Feeds:
Posts
Comments

Posts Tagged ‘قصة قصيرة’

أغذية محفوظة للحياة

أولغا توكارتشوك

ترجمتها عن البولندية أنطونيا ليولد جونز

ترجمتها عن الإنكليزية أماني لازار

عندما توفيت أقام لها جنازة لائقة. حضرت جميع صديقاتها وهنَّ سيدات مسنات قبيحات يعتمرن قبعات البيريه ويرتدين معاطف شتوية مع ياقات من فراء حيوان الكيب فاحت برائحة كرات النَّفتالين، تبرز رؤوسهن منها مثل زوائد ممتقعة اللون وكبيرة. شرعن يعولن ببراعة عندما أنزل النعش يتدلى على حبال مشبعة بمياه المطر، ثم توجهنَّ محتشدات في مجموعات صغيرة تحت قباب مظلاتهن المثنية والمزينة بصورة لا تصدق إلى محطات حافلتهن.

ذلك المساء ذاته فتح الخزانة التي حفظت فيها وثائقها وبحث هناك غير عارف عمَّ كان يبحث. أموال. حصص سرية. قراطيس مالية لأجل عمر الشيخوخة تماماً، معلن عنها دوماً على شاشة التلفاز بصحبة مشاهد خريفية تعج بأوراق الأشجار المتساقطة.

كان كل ما وجده عدد من كتيبات التأمين قديمة من سنوات الخمسينات والستينات، بطاقة عضوية حزب تخص والده الذي توفي العام 1980 وهو مؤمن ايماناً لا تشوبه شائبة أن الشيوعية كانت نظاماً خالداً وخارقاً للطبيعة وأيضاً رسوماته من مدرسة الحضانة محفوظة بعناية في مجلد من الورق المقوى مربوط بشريط من المطاط. كان مؤثراً أنها احتفظت برسوماته-ما كان ليتخيل هذا على الإطلاق. كان هناك أيضاً دفاترها ممتلئة بوصفات لصنع المخللات والصلصات والمربَّيات. بدأت كل واحدة على صفحة مستقلة وكان اسم كل واحدة مزيناً بزخارف بسيطة-تعبير مطبخي عن الحاجة إلى الجمال. “مخلل مع الخردل”. ” منقوع القرع à la Diana إلى ديانا”. “سلطة آفنيون”. “فطر البوليتوس على الطريقة الكريولية”. كان هناك أحياناً انحرافات ثانوية: على سبيل المثال “جيليه قشر التُّفاح” أو “عَلَم حلو في السُّكر”.

هذا حثَّه على التَّفكير بالنزول إلى القبو-لم يكن قد نزل إليه منذ سنوات. لكنها كانت تسر لقضاء الوقت هناك في الأسفل، بطريقة ما هو لم يسبق له أن توقف على الإطلاق للتساؤل حول هذا الأمر. كلما فكَّرت أنه كان يشاهد المباراة بصوت مرتفع جداً، كلما بدت دمدمتها الواهنة سدى، كان ليسمع خشخشة المفاتيح ثم باب يصطفق وكانت لتختفي لوقت طويل للغاية، وقت سعيد. في هذه الأثناء كان ليسلِّم نفسه بسعادة لعمله الأثير: إفراغ علبة بيرة تلو الأخرى وهو يتابع فريقين من الرجال يرتدون قمصاناً ملوَّنة عندما تحركوا من نصف الملعب إلى نصفه الآخر.

بدا القبو مرتَّباً للغاية. هنا انبسط حصير صغير مهترئ-أوه نعم، تذكره من الطفولة وهنا انتصب كرسي مخملي وعليه غطاء منسوج مطوي بأناقة. كان هناك أيضاً مصباح ليلي وبعض الكتب التي قرئت حتى تهرأت. لكن كان للرفوف الممتلئة بمرطبانات المحفوظات القشيبة الوقع الأكبر عليه.  ملصق على كل واحد منها بطاقات عاودت الظهور عليها أسماء من الكراس. “خيار صغير في ماء ساتسيا المالح، 1999″، ” مقبلات الفليفلة الحمراء، 2003″، “دهن السيدة ز”. بدت بعض الأسماء غامضة: “خيوط الفاصولياء المعلبة”. لم يتمكن طوال عمره أن يفكر بمعنى “معلَّب”[1] لكن مرأى الفطر الباهت أو الفليفلة الحمراء قانية اللون محشورة في مرطبان كبير أثار رغبته بالحياة. أنعم النظر في مجموعة المحفوظات لكن لم يتمكن من إيجاد أية ملفات مليئة بالأوراق مخفية خلفها أو أية أوراق مالية ملفوفة. بدت كما لو أنها ما تركت له أي شيء.

لقد وسَّع مكان سكنه نحو غرفة نومها- رمى الآن ملابسه القذرة وخزَّن صناديق البيرة هناك. من حين إلى آخر حمل واحداً من صناديق الأغذية المحفوظة إلى الطابق الأعلى، فتح مرطباناً بفتلة مفردة من يده وأخرج المحتويات بواسطة شوكة. بيرة ومكسرات اختلطت مع الفليفلة المخللة أو خيار صغير غضٌّ مثل الأطفال الرضع، طعمه رائع. جلس أمام التلفزيون يتأمَّل حالته الجديدة في الحياة، حريته الجديدة، وشعر كما لو أنه اجتاز للتو الامتحانات المدرسية النهائية وأن العالم كله فتح له أبوابه. كما لو أن حياة جديدة أفضل كانت تبدأ. كان الآن في خريف العمر-بلغ السنة المنصرمة الأربعين من عمره-لكنه شعر بأنه شاب مثل متخرج من المرحلة الثانوية.

وعلى الرغم من أن المال من مرتب تقاعد والدته الأخير كان ينفد تدريجياً، كان لا يزال يملك الوقت ليتخذ القرارات الصائبة-في هذه الأثناء كان يأكل ببطء ما تركت له من ميراث. على أحسن تقدير كان يشتري الخبز والزبدة والبيرة. بعد ذلك ربما كان حقاً ليبحث عن عمل، شيء كانت تناكده بشأنه خلال آخر السنوات العشرين الأخيرة. قد يذهب إلى مكتب العمل-لا بد أنهم سيجدون شيئاً يناسب حاصلاً على الشهادة الثانوية يبلغ من العمر أربعين عاماً مثله. ربما يتأنق في البدلة الخفيفة التي كوتها بإتقان وعلقتها في خزانة الملابس وقميص أزرق يتلاءم معها ويتوجه إلى البلدة. طالما لم يكن هناك مباراة تعرض على التلفزيون.

ومع ذلك افتقد خطى خفيها المتثاقلة، كان قد اعتاد على ذلك الحفيف الرتيب، مصحوباً عادة مع صوتها الهادئ وهي تقول: “ألا يمكنك أن تمنح نفسك استراحة من ذلك التلفزيون، ألا يمكنك الذهاب للقاء بعض الناس، ألا يمكنك أن تلتقي بفتاة؟ هل تنوي أن تمضي بقية حياتك هكذا؟ يجب أن تجد شقة لنفسك-لا يوجد مكان كاف لكلينا هنا. الناس تتزوج، تنجب أطفالاً، اذهب في عطلة تخييم واجتمع بالناس في حفل شواء. أما عنك، ألا تشعر بالعار أن تعتني بك امرأة مسنة ومريضة؟ بداية والدك والآن أنت-ينبغي عليَّ أن أغسل وأكوي لك ثيابك وأحمل جميع الحاجيات من السُّوق إلى البيت. هذا التلفزيون دوماً يزعجني، لا أستطيع النوم، لكنك تجلس أمامه حتى الفجر. بحق الأرض ما الذي تشاهد طوال الليل؟ كيف أنك لا تشعر بالملل منه أبداً؟” كانت لتكرر هذا بتلك الطريقة لساعات بلا توقف، لذا اشترى لنفسه سماعات. كان ذلك حل من نوع ما-لم تتمكن من سماع التلفزيون، وهو لم يتمكن من سماعها.

لكن الآن بد هادئاً للغاية. غرفتها التي كانت في السابق مرتبة وأنيقة تعج بمناديل المائدة وخزائن الزجاج انكمشت تحت أكوام من صناديق الورق المقوى، ثم أخذت تصبح ممتلئة برائحة غريبة-لشراشف بالية، جص لعقته ألسنة الفطريات، ومكان مطوق-مع عدم وجود منافذ لتتدفق وتتخمر. ذات يوم بينما كان يبحث عن مناشف نظيفة وجد مجموعة كاملة أخرى من المرطبانات في أسفل خزانة الملابس، كانت مخفية تحت أكداس من الشراشف أو استقرت بين لفائف الصُّوف مثل موالين، الطابور الخامس من عالم المرطبانات.

ألقى بنظرة دقيقة عليها-أنها تختلف عن المرطبانات في القبو من ناحية القِدم. كانت الكتابة على البطاقات باهتة قليلاً والسنتان 1991 و1992 تكررتا غالباً، لكن كان هناك بعض العينات المنفردة أكثر قدماً-1983، وواحد من العام 1978. ذلك ما سبَّب الرائحة الكريهة. الغطاء المعدني أصابه الصدأ وسمح للهواء بالدُّخول. أي يكن ما استخدم سابقاً ليكون المرطبان تحول الآن إلى كتلة بنية. رماه بعيداً في اشمئزاز.

ظهرت كتابات مشابهة على البطاقات: “يقطين في هريس الزبيب” أو “زبيب في هريس القرع”. كان هناك أيضاً خيار صغير صار لونه أبيض تماماً. لكن كان هناك الكثير من المرطبانات الأخرى التي ما كان ليستطيع التعرف على محتوياتها، عداك عن بطاقات التسمية الكريمة والمهذَّبة. أصبح الفطر المخلل هلاماً داكناً مبهماً، المربيات خثرة سوداء. تصلب معجون كبد الإوز وتحوَّل إلى قبضات صغيرة منكمشة. وجد المزيد من المرطبانات في خزانة الأحذية وفي مكان ضيق خلف حوض الاستحمام. كانت مجموعة مذهلة.

هل كانت تخفي عنه الطَّعام؟ هل حضَّرت تلك المؤن من أجلها، وهي تفكر أن ابنها ذات يوم سوف ينتقل؟ أو ربما تركتهم بالفعل من أجله متخيلة أنها سوف ترحل أولاً-في النهاية، الأمهات يرحلن قبل أبنائهن، لذا ربما أرادت أن تجهز كل تلك المرطبانات من أجل مستقبله. تفحَّص المحفوظات بمزيج من العاطفة والاشمئزاز، إلى أن صادف واحداً تحت مغسلة المطبخ معنوناً “شرائط الأحذية في الخل، 2004 ” وذلك لا بد أنه أجفله. نظر إلى الشرائط البنية الملفوفة في كرة وتعوم في ماء مالح وبينها خرادق الفلفل الحلو السوداء. شعر بالانزعاج، هذا كان كل شيء.

كلما سحب السَّماعات من أذنيه وذهب إلى الحمَّام كانت لتكون مستلقية بانتظاره، كانت تخرج بخطى متثاقلة من المطبخ وتسد طريقه. تأوهت قائلة: “كل صغار الطيور يغادرون العش-هذا النظام الطبيعي، الأهل يستحقون راحة. ذلك قانون ينطبق على الطبيعة بمجملها. لذا لماذا لا تزال تزعجني؟ كان يجب أن تنتقل منذ وقت طويل وتحصل لنفسك على حياة تخصك” ثم وهو يحاول بلطف أن يمر بها، كانت لتتلقفه من كمِّه ويرتفع صوتها بل يصبح أكثر حدة: “أستحق شيخوخة هادئة. دعني وشأني، أريد أن أستريح”. لكنه كان بالفعل في الحمام، كان يدير المفتاح ويستسلم لأفكاره. كانت تحاول أن تعترض سبيله ثانية في طريق عودته لكن أقل إدانة الآن. ثم كانت تسير بخفة وتختفي في غرفة نومها وكل أثر لها سيتبدد حتى صباح اليوم التالي عندما سوف تحدث عمداً قرقعة بالأطباق والطناجر فلا يتمكَّن من النوم.

لكن كما يعرف الجميع، تحب الأمهات أولادهنَّ، وهذا من سجايا الأمهات، أن تكنَّ مُحبات وغفورات. لذا هو لم يكن قلقاً على الإطلاق بشأن أربطة الأحذية أو الإسفنجة في صلصة البندورة التي وجدها في القبو. بأية حال، كان معنوناً بإخلاص “إسفنجة في صلصة البندورة، 2001”. فتحه وتحقق من أن البطاقة لم تكن خاطئة ورماه في سلة القمامة. لكنه كان أيضاً يجد بعض الأطايب الحقيقية. احتوى واحد من آخر المرطبانات على الرف العلوي في القبو على لحم العرقوب اللذيذ. أو ثمار الشَّمندر الصغيرة المتبَّلة والحارة وجدها خلف السِّتارة في غرفتها. خلال يومين كان قد التهم محتويات عدة مرطبانات. من أجل التحلية غرف قليلاً من مربى السَّفرجل بإصبعه.

من أجل المباراة بين فريقي بولندا وانكلترا حمل صندوقاً كاملاً من المحفوظات من القبو وأحاطها بمجموعة مماثلة من علب البيرة. مدَّ يده في الصندوق بشكل عشوائي، يلتهم المحفوظات دون النظر إلى ما كان يأكل. انتبه إلى مرطبان صغير لأنها كانت قد ارتكبت خطأ مضحكاً: “مخلل المشدوم[2]، 2005″. استعمل شوكة لاستخراج حبات الفطر البيضاء الناعمة التي انزلقت في حنجرته كما لو أنها حية. كانت قد سجلت بعض الأهداف لذا هو لم يلاحظ حتى عندما كان قد التهم الكثير. عندما انبغى عليه الذهاب إلى الحمام في الليل، اعتقد أنها كانت واقفة هناك تتأوه بصوتها الحاد بشكل لا يطاق، لكن عندها تذكر أنها ماتت في الحقيقة. استمر يتقيأ حتى الصباح لكن هذا لم يساعد كثيراً. في المشفى أرادوا أن يجروا له عملية زرع كبد لكن لم يتمكنوا من العثور على معطي لذا دون أن يستعيد وعيه فارق الحياة بعد عدة أيام.

نشأت بعض المشاكل لأنه لم يكن يوجد أحد لاستلام الجثة من المشرحة أو لتنظيم الجنازة. أخيراً حضرت صديقات والدته للمطالبة بها، أولئك السَّيدات المسنات الدميمات معتمرات قبَّعات البيريه ومظلاتهن الملونة بشكل غير معقول مفتوحة فوق القبر، أدَّين شعائر جنازتهن البائسة من أجله.


[1] Appertized: نسبة إلى نيكولاس أبيرت الذي كان طباخا فرنسيا في باريس ورئيس للطباخين في الفترة من 1784 إلى 1795، وهو مولود في 17 نوفمبر 1749وهو أيضا صانع حلوى اشتهر بسبب اكتشافه طريقة يستطيع بها حفظ الأغذية الغذائية.

[2] بدلاً من أن تكتب Mushroomsأي الفطر كتبت Mushdooms.

Read Full Post »