق نحو الشَّارع كما لو أنه يستطيع بهذا أن يحظى بجناحين. لم ينبس جون ببنت شفة، لم يتوجَّه إليه أحد بالكلام حقاً: كان فزعاً من الصَّخرة ومن الأولاد الذين يلعبون هناك.

جلس كل من جون وروي على سلَّم النجاة صباح كل يوم سبت وراقبا الشَّارع المحظور عليهما في الأسفل. جلست والدتهما أحياناً في الغرفة خلفهما، تخيط أو تلبس أختهما الصُّغرى أو تطعم الرَّضيع بول. هبطت الشَّمس عليهما وعلى سلَّم النَّجاة بفتور خيِّر وعالٍ، تحتهما رجال ونساء وأولاد وفتيات، جميعهم أشرار ومتسكعون، بين الحين والآخر مرَّ أحد أعضاء الكنيسة ورآهما فلوَّح لهما. ثم كانوا مُهابين لحظة لوحوا له باحتشام. راقبوا القدِّيس سواء كان رجلاً أو امرأة حتى اختفائه عن مرمى النظر. جعلهم عبور أحد المفتدين يحتسبون لخباثة الشَّارع مهما كان خاوياً، لخبثهما الكامن بالجلوس مكانهم وجعلهم يفكرون بوالدهما الذي يعود إلى البيت باكراً أيام السَّبت وقد يظهر قريباً جداً عند هذه الزاوية ويدخل الردهة المظلمة تحتهما.

لكن ريثما يأتي ويضع حداً لحريتهما، جلسا يراقبان ويتحرَّقان لهفة فوق الشَّارع. عند طرف الشَّارع الأقرب إلى منزلهما كان الجسر الذي عبر نهر هارلم وأفضى إلى مدينة تدعى برونكس حيث تقيم العمَّة فلورنس. برغم ذلك، عندما شاهداها قادمة لم تكن آتية من جهة الجسر، بل من الطرف المقابل للشارع. هذا فسرته تفسيراً ضعيفاً في اعتقادهما بالقول إنها استقلَّت المترو غير راغبة بالسَّير، وأنها علاوة على ذلك لم تقطن في ذلك الجزء من برونكس. لعلمهما أن برونكس تقع في الجهة الأخرى من النهر لم يصدِّقا هذه القصَّة قط، لكن بتبنيهما نحوها موقف والدهما، افترضا أنها غادرت للتو مكاناً آثماً لم تجرؤ على تسميته، صالة سينمائية على سبيل المثال.

سبح الأولاد في النَّهر في فصل الصَّيف، يغطسون عن السِّقالة الخشبية، أو يخوضون فيه انطلاقاً من ركام النفايات الصَّلبة. ذات يوم غرق فتى في النهر، كان يدعى ريتشارد. لم تعرف أمه بمكانه، حتى أنها جاءت إلى منزلهم لتسأل إذا كان هناك. ثمَّ في المساء، عند السَّاعة السَّادسة، سمعوا من الشَّارع صوت صراخ امرأة تولول وهرعوا إلى النوافذ وتطلعوا منها. في الشَّارع جاءت المرأة، أم ريتشارد تصرخ، وجهها مرفوع نحو السَّماء والدُّموع تجري عليه. سارت امرأة إلى جانبها تحاول أن تهدئ من روعها وأن تسندها. مشى خلفهما رجل، والد ريتشارد، وجسد ريتشارد بين ذراعيه.

كان هناك رجلا شرطة أبيضا البشرة يسيران في الميزاب، لم يبدُ عليهما أنهما يعرفان ما الذي ينبغي عمله. كان كلاً من والد ريتشارد وريتشارد مبتلَّين، وجسد ريتشارد يفترش ذراعي والده مثل طفل رضيع. ملأ صراخ المرأة الشَّارع، أبطأت السَّيارات وحدَّق ركابها، فتح الناس نوافذهم ونظروا منها وخرجوا مندفعين من الأبواب ليقفوا في الميزاب، يراقبون. ثم اختفى الموكب الصَّغير داخل المنزل الواقع إلى جانب كومة الحجارة. ثمَّ صرخت والدتهم اليزابيث: “يا رب، يا رب، يا رب!”، وأغلقت النَّافذة بعنف.

ذات يوم سبت، قبل ساعة من موعد مجيء والده إلى البيت، أصيب روي على الصَّخرة بجرح وحُمل صارخاً إلى الطابق العلوي. كان هو وجون جالسين على سلَّم النَّجاة وذهبت والدتهما إلى المطبخ لتحتسي الشَّاي مع الأخت مكَّندلس. شيئاً فشيئاً استبد الملل بروي وجلس إلى جانب جون في صمت متضجِّر، وجون بدأ يرسم في دفتره المدرسي إعلاناً صحفياً أبرز قاطرة كهربائية جديدة. مرَّ بعض أصدقاء روي تحت سلَّم النجاة ونادوا عليه. بدأ روي يتضجَّر، يصيح نحوهم عبر القضبان. ثم حلَّ صمت. رفع جون بصره. وقف روي يتطلع إليه.

قال: “أنا ذاهب إلى الأسفل”.

“من الأفضل أن تبقى حيث أنتَ يا فتى. أنت تعرف أن ماما لا تريدك أن تنزل”.

“سأعود. سوف لن تعرف حتى بأني ذهبت إلا إذا أخبرتها”.

“سوف لن أخبرها. ما الذي يمنعها من المجيء إلى هنا والنَّظر من النافذة؟”

قال روي وقد شرع بدخول المنزل: “إنها تتحدَّث”.

 “لكن أبي سوف يصل إلى المنزل عمَّا قريب!”

“سأعود قبل ذلك. ماذا دهاك حتى أصبحت على أشدِّك من الخوف طوال الوقت؟”

 كان بالفعل في المنزل والتفت الآن، يستند على عتبة النَّافذة، ليقسم بفارغ الصَّبر: “سأعود في غضون خمس دقائق”.

راقبه جون بحنق عندما فتح الباب بحذر واختفى. خلال لحظة رآه على الرصيف مع أصدقائه. لم يجرؤ على إخبار والدته أن روي غادر سلَّم النَّجاة لأنه وعد بالفعل ألا يفعل. بدأ يصيح: تذكَّر، قلت خمس دقائق! لكن واحد من أصدقاء روي كان ينظر عالياً نحو سلَّم النجاة. نظر جون نحو كتابه المدرسي: وانهمك ثانية في موضوع القاطرة.

عندما رفع بصره ثانية لم يعرف كم مضى من الوقت، لكن الآن كان هناك زمرة تتشاجر على كومة الحجارة. تقاتل عشرات الأولاد في الشَّمس اللاذعة: يتسلَّقون الصُّخور بجهد ويتقاتلون بالأيدي، أحذية بالية تنزلق على الصَّخرة الزلقة، يملؤون الهواء الصَّافي باللعنات والصَّرخات المتهللة. ملأوا الهواء أيضاً بالأسلحة الطائرة: الحجارة، العصي، علب الصَّفيح، القمامة، أي شيء يمكن أن يلتقط ويرمى. راقب جون بنوع من الدَّهشة الذَّاهلة-إلى أن تذكَّر أن روي كان لا يزال في الأسفل، وأنه كان واحداً من الأولاد على الكومة.

ثم دهمه الذُّعر، لم يتمكن من رؤية أخيه بين الأجسام في الشَّمس، ووقف يتَّكئ على سياج سلم النجاة. ثم ظهر روي من الجانب الآخر للصخرة، رأى جون أن قميصه كان ممزقاً، كان يضحك. تقدَّم إلى أن وقف عند أعلى قمَّة كومة الحجارة.

ثم طار شيء ما في الهواء، علبة صفيح فارغة، وضربته على جبهته، فوق العين تماماً. في الحال سال الدَّم على جانب من وجه روي، فسقط وتدحرج على وجهه على الصُّخور. ثم للحظة لم يكن هناك حركة على الإطلاق ولا صوت، حطت الشَّمس محتجزة على الشَّارع والرصيف والأولاد المحتجزين. ثم صرخ أحدهم أو صاح، بدأ الأولاد يهربون على الشَّارع نحو الجسر. بدأ الجسم على الأرض يصرخ وقد التقط أنفاسه وتحسس دمه. صاح جون: “ماما! ماما!” وركض إلى الدَّاخل.

“لا تقلق، لا تقلق”، لهثت الأخت مكندلس عندما هرعوا على الدَّرج المتأرجح الضَّيق المعتم، “لا تقلق. ما من صبي إلا ويصاب بين الفينة والأخرى. يا رب!” أسرعوا في الشَّمس. كان رجل قد جاء بروي والآن سار ببطء نحوهم. جلس ولد أو اثنان بصمت على شرفتهما، عند طرفي الشَّارع كان هناك جمع من الصِّبية يراقبون. قال الرجل: “لم يتأذَّ كثيراً، ما كان ليحدث هذا النَّوع من الضَّجة لو كان مصاباً بسوء حقاً”.

متهدِّجة، مدَّت اليزابيت يديها لتأخذ الولد، لكن الأخت مكَّندلس، أضخم جثةً منها وأهدأ، أخذته من الرجل ورمته على كتفها، ربما كما تعاملت سابقاً مع كيس من القطن. قالت للرجل: “بارك الله فيك، بارك الله فيك يا بني”. كان روي لا يزال يصرخ. وقفت اليزابيت خلف الأخت مكَّندلس لتتطلع نحو وجهه الدامي.

ظلَّ الرجل يقول: “إنه مجرَّد جرح بسيط، مجرَّد خدش سطحي، هذا كلُّ شيء”. كانوا يتقدَّمون عبر الرصيف نحو المنزل. نظر جون دون خوف الآن من الأولاد المحدقين نحو الزاوية ليرى إذا كان والده في مرمى النظر.

في الأعلى، هدَّأوا بكاء روي. غسلوا الدَّم ليجدوا النُّدبة المسنَّنة السَّطحية فوق الحاجب الأيسر تماماً. تمتمت اليزابيت: “يا رب ارحم، بوصة أخرى وكانت الإصابة في عينه” ونظرت بقلق نحو السَّاعة. قالت الأخت مكندلس المنشغلة بالضَّمادات واليود: “هذا ليس صحيحاً”.

سألت والدته أخيراً: “متى نزل إلى تحت؟”.

جلست الأخت مكَّندلس الآن تروِّح لنفسها في الكرسي المريح، عند رأس الأريكة التي يستلقي عليها روي مكبَّلاً وصامتاً. توقفت للحظة تنظر بحدَّة نحو جون. وقف جون قرب النافذة يمسك بإعلان الصَّحيفة والرسم الذي أنهاه.

قال: “كنَّا جالسين على سلَّم النَّجاة، نادى عليه عدد من الأولاد الذين يعرفهم “.

“متى؟”

“قال إنه سيعود في غضون خمس دقائق”.

“لماذا لم تخبرني بأنه نزل؟”

نظر إلى يديه تشبكان دفتره ولم يجب.

قالت الأخت مكَّندلس: “يا ولد، هل تسمع والدتك تتحدث إليك؟”

نظر إلى أمه وردَّد:

“قال إنه سوف يعود خلال خمس دقائق”.

قالت الأخت مكَّندلس بازدراء: “قال إنه سيعود خلال خمس دقائق، لا تنظر إليَّ كما لو أن ذلك ليس جواباً صحيحاً. أنت رجل المنزل، يفترض بك الاعتناء بإخوتك وأخواتك الصِّغار-لا يفترض بك أن تدعهم يفرون ويعودون نصف مقتولين. لكني أتوقع”، أضافت وهي تنهض عن الكرسي، مسقطة المروحة المصنوعة من الورق المقوَّى، “والدك سوف يحملك على قول الحقيقة. والدتك متساهلة جداً معك”.

لم ينظر إليها بل نحو المروحة التي حطَّت على المقعد المنخفض الأحمر القاني حيث كانت تجلس. أعلنت المروحة عن مرهم عطري للشعر مرسوم عليها امرأة سمراء ورضيعها، لكليهما شعر لماع وهما يبتسمان بسعادة لبعضهما البعض.

قالت الأخت مكندلس: “عزيزتي، يجب عليَّ أن أنطلق. ربما أمرُّ لاحقاً الليلة. لا أظن أنك ستذهبين إلى تاري سرفيس الليلة؟”

تاري سرفيس هو لقاء الصَّلاة الذي يعقد كل ليلة سبت في الكنيسة للشد من أزر المؤمنين وتحضير الكنيسة للقادم من الروح القدس يوم الأحد.

قالت اليزابيت: “لا أظن ذلك”. نهضت وتبادلت مع الأخت مكَّندلس القبل على الخدود. “لكن احرصي على أن تذكريني في صلواتك”.

” سوف أفعل ذلك قطعاً”. توقَّفت ويدها على قبضة الباب ونظرت نحو روي وضحكت قائلة: “مسكين الرجل الصَّغير، أظن أنه سوف يكون راضياً بالجلوس على سلم النجاة الآن”.

ضحكت اليزابيت معها. “من المؤكد أنه لابد أن يكون درساً له” ثم سألت بعصبية وهي لا تزال تبتسم، “تظنين أنه سوف يحتفظ بتلك الندبة، أليس كذلك؟”

قالت الأخت مكَّندلس: “يا رب، لا، لا شيء سوى خدش. يا أخت جريمز أنت أسوأ من طفل. عدة أسابيع أخر ولن تكوني قادرة على رؤية ندبة. لا، اذهبي وتابعي عملك المنزلي يا عزيزتي، واشكري الرب أن الأسوأ لم يحدث “. فتحت الباب فسمعوا صوت وقع أقدام على الدَّرج. قالت الأخت مكندلس برباطة جأش: “أتوقع أن هذا هو الكاهن، أراهن أنه سوف يثير شغباً”.

قالت اليزابيت: “ربما هي فلورنس. تأتي أحياناً إلى هنا في مثل هذا الوقت”. وقفتا في المدخل تحدقان بينما وصلت الخطوات إلى بسطة السُّلم في الأسفل وبدأت مجدداً تصعد إلى طابقهم. قالت اليزابيت حينئذ: “لا، تلك ليست مشيتها. هذا غابرييل”.

قالت الأخت مكَّندلس: “حسناً، أنا سوف أمضي وأمهد له سماع ما حدث” ضغطت على يد اليزابيت وهي تتحدث وحدَّقت نحو الصَّالة تاركة الباب خلفها موارباً قليلاً. التفتت اليزابيت ببطء عائدة إلى الغرفة. لم يفتح روي عينيه أو يتحرك، لكنها عرفت أنه لم يكن نائماً، تمنَّى أن يؤجل حتى آخر لحظة ممكنة أي اتصال مع والده. وضع جون صحيفته وكتابه على الطاولة ووقف ينحني على الطاولة، يحدق فيها.

قال: “لم يكن خطئي، لم أستطع منعه من النزول إلى الأسفل”.

قالت: “لا، ليس هناك ما يستدعي القلق. أخبر والدك الحقيقة وحسب”.

نظر مباشرة نحوها والتفتت إلى النافذة تحدِّق نحو الشَّارع. ماذا كانت تقول الأخت مكندلس؟ ثم سمعت من غرفة نومها نواح دليلة الخفيف والتفتت مقطِّبة تنظر نحو غرفة النَّوم ونحو الباب الذي لا يزال مفتوحاً. عرفت أن جون كان يراقبها. واصلت دليلة النَّحيب، فكَّرت بغضب الآن: تلك الفتاة أصبحت كبيرة جداً على ذلك، لكنها خشيت من أن توقظ الطفلة شقيقها بول وأسرعت إلى غرفة النَّوم. حاولت أن تهدئ دليلة لتعود إلى النَّوم. ثم سمعت الباب الأمامي يفتح ويغلق-بصوت مرتفع جداً رفعت دليلة صوتها، وحملت اليزابيت الطفلة مطلقة تنهيدة تنم عن الغيظ، طفلتها وطفلة غابرييل، أطفالها وأطفال غابرييل، روي، دليلة، بول، كان جون فقط بلا اسم وغريباً، دليل حي ومبرم على أيام والدته في الرذيلة.

سأل غابرييل: “ما الذي حدث؟”. وقف ضخماً في زاوية الغرفة يتدلى صندوق الغداء الأسود من يده ويحدِّق نحو الأريكة التي يستلقي عليها روي. وقف جون أمامه تماماً، بدا لها منظراً مدهشاً تحته تماماً، تحت قبضته، فردة حذائه الثقيلة. حدَّق الطفل بالرجل بافتتان ورعب-عندما رأت فتاة أرانب تقف مشلولة تماماً أمام كلب ينبح. أسرع غابرييل إلى الأريكة يشعر بثقل دليلة بين ذراعيه مثل ثقل ترس ووقف عند روي قائلاً:

“لا شيء لتقلق بشأنه، غابرييل. تسلل هذا الصبي إلى الأسفل بينما كنت أدير ظهري وجرح نفسه قليلاً. هو بخير الآن”.

فتح روي عينيه، كما لو مؤكداً الآن ونظر بهيبة نحو والده. رمى غابرييل صندوق غداءه مصدراً قعقعة وركع إلى جانب الأريكة.

“كيف تشعر يا بني؟ أخبر والدك بما حدث؟”

فتح روي فمه ليتحدَّث ثم عاد إلى سابق حاله من الذعر وبدأ يبكي. أمسك والده بكتفه.

“أنت لا تريد أن تبكي. أنت رجل والدك الصَّغير. أخبر والدك بما حدث”.

قالت اليزابيت: “نزل إلى الأسفل حيث لم يكن لديه ما يفعله هناك وتشاجر مع أولاد أشرار يلعبون على كومة الحجر. هذا ما حدث وإنها لرحمة أنه لم يحدث ما هو أسوأ”.

تطلَّع نحوها: “ألا يمكنك أن تدعي هذا الولد يجيبني بنفسه؟”

متجاهلة هذا تابعت بلطف أكبر: “جرح جبهته، لكن لا شيء يثير القلق”.

“ألن تتصلي بطبيب؟ كيف تعرفين أن لا شيء يستدعي القلق؟”

“هل حصلت على المال ليرمى على الأطباء؟ لا، لن أتصل بأي طبيب. نظري سليم ويمكنني أن أميز فيما إذا أكان مصاباً إصابة شديدة أو لا. لقد خاف أكثر من أي شيء آخر وينبغي عليك أن تصلي لله أن يلقنه درساً”.

قال: “لديك الكثير لتقوليه الآن، لكن سيكون لدي ما أقوله في غضون دقيقة. سأرغب بمعرفة متى حدث كل هذا، ماذا كنت تفعلين بعينيك حينها”. عاد ليلتفت نحو روي الذي تمدد ينتحب بهدوء عيناه مفتوحتان باتساع وجسده متصلب: والآن عند ملمس والده تذكر الصَّخرة العالية الشَّاهقة المنزلقة تحت قدميه، الشَّمس، توهج الشَّمس، اندفاعه في الظلمة ودمه المالح، ومرتداً بدأ بالصراخ عندما مسَّ والده جبهته.

دندن والده وهو يهتز: “اهدأ، اهدأ، اهدأ. لا تبكِ. والدك لن يؤذيك، هو يريد فقط أن يرى هذه الضَّمادة، أن يرى ما فعلوه بهذا الرجل الصَّغير”. لكن روي واصل الصُّراخ وما كان ليهدأ وغابرييل لم يجرؤ على أن يرفع الضَّمادة خوفاً من أذيته أكثر. ونظر إلى اليزابيت بحنق: “ألا يمكن أن تضعي تلك الطفلة وتساعديني مع هذا الولد؟ جون، خذ أختك الصغيرة من أمك-لا يبدو على أي منكما أن لديه حس جيد “.

أخذ جون دليلة وجلس معها في الكرسي المريح. مالت أمه على روي، وضبطته، بينما رفع والده بعناية-لكن مع ذلك صرخ روي -الضِّمادة وحدق بالجرح. بدأ نشيج روي يخفت. أعاد غابرييل تعديل الضمادة. قالت اليزابيت أخيراً: “كما ترى، هو ليس على وشك أن يموت “.

“من المؤكد أنه ليس خطؤك كونه ليس ميتاً”. هو واليزابيت تأملا بعضهما للحظة في صمت. “كان يمكن أن يفقد عينه. بالتأكيد، ليست عيناه واسعتين مثل عينيك، لذا افترض أنك لا تظنين بأن هذا يهم كثيراً”. عند هذا جمد وجهها، ابتسم وقال: “يا رب ارحم، تظنين أنت ستتعلمين أن تفعلي الصواب؟ أين كنت عندما حدث كل هذا؟ من سمح له بالنزول؟”

“لم يسمح له أحد بالنزول إلى الأسفل، لقد ذهب وحسب. لديه رأس مثل والده تماماً، عليه أن يتحطم قبل أن يذعن. كنت في المطبخ”.

“أين كان جوني؟”

“كان هنا؟”

“أين؟”

“كان على سلَّم النجاة”.

“ألم يعلم أن روي كان في الأسفل؟”

“أظنُّ ذلك”.

“ماذا تعني بأنك تظنين ذلك؟ هو لم يرث عينيك الواسعتين عبثاً، صحيح؟” تطلَّع نحو جون.

“يا ولد، أنت ترى أخاك يذهب إلى الأسفل؟”

“غابرييل، لا معنى لمحاولة إلقاء اللوم على جوني. أنت تعلم تماماً أن هناك مشكلة في دفع روي لأن يحسن التصرف، هو لن يصغي إلى أخيه. هو لا يصغي إليَّ إلا بالكاد”.

“كيف حدث أنك لم تخبر والدتك أن روي كان في الأسفل؟”

لم يقل جون شيئاً، محدقاً نحو الغطاء الذي غطى دليلة.

“يا ولد، هل تسمعني؟ تريدني أن أجلدك؟”

قالت: “لا، لن تفعل، لن تجلد هذا الولد بالسوط، ليس اليوم، ما من أحد يلام على استلقاء روي هناك الآن سواك-أنت لأنك أفسدته فهو يظن أنه يمكن أن يفعل أي شيء وينجو بفعلته. أنا هنا لأقول لك إنها ليست طريقة لتنشئة أي طفل. أنت لا تصلي للرب كي يساعدك على أن تتصرف بشكل أفضل مما كنت تفعل، أنت ستعيش لتذرف دموعاً مريرة لأن الله لم يأخذ روحه اليوم”. وكانت ترتجف.

تقدَّمت غير مبصرة من جون وأخذت دليلة من ذراعيه. عادت لتنظر إلى غابرييل الذي كان قد نهض ووقف قرب الأريكة يحدق نحوها. ووجدت في وجهه ليس الغضب فقط الذي ما كان ليثير استغرابها، لكن الكره عميقاً جداً ليصبح لا يطاق في افتقاره للشخصية. كانت عيناه زاخرتين لا تتحركان، تغشاهما الضغينة-شعرت بتوقه ليشهد هلاكها مثل جذب الأرض عند قدميها. ثانية حركت الطفلة في ذراعيها كما لو كان استرضاء. وعند هذا تغيرت عيناه، نظر إلى اليزابيت أم أولاده، الزوجة التي منحها له الرب. ثم غامت عيناها، تحركت لتغادر الغرفة فعلقت قدماها بصندوق الغداء الموضوع على الأرض.

قالت: “جون، احمل صندوق غداء والدك كما ينبغي لولد صالح أن يفعل”.

 سمعت من خلفها حركته الزاحفة عندما غادر الكرسي المريح، حفيف وخشخشة صندوق الغداء عندما رفعه، حانياً رأسه الدَّاكن قرب مقدِّمة فردة حذاء والده الثقيل.

Read Full Post »