Feeds:
Posts
Comments

Posts Tagged ‘نيويوركر’

 

 

 

اخترع لاو لان طريقة علمية لإنفاذ الماء المضغوط إلى الشرايين الرئوية للحيوانات الذبيحة. تستطيع بهذه الطريقة إفراغ  دلو من الماء في مئتي خنزير صيني، بينما أنت بالكاد يمكنك إفراغ نصف دلو من الماء في جثة بقرة ميتة بواسطة النظام القديم. معدل المال الذي صرف من قبل الأذكياء من سكان المدينة على الماء من قريتنا عندما فكروا بأنهم يدفعون مقابل اللحم على مدى سنوات لن يعلمه أحد، لكنني واثق من أنه سوف يكون رقماً كبيراً صادماً.

كان للاو لان كرشٌ عارم وخدود متوردة، ولصوته رنينٌ عال كجلجلة جرس. باختصار، كان قد ولد ليكون موظفاً غنياً. بعد ترفيعه لمنصب رئيس القرية، علَّم  بإيثار رفاقه القرويين نظام حقن الماء وأطلق بينهم بصفته زعيم الأغنياء المحليين نشاط الخدعة. تحدث بعض القرويين بغضب وبعضهم هاجموه على  لوحة الإعلانات، داعين إياه عضواً في طبقة ملاك الأراضي الثأريين، التي كانت تنوي تدمير قاعدة بروليتاريا القرية. لكن حديث مثل ذلك كان قد مضى عهده. أعلن لاو لان عبر شبكة مكبرات الصوت في القرية ، أن” التنانين تنجب التنانين، العنقاوات تنجب العنقاوات، والفأر ولد فقط ليحفر الجحور.” أدركنا في ما بعد أنه كان مثله مثل معلم الكونج فو الذي لن يمرر أبداً كل مهاراته إلى تلامذته -الذين يشكلون خلفه شبكة أمان كافية. لحم لاو لان كان محقوناً بالماء، ككل لحوم الآخرين، لكن لحمه بدا أكثر طراوة ورائحته أجمل. تستطيع تركه خارجاً في الشمس ليومين دون أن يفسد، بينما لحوم الآخرين تنتشر فيها الديدان إذا لم تبع في يومها الأول. لذا لم يكن على لاو لان أبداً أن يقلق بشأن تخفيض السعر لو لم يبع ما بحوزته فوراً، فاللحم بدا جيداً كما لو أنه لم يكن مهدداً أبداً بخطر عدم البيع.

أخبرني والدي ليو تونج، بأنه ليس ماءاً ما حقنه لاو لان في لحم ماشيته بل غاز الفورمالديهايد. كان والدي أذكى من لاو لان. لم يدرس الفيزياء أبداً، لكنه عرف كل شيء عن الكهرباء السالبة والموجبة ، لم يدرس أبداً العلوم، لكنه كان خبيراً في النطاف والبيوض وهو لم يدرس أبداً الكيمياء، لكنه كان مطلعاً جيداً على أن الفورمالدهايد يمكن أن يقتل البكتيريا ويحفظ اللحم من الفساد، ويرسخ البروتين، فكيف له أن يحزر بأن لاو لان حقن الفورمالدهايد في لحم ماشيته. إذا ما كان الغنى في أجندة والدي، لن يكون لديه مشكلة في أن يصبح الأكثر ثراءاً في القرية، أنا واثق من ذلك. لكنه كان تنيناً بين الرجال، وليس لدى التنانين اهتمام في تكديس الأملاك. لا بد رأيت مخلوقات مثل السناجب والجرذان تحفر الجحور لتحفظ الطعام، لكن من ذا الذي رأى نمراً، ملك الحيوانات، يفعل شيئا مثل ذلك؟ تقضي النمور معظم أوقاتها نائمة في عرينها، تخرج فقط عندما تجوع لتتصيد فريسة. وبشكل مشابه، قضى والدي معظم وقته مختفياً، يأكل، يشرب، يستمتع بوقته، يخرج فقط عندما يرسله ألم الجوع للبحث عن مدخول. ليس هناك من شبه ولو للحظة بلاو لان والناس من تلك الطبقة الذين يكدسون المال الدامي واضعين السكين في البياض ليخرجوها حمراء. ولم يكن مهتماً بالنزول إلى محطة القطار ليكسب أجور حمَّال بعرق جبينه كالبعض من رجال القرية القساة. والدي كسب لقمة عيشه بذكائه.

في الأزمنة القديمة، كان هناك طاهٍ مشهور اسمه باو دينج، و كان خبيراً في نقش البقر. في الأزمنة الحديثة، كان هناك رجل خبيرٌ في قياسهم- والدي. لم يكن البقر في عيون باو دينج شيئاً سوى العظام واللحم الصالح للأكل. وهذا ما كانوا عليه في نظر والدي أيضاً. نظرة باو دينج كانت حادة كسكين، ونظرة والدي أيضاً ودقيقة ككفة ميزان. ما قوله هو: إذا ما كنت تسوق حياة بقرة لأبي فلسوف يدور حولها دورتين، ثلاثة على الأكثر، أحياناً يربت  بيده على أرجل الدابة الأمامية- فقط ليرى- ويقرر بثقة وزنها الإجمالي وكمية اللحم على عظامها، دائماً بفرق كيلو مما قد يسجل على ميزان رقمي مستخدم في مسلخ ماشية انكلترا الأكبر .

في البدء، ظن الناس بأن والدي ليس سوى متبجح، ولكن بعد تجربته عدة مرات وثقوا به. وبحضوره أخرج حظاً أعمى من الحسابات في التعاملات بين رعاة البقر والجزارين، وأسس قاعدة للإنصاف. كلما كانت سلطته في مكان، طلب كل من رعاة البقر والجزارين استشارته، آملين بأن يفوزوا بجانب. لكن، كرجل البصيرة فهو لن يعرض للخطر أبداًسمعته من أجل أرباح قليلة، وعندما سيفعل ذلك سوف يحطم صحن رزه. إذا أتى راعي البقر إلى بيتنا مع هدية من النبيذ والسيجار، رماهم والدي إلى الشارع، ومن ثم تسلق جدار حديقتنا ولعن بأعلى صوته. إذا ما أتى اللحام مع هدية من رأس خنزير، رماه أبي إلى الشارع، ثم تسلق جدار حديقتنا ولعن بأعلى صوته. قال كل من الجزار وراعي البقر بأن ليو تونج كان أحمقاً، لكنهم عرفوا بأنه الرجل الاكثر عدلاً.

وثق الناس به ضمنياً، حتى إذا ما وصلت الصفقة إلى مأزق، سينظر الأطراف إليه ليعترفوا بأنهم أرادوا أشياء مبتوت بأمرها. ” لنتوقف عن الجدل ونسمع ما يقول ليو تونج!” “حسناً، لنفعل ذلك. ليو تونج، كن أنت الحكم!”  بنفس مغرور، سوف يدور أبي حول الحيوان مرتين، ناظراً إلى كل من البائع والشاري، ثم يلقي بنظرة إلى السماء ويعلن الوزن الكلي ومعدل اللحم على العظم، ويتبعه السعر. ثم سيطلب بعدها أن يدخن سيجارة. يقترب كل من البائع والمشتري ويتصافحان. ” حسناً! اتفقنا!” مرة كان الاتفاق معقداً، أتى كل من المشتري والبائع إلى والدي وصافحاه وأعطى كل منهما عشرة يوانات شاكرين إياه على مجهوده.

ما يجب أن يكون واضحاً هو التالي، قبل أن يظهر والدي في مزادات الماشية، كانت الصفقات تعقد بواسطة سماسرة من الطراز القديم،  رجال كبار في السن قذرين، نحفاء، مكفهرين، يقفون في طوابير مدلاة ظهورهم، كانوا محترفين في فن المساومة بإشارات الإصبع المخفي في طبقات الأكمام العريضة، وهكذا يزودون المهنة بهواء الغموض. قاد والدي بشكل فعال السماسرة ذوو العيون الماكرة بعيداً عن مسرح التاريخ. هذا التقدم الملحوظ في البيع والشراء من الماشية من ذوات الحوافر يمكن فقط بالقليل من المبالغة، تسميته ثورياً. عين والدي القوية لم تكن محدودة بالمواشي لكن عملت على الخنازير والأغنام أيضاً. مثل نجار محترف يصنع طاولة لكن أيضاً يمكن أن يصنع كرسياً وإذا كان موهوباً بشكل خاص، يمكن أن يصنع تابوتاً، لم يكن لدى والدي مشكلة حتى في تقدير الجمال.

في صبيحة يوم صيفي، حملني والدي على أكتافه متوجهاً نحو مطحنة الحبوب. كنا لا نزال نعيش في كوخ مكوَّن من ثلاث غرف كنا قد ورثناه عن جدي. يبدو كوخنا بشكل خاص الآن رثاً وبغيضاً لأنه كان متوضعاً بين العديد من البيوت المبنية حديثاً بأسطحها القرميدية الحمراء،  مثل شحاذ منحنٍ قبالة قبضة ملاك الأراضي والتجار الأغنياء في الحرير والساتان، طالباً حسنة. يصل الحائط المحيط بفناء منزلنا بالكاد إلى خصر الكبير و قد علت قمته الأعشاب الضارة. شكراً لكسلي، أبي النهم، نحيا حياة التطرف، بقدور من اللحم على الموقد خلال الأوقات الخيرة والقدور الفارغة خلال الأوقات السيئة. أينما حل كان هدفاً لشتائم أمي المسعورة، سيقول، “في أي يوم من الآن، قريباً جداً، ستبدأ حملة الإصلاح الزراعي الثانية، و ستشكرينني عندما يحدث هذا.

لم يحسد لاو لان للحظة، بما أنه سوف يصطف مثل والده مالك الأرض ذاك، منجراً نحو رأس الجسر مساقاً من قبل الفلاحين الفقراء كي يقتل. ” سيصوب بندقية متخيلة نحو رأس الأم ويطلق النار يلتفت ويطلق: بانج! سوف تخفي رأسها بكلتا يديها وتذهب شاحبة من الرعب. لكن حملة الإصلاح الزراعي الثانية لم تأت ولن تأتي، والأم الفقيرة كانت مجبرة أن تجلب للبيت البطاطا الحلوة الفاسدة التي رماها الناس بعيداً وهي تستطيع أن تطعم الخنازير. خنزيرينا الصغيرين لم يحصلوا أبداً على طعام كاف وصرخوا جياعاً أغلب الوقت. كان ذلك مزعجاً.

ذلك الصباح،  ثار أبي غاضباً، ” أي جحيم تصرخين بسببه؟ استمري بذلك وسوف أقذفكم أيها الحقيرين التافهين في قدر وأكلكم على العشاء.”

حملقت أمي به وساطور الجزار في يدها، ” لا تفكر حتى في ذلك،” قالت. ” هؤلاء خنازيري. لقد ربيتهم، وليس من أحد سيؤذي شعرة فيهم. حتى لو مات السمك وتقطعت الشباك.”

” هوني عليك،” قال والدي، بضحكة مرحة. ” لم أرغب في لمس جلد وعظم الحيوانات من أجل أي شيء.”

نظرتُ نظرة طويلة نحو الخنازير- كان حقيقة أنه لم يكن هناك الكثير من اللحم على أي منهما، لكن آذانهما السمينة الأربعة ممكن أن يصنع منها وجبة خفيفة جيدة. بالنسبة لي، الآذان كانت أفضل جزء من رأس الخنزير- ليست مدهنة، ليس فيها الكثير من الشحم، وعظامها الصغيرة الرفيعة تقرمش بلذة. وكانت أفضل مع الخيار- النوع الشائك منه مع الزهور-  وبعض الثوم المطحون وزيت السمسم. ” يمكننا أكل آذانهم!” قلت.

” سوف أقطع أذنيك وآكلهم أولاً، أيها اللقيط الصغير!” قالت أمي. أمسكت بأذني و شدتها بقسوة، بينما حاول أبي أن يحررني منها- من رقبتي- وصرخت بكل ما لدي من قوة، خائفاً من أن تمزق أذني. سمعت صرخاتي كصراخ الخنازير المذبوحة في القرية. في النهاية، استطاع أبي، بقوته الفائقة، أن ينترني طليقاً.

جعل الغضب وجه أمي بلون الشمع وشفتاها بلون الأرجوان، وقفت عند الفرن تهتز من رأسها حتى أخمص قدميها. لعنتُ، لفظت اسمها متشجعاً بحماية والدي، بأعلى صوتي: ” يانج يوزن، أيتها العجوز الكريهة لقد جعلت حياتي أشبه بالجحيم!”

حدقت بي فقط، مذهولة بثورتي، بينما ضحك  أبي في خفوت، ينتقدني، وأخذ يركض. كنا خارجاً في الفناء في حين سمعنا عويل أمي العالي. ” أستطيع أن أموت. أنا غاضبة جداً، أيها اللقيط التافه.”

أمسكني والدي من رأسي وقال بنعومة، ” أيها العفريت الصغير، كيف عرفت باسم أمك؟

نظرت إلى بشرته الداكنة،  وجه كئيب. ” لقد سمعتك تقوله!”

” متى أخبرتك أنا بأن اسمها يانج يوزن؟”

” لقد أخبرته للعمة وايلد ميول.  لقد قلت، ” يانج يوزن،  تلك العجوز القذرة، حولت حياتي إلى جحيم!”

ثبت والدي يده على فمي وقال بصوت منخفض، ” اسكت، عليك اللعنة. لقد كنت أباً جيداً. لا تدمر الأشياء فوقي الآن.”

خرجت أمي من المنزل و الساطور في يدها. ” ليو تونج،” صرخت، ” ليو خياو تونج، أنتما كلاكما أولاد عاهرات، أيها الحقيرين التافهين، لن أهتم إذا ما مت اليوم لو تمكنت من أخذكما معي. اليوم سوف نرى نهاية هذه العائلة!”

أعلنت النظرة الرهيبة على وجهها لي بأنها لم تكن تمزح. ربما عاش والدي حياة فاسقة، لكنه لم يكن أحمقاً. الرجل الذكي يتجاوز الخطر. أعادني إلى الخلف، مثبتاً إياي تحت ذراعه، التفت، وركض نحو الجدار وقفز فوقه، مخلفاً وراءنا حنق أمي والكثير من المشاكل. لم يكن عندي أدنى شكوك بقدرته على القفز فوق الجدار، وقد فعل، لكنها لم ترغب بذلك. عندما قادتنا خارجاً نحو الفناء، توقفت عن مطاردتنا. قفزت لفترة عند قدم الجدار، ثم ذهبت عائدة الى الداخل لتنهي تقطيع البطاطا الفاسدة وتملأ الهواء بالشتائم العالية. كانت طريقة رائعة لتنفيس الغضب. بدون دم وبدون فوضى، دون سقوط بجهل القانون، مع ذلك أعرف بأن هذه البطاطا الفاسدة كانت تمثل رؤوس أعداءها الألداء.

الآن، عندما أعود بالتفكير إلى الوراء، أكتشف بأن العدو اللدود الحقيقي في ذهنها  لم يكن أبي ولا أنا- لقد كانت وايلد ميول، التي افتتحت محلاً للخمر في القرية. كانت أمي مقتنعة بأن البغي أغوت أبي، وأنا ببساطة لا أستطيع الجزم إذا كان هذا أم لم يكن تقييماً عادلاً للحالة. حيث كانت علاقة أبي مع ويلد مولي مقلقة، الوحيدين الذين عرفوا من أغوى الآخر، من أطلق النظرة المغازلة الأولى، كليهما.

كان سبعة أو ثمانية من تجار الماشية يجلسون على قفاهم عند حافة طاحونة الحنطة عندما وصلنا إلى هناك، يدخنون السجائر بينما ينتظرون ظهور الجزارين. ( تحولت قريتنا إلى مسلخ كبير، الحقول، من أجل كل الأغراض والمرامي، تركت الأرض، وطاحونة القمح أصبحت المكان حيث تباع الماشية وتشرى.) ربضت القطعان على الجانب، في غيبوبة تجتر مضغها، غافلة عن موتها الوشيك. أغلب التجار من الأقاليم الغربية، يتحدثون بلكنة مضحكة، كالممثلين في مسرحيات الراديو. يظهرون كل عشرة أيام تقريباً، كل واحد منهم يجلب رأسين من الماشية، ربما ثلاثة. كانوا في أكثر الأحيان يأتون في قطار بطيء للشحن وللمسافرين، الرجال والدواب في عربة واحدة، ليصلوا إلى المحطة قرب القرية نواحي الغروب. ولا يصلون إلى القرية إلا بعد منتصف الليل، بالرغم من أن المحطة لا تبعد أكثر من عشرة (لي)[1] ات. كان التجوال الذي من المفترض أن يأخذ ساعة أو ساعتين ليس أكثر يحتاج من هؤلاء التجار وماشيتهم أكثر من ثمان. لماذا يفضلون الوصول إلى قريتنا في منتصف الليل؟ كان ذلك سرهم. سألت أهلي عندما كنت شاباً وبعض شيوخ القرية هذا السؤال نفسه. لكنهم لم يرمقوني سوى بنظرات متحجرة، كما لو أني سألتهم عن معنى الحياة أو سؤال يعرف الجميع جوابه.

كان وصول الماشية إشارة لكلاب القرية كي تجمع كورس النباح، الذي أيقظ الجميع- الرجال، النساء، الشبان، والعجزة- وأعلمنا بأن تجار الماشية صاروا هنا. في ذكريات شبابي، كانوا غامضين كثيراً، وهذا الإحساس بالغموض كان بالتأكيد نابع من دخولهم المتأخر ليلاً إلى القرية. في بعض الليالي المقمرة ،عندما كان كورس نباح الكلاب يكسر الصمت، كانت أمي تصحو متدثرة بغطاء، ملصقة وجهها بالنافذة، ومحدقة بالمشهد في الخارج. هذا كان قبل أن يهرب والدي منا مع ويلد مولي، لكن كانت هناك ليالي لا يأتي فيها للمنزل. أنهض، بدون ضجة أيضاً وأنظر خلف أمي، من النافذة، نحو تجار الماشية يقودون الحيوانات بصمت خلف بيتنا، الماشية المغسولة حديثاً تلمع في ضوء القمر مثل قطع كبيرة من الأواني الفخارية الملساء. لو لم يكن هذا التيار الهائج من النباح، لكنت ظننت بأني أراقب مشهداً في حلم جميل، حتى مع الكلاب، كلما أعدت التفكير الآن، فهو يبدو كذلك.

تفخر قريتنا بالعديد من النزل، لكن التجار لم ينزلوا أبداً فيها، وبدلاً من ذلك، هم يقودون ماشيتهم مباشرة نحو طاحونة القمح منتظرين طلوع الفجر، حتى لو كانت الرياح تعصف أو تمطر بغزارة، إذا ما كان الهواء بارداً جداً أو حاراً رطباً. في بعض الليالي العاصفة كان أصحاب الحانات يخرجون لتسوية أعمالهم، لكن يبقى التجار وماشيتهم في ظروف قاسية كالتماثيل، لا مبالين، مهما كانت الدعوة بليغة. ذلك كان بسبب أنهم لم يرغبوا أن يصرفوا القليل من المال؟ لا، قال الناس بأنه بعد أن يبيعوا ماشيتهم يذهبون إلى المدينة للشرب ومعاشرة البغايا ولا يتوقفون عن صرف المال إلا عندما لا يبقى لديهم سوى ثمن بطاقة للقطار البطيء العائد الى البيت. لا يمكن أن تكون طريقة حياتهم مختلفة عن تلك التي يعيشها الفلاحون. تفكيرهم ، أيضاً. عندما كنت طفلاً، سمعت في أكثر من مناسبة بعضاً من قرويينا البارزين يعلقون، بتحسر، ” هيه، أي نوع من الناس هم؟ ما الذي يجري في رؤوسهم تلك؟” عندما يأتون إلى السوق، يجلبون معهم أبقارهم البنية والسوداء، الذكور والإناث، أبقار ناضجة وتلك التي لم تبلغ بعد، وجلبوا مرة حتى بقرة صغيرة مرضعة بدت حلماتها مثل أباريق الماء، وكان لدى والدي مشكلة في تقدير سعرها، عندما لم يعرف إذا ما كان الضرع صالحاً للأكل أو لا.

سينهض تجار الماشية عندما يرون أبي. مرتدين نظارات عاكسة في الصباح الباكر، كان لها مظهر مخيف، بالرغم من أنهم ابتسموا مبدين الاحترام. ينزلني أبي من على أكتافه، جاثياً على كفله عشر خطوات أو ما يقارب ذلك بعيداً عن التجار، مخرجاً علبة السجائر المجعدة، ساحباً سيجارة ملتوية، رطبة. سيخرج تجار الماشية علبهم، وسترمى عشر سجائر أو أكثر على الأرض عند أقدام والدي. الذي سيجمعهم ويضعهم خلفه بعناية. ” لاو ليو، أنت أيها العجوز اللعين، يقول أحد التجار. ” دخنهم. أنت لا تظن بأننا نحاول أن نشتري عطفك ببعض السجائر الرديئة، أليس كذلك؟ ” سوف يبتسم أبي فقط ويشعل دخانه الرخيص.

عندها سيبدأ جزارو القرية بالظهور، مثنى وثلاثاً، كلهم يبدون كما لو أنهم كانوا خارجين من الحمام، بالرغم من أني استطعت اشتمام رائحة الدم على أجسادهم، التي راحت تعرض ذلك الدم- سواء كان من أبقار أو خنازير- الذي لم يغسل. ستحتشد الماشية معاً مشتمة رائحة الدم على الجزارين،  الخوف يلمع في عيونها.

بدأت المفاوضات بوصول الجزارين. عندما التفوا حول الحيوانات، ربما يفكر مراقب عادي بأنه كان لديهم مشكلة في تقرير أي واحدة يشترونها. لكن، إذا ما وصل واحد منهم واختطف الرسن، خلال ثلاث ثواني، سيفعل الآخرون الشيء نفسه، وبسرعة البرق، كل الأبقار ستكون مباعة. لن يكون بإمكان أحد أن يتذكر أنه رأى جزارين يتقاتلان على الحيوان نفسه، لكن إذا ما حدث شيء ما مثل ذلك ستحل المشاحنة سريعاً. في أغلب المهن، المتنافسون أنداد، لكن الجزارين في قريتنا كانوا متحدين في صداقة، محضرين لمجابهة أي وكل خصم كأخوة. عندما كل واحد منهم يحمل ساطوراً في يده، يقترب تجار الماشية ببطء ويبدأ الجدال. الآن حيث أن أبي وطد نفوذه، لم يعد لهذه المجادلات إلا قليل أهمية، أصبحت موضة قديمة، محض عرف، لأنه كان متوقفاً عليه- امتلك هو الكلمة الفصل. الرجال سيسوقون عائدين بقرة في حبل ، صاعدين لفترة، ثم يمشون نحو والدي، كطلب شهادة للزواج في قاعة المدينة.

لكن شيء ما خاص حدث في ذلك اليوم: بدلاً من التوجه مباشرة نحو الأبقار، اختار الجزارون أن يذرعوا صاعدين نحو حافة الساحة، ابتسامتهم التي تخفي شيئاً جعلت أي شخص رآهم غير مرتاح شيء ما كان يخبأ في تلك الابتسامات التي ألمحت إلى البغض، كما لو أن مؤامرة كانت تحاك، واحدة ممكن أن تنفجر في أية لحظة. ألقيت بنظرة خائفة نحو والدي، الذي جلس هناك يدخن بتبلد واحدة من سجائره الرخيصة، كما يفعل كل يوم. رميت سجائر أفضل نحوه من قبل التجار بقيت على الأرض لم يمسها. بعد أن عقدت الاتفاقات، سيتقدم الجزارون، يجمعون سجائرهم، ويدخنوها. وبينما يدخنون، سوف يثنون على والدي لعدم قبوله الرشوة. ” لاو ليو،” سيقول أحدهم، بشبه إطراء، ” لو كان كل الصينيين مثلك، كانت عرفت الشيوعية منذ عقود مضت.” سيبتسم ولن يقول شيئاً. وفي تلك اللحظة امتلأ قلبي بالزهو الذي سأصرح به ذلك أنه كان الطريقة التي أفعل بها الأشياء، وهو كان من الرجال الذين أقتدي بهم. لقد كان واضحاً للتجار أيضاً بأن شيئاً كان يحوم في الهواء ذلك اليوم، والتفتوا ليروا والدي، ما عدا البعض الذين تعوزهم الحماسة راقبوا الجزارين وهم يعبرون. تم التوصل إلى الاتفاق الضمني: كل شخص كان ينتظر ليرى ما سيحصل، كالجمهور المنتظر بصبر كي تبدأ المسرحية.

سطعت شمس حمراء براقة على الحقول من الشرق، مثل وجه حداد متورد، وممثل بدور البطولة يظهر أخيراً في الدراما عند المطحنة: لاو لان، الرجل الطويل، القوي بعضلات نامية جيداً. كان لديه لحية بنية كثيفة، بنفس لون عينيه، التي تجعلك تتساءل إذا ما كان من جذر صيني أصيل. اتقد وجهه بشمس مشرقة. مشى نحو والدي، لكن نظرته كانت مركزة على الحقول خلف الجدار الترابي الجاثم، حيث أشعة شمس الصباح أبهرت العين. شبَّت المحاصيل خضراء، تبرعمت الزهور ، تشتم عطرها في الهواء، قبرات غردت في السماء المتوردة. أبي، الذي لم يبدو شيئاً بعيون لاو لان، ربما أيضاً أنا كان جالساً بمحاذاة الحائط. و من الطبيعي إذا لم يكن يعني والدي له شيئا أنا حتى أقل منه ربما كان مبهوراً بالشمس- ذلك كان أول فكرة خطرت لعقلي اليافع- لكني فهمت سريعاً بأن لاو لان كان يحاول أن يستفز والدي.

وهو يرفع رأسه للتحدث إلى الجزارين والتجار، فتح سحاب بنطاله، مخرجاً قضيبه الداكن، وأطلق جدولاً من البول الأصفر المحروق في وجهينا أبي وأنا مباشرة. هاجمت رائحة حارة كريهة خياشيمي. لقد كان جدولاً قوياً، ربما جمعه طوال الليل، بدون أن يريح نفسه، وبذلك ربما يذل والدي. هبطت السجائر على الأرض وتدحرجت في بول الرجل، منتفخة حتى فقدت شكلها. علا ضحك غريب من جماعات الجزارين والتجار عندما أخرج لاو لان عضوه، لكنهم توقفوا لأن الخطر كان كما لو أن يد عملاق وصلت وأمسكتهم من الحناجر. حدقوا بنا بفم أخرس ولسان صامت، بنظرات من الدهشة المتجمدة في وجوههم. حتى الجزارين الذين عرفوا بأن لاو لان أراد أن يختلق قتالاً مع والدي لم يتخيلوا أنه سيفعل شيئاً مثل ذلك. سال بوله على أقدامنا وساقينا وبعض من رذاذه على وجوهنا وأفواهنا. قفزت ساخطاً، لكن والدي لم يحرك ساكناً. جلس هناك كحجر.” اللعنة على أمك لاو لان”، صرخت، والدي لم يأت بحركة، لبس لاو لان ابتسامة المتفوق، كانت عيون والدي مغلقة مثل هؤلاء المزارعين المبتهجين برؤية المطر يقطر من الأفاريز.

عندما انتهى لاو لان من التبول، أغلق سحاب بنطاله ومشى إلى حيث كانت المواشي رابضة. سمعت تنهدات طويلة من الجزارين والتجار، لكني لم أتمكن من معرفة إذا ما كانت ناجمة عن اسف لأن شيئا لم يحدث أو عن سعادة بسبب ذلك. وبهذا مشى الجزارين بين المواشي واختاروا ما يريدون بسرعة. عندها تقدم التجار وبدأت المفاوضات. لكني أستطيع الجزم بأن قلوبهم لم تك صافية لذلك، ذلك أن شيئا آخر يشغل تفكيرهم غير إجراء الصفقات. بالرغم من أنهم لم يكونوا ينظرون إلى والدي، كنت واثقاً من أنهم يفكرون به. وهو ما الذي كان يفعله؟ كان قد جذب ركبتيه إليه وخبأ وجهه فيهما، مثل صقر ينام بين شعاب شجرة. ولأني لم أستطع رؤية وجهه، لم يكن لدي وسيلة لأعرف شيئاً عن حاله في تلك اللحظة. لكني لم أك سعيداً لما رأيته من ضعف. ربما لم أكن سوى فتى، لكني عرفت بكم من السوء أهان لاو لان والدي، وعرفت أيضاً بأن أي شخص يحترم نفسه لن يدع هذا يمر دون قتال، أثبت ذلك بلعناتي. لكن والدي بقي صامتاً كما لو أنه ميت.

انفضت المفاوضات في ذلك اليوم من دون تدخله. لكن عندما انتهوا، كل الجماعات مشت نحوه كالمعتاد ورمت بعض النقود عند قدميه. وأول من فعل ذلك لم يكن سوى لاو لان. ذلك اللقيط الهجين، لم يكتف على ما يبدو بالتبول في وجه أبي، مخرجاً ورقتين من فئة العشر يوانات من الإصدار الجديد مفرقعا بهم بين أصابعه كي يلفت انتباه أبي. لكنه لم يفلح، لأنه كان يخفي وجهه خلف ركبتيه، وهذا ما ب لأنه كان يخفي وجهه خلف ركبتيه، وهذا ما بدا مخيبا لأمل لاو لان. ألقى بنظرة سريعة على ما حوله، ثم ألقى بالورقتين النقديتين عند قدمي والدي، واحدة منهما استقرت في بركة بوله الذي لا يزال يتصاعد بخره، حيث عششت  قبالة السجائر المتحللة، الرطبة. في تلك اللحظة، لا بد أن أبي كان ميتاً. لقد أرق ماء وجهه ووجه أسلافه. لم يكن رجلاً، نزل إلى مستوى السجائر المنتفخة السابحة في بول خصمه. بعد أن رمى لاو لان ماله، التجار والجزارين تبعوه، والعطف في وجوههم، كما لو أننا كنا فريق من اب وابنه من الشحاذين الذين يستحقان الشفقة. رموا أرضا ضعف المعدل الذين يعطونه عادة لأبي، كمكافأة على عدم مقاومته أو في محاولة لمجاراة كرم لاو لان.

وأنا أحدق بكل تلك النقود التي سقطت عند قدمينا مثل كثير من الأوراق الميتة، بدأت بالبكاء، وسرعان ما رفع والدي رأسه. لم تكن أي علامة لغضب على وجهه، أو حزن. لقد كان كله يلتمع مثل قطعة من الخشب الجاف. حدق بي ببرود، نظرة من الارتباك في عينيه، كما لو أن ليس لديه فكرة عن سبب بكائي. مددت جسمي وتعلقت برقبته.” ديه” قلت، ” لم تعد والدي بعد الآن. سوف أنادي لاو لان ديه قبل أن أعود لمناداتك ديه ثانية!”

انفجر الرجال بالضحك في نفس اللحظة من حولنا سريعاً مذهولين بصرخاتي. رفع لاو لان لي إبهامه مؤيداً. ” خياو تونج” قال، ” أنت حقيقة ذلك الشيء الذي أحتاجه، ابن. أنت مرحب بك منذ الآن في منزلي في أي وقت. إذا ما رغبت بلحم الخنزير ستحصل عليه، وإذا ما رغبت بلحم البقر، فستحصل عليه أيضاً. وإذا ما أتيت بأمك سأرحب بكما بأذرع مفتوحة.”

هاجمته غاضباً لأن تجاهل الإهانة كان أمراً عظيماً. تفادى هجمتي بسهولة، وقعت على الأرض بوجهي ما أدى إلى جرح شفتي.

قال بقهقهة عالية، ” أنت أيها الثقب الصغير، تهاجمني بعد أن دعوتني ديه! من ذا الذي بكامل عقله ويرغب في ابن مثلك؟”

لما لم يقدم أحدهم لي المساعدة ، كان علي أن أقف على قدمي بنفسي. مشيت نحو والدي ورفسته على ساقه كي أنفس عن خيبة أملي. وليس فقط أن فعلي هذا لم يجعله غاضباً، بل لم يكن حتى مهتماً له. فرك وجهه فقط بيديه الناعمتين الكبيرتين. ثم مطط ذراعيه وتثاءب مثل قط كسول، ناظراً إلى الأرض، وببطء واع، حذر، جمع الأوراق النقدية التي كانت تتحرك في بول لاو لان،  ممسكاً بكل واحدة قبالة الضوء، كما لو أنه يريد أن يتأكد إن لم تكن مزورة. أخيراً، التقط ورقة لاو لان الجديدة التي كانت قد أصبحت قذرة في البول وجففها ببنطاله. الآن كل المال كان مكدساً بترتيب على ركبته، أمسكه بين إصبعيه المتوسطين من يده اليسرى، وبإبهامه وسبابته راح يعده. ركضت كي اخطفهم من يده، عازماً انتزاعهم ورميهم في وجه لاو لان، لأثأر للإهانة التي  وقعت علينا نحن الاثنين، الأب والابن. لكنه كان سريعاً جداً، قفز ورفع يده اليسرى عالياً في الهواء، متمتماً،” أيها الولد الأحمق، ما الذي تظن أنك فاعله؟ المال هو المال. المال لا يلام، بل الناس، لا تلقي بغضبك على المال.” منتزعا كوعه من يدي اليسرى، حاولت أن أنشب طريقي في جسده لتمزيق ذلك المال الموصوم بالعار من يده. لم أتوفق في ذلك، ليس بمواجهة رجل بالغ. لقد كنت غاضباً جداً أقحمت رأسي في حضنه أكثر وأكثر، لكنه ربت على رأسي وقال بلطف،” هذا يكفي الآن، بني، لا تندفع كثيراً. انظر هناك نحو ثور لاو لان-انظر- إنه يغضب.”.

 لقد كان ثوراً سميناً كبيراً، بقرون مستقيمة وعضلات متموجة مخفية تحت جلد حريري، النوع الذي رأيته لاحقاً على الرياضيين في التلفزيون. لقد كان أصفر ذهبي، كله إلا وجهه، الذي كان أبيضاً بشكل مفاجئ. لم أر أبداً ثوراً بوجه أبيض من قبل. لقد كان مخصياً، والطريقة التي ينظر بها نحوك من زاوية إحدى عينيه كانت كافية لتجعل شعر رأسك يقف حتى نهاياته. الآن عندما أعود بتفكيري، كانت ربما النظرة التي يصفها الناس عندما يتحدثون عن المخصيين. يغير الإخصاء طبيعة الرجل، وهذا يفعل الشيء نفسه بالثيران. بتحديقة الثور نحوي، جعلني والدي أنسى أمر المال، على الأقل للحظة. التفت في الوقت المناسب كي أرى لاو لان يخرج من الساحة مختالاً، يسوق ثوره. ولماذا لا يفعل، بعد الطريقة التي أهان بها والدي المستسلم؟ ارتفع اعتباره في القرية وبين تجار الماشية بطريقة دراماتيكية. هو واجه الشخص الوحيد الذي نبذه كمن ليس له علاقة وفاز، ليس من شخص في القرية سيتحداه ثانية أبداً. هذا فقط جعل ما حدث لاحقاً مروعاً جداً ذلك أني لست متأكداً بأني أصدقه حتى الآن، ولسنوات بعد.

 شد لاو لان الرسن كي يجعل الثور الذي كف عن السير يمشي ثانية. لم يستجب. حتى بمحاولة ثانية، جعل الثور يستهزئ من استعراض لاو لان لقوته. أي جزار ماشية من أهل المهنة، لديه رائحة تستطيع بشكل طبيعي أن تجعل جلد عجل جبان يرتعش مثل ورقة وتتسبب حتى بحرون الحيوان الذي يتوقع خنوعاً موته عندما يقف قبالته ، والسكين في يده .غير قادر على جعل الثور يتحرك ثانية بشده من الرسن، ذهب حوله ونخزه على كفله بصرخة تصم الآذان. الآن، أغلب الحيوانات ستفقد سيطرتها على أحشائها متأثرة بتلك الضربة والصرخة، لكن هذا الثور لم يضيع الوقت عبثاً. رفس لاو لان الحيوان في بطنه غير مهتم لطبيعته متمتعاً بوهج انتصاره على والدي، بسلوك جندي مغرور. حسنا، أدار الحيوان ردفه، مطلقاً خواراً عالياً، مخفضاً رأسه، ورمى لاو لان في الهواء بقرونه، كما لو أنه لا يزن أكثر من قشة في حصير. تجار الماشية والجزارين كانوا مصعوقين بما حصل للتو، مبهوتين لم يتفوهوا بكلمة، ولم يذهب واحد منهم لمساعدة لاو لان. أخفض الثور رأسه ثانية وهجم. الآن، لم يكن لاو لان شخصاً مألوفاً، وعندما رأى تلك القرون آتية صوبه تدحرج مبتعداً عن الطريق. بعيون تشع بالغضب التف الثور لمهاجمته ثانية، وحمى لاو لان جلده بالتدحرج بعيداً عن الطريق مرة ثانية وثالثة.

عندما كان أخيراً قادراً على الوقوف على قدميه، رأينا بأنه كان قد جرح، ولو قليلاً. وقف هناك بمواجهة الثور، وركيه نحو جانب واحد، لم يزح عينيه عن الحيوان ولو لثانية. أخفض الثور رأسه، تجمع اللعاب في زوايا فمه، وخار عالياً، كما لو أنه يتحضر للهجمة التالية. رفع لاو لان يده ليصرف انتباه الثور، لكن كان من الواضح أنه فقط يتقدم ليظهر شجاعته. بدا مثل مصارع الثيران الخائف الذي يريد فعل أي شيء ليحفظ وجهه. خطا خطوة حذرة نحو الأمام، لم يتحرك الثور. لكنه أخفض رأسه أكثر، في إشارة إلى أن الهجمة التالية كانت وشيكة. في النهاية، فقد لاو لان مزاجه الاستعراضي، صرخ صرخة نهائية واحدة عاصفة التفت، وركض بجنون. وركض الثور خلفه، برز ذيله صلباً ومستقيماً، مثل قضيب حديدي. رفس بحوافره طيناً في كل الاتجاهات، مثل رذاذ، توجه بالفطرة نحو المتفرجين، آملاً أن يجد خلاصاً في الحشد. لكن خلاصه كان آخر شيء في عقولهم. بالصراخ في كل مكان، هم أيضاً، ركضوا ناجين بحيواتهم، يجدفون على أهليهم لأنهم لم يمنحوهم سوى ساقين. ولحسن الحظ، كان لدى الثور الذكاء الكافي لينفرد بلاو لان ولم يفرغ جام غضبه على أي شخص آخر. انطلق التجار والجزارين بشجاعة طائر وهم يتسلقون الجدران ويصعدون الأشجار. ركض لاو لان مصعوقاً بمأزقه مباشرة نحونا أبي وأنا.

بإحساس باليأس، انتزعني أبي من رقبتي بيد وأمسك بحمالات سروالي بالأخرى، ورماني عالياً فوق الحائط لثوانٍ فقط قبل أن يختبئ ذلك اللعين لاو لان خلفه، خالعاً ملابسه حتى لا يستطيع الإمساك به، ويحتجزه بعيداً عن الثور المهاجم. تراجع أبي ، لذا بالطبع ،كذلك فعل لاو لان حتى كانا كلاهما محتجزان قبالة الجدار. لوح والدي بالمال في يده بمواجهه الثور وغمغم،” أيها الثور، ها، أيها الثور ليس هناك ثأر بيني وبينك، ليس الآن، لم يك أبداً، لذا دعنا نحل المسألة.

كل شيء حصل بسرعة أكبر من أن تصفه الكلمات: رمى والدي المال عند وجه الثور وقفز على ظهره قبل أن يعرف الحيوان ماذا كان يحصل. ثم أدخل أصابعه في أنف الثور، مختطفاً حلقه أنفه، وشد رأسه عالياً. الأبقار التي جلبها التجار من الأقاليم الغربية كانت حيوانات مزارع، لذا كلها تحمل حلقة في أنفها. الآن الأنف نقطة ضعف الثور، وما من أحد، حتى أفضل مزارع على قيد الحياة، يعرف أكثر عن الثيران مما يفعل والدي، حتى هو نفسه لم يكن ذلك المزارع. طفرت الدموع من عيني كما لو أنني جالس على قمة جدار. أنا جد فخور بك أبي، فكرت بالطريقة التي أزلت بها العار وأصلحت ماء وجهنا المراق بحكمتك وتصرفك الشجاع.

الجزارون والتجار ساعدوه لينزل الثور الأصفر ذو الوجه الأبيض على الأرض، رغبة في منعه من الهجوم ثانية وإيذاء أي شخص، واحد من الجزارين ركض للبيت، بسرعة أرنب، ليجلب سكين، التي قدمها لوجه لاو لان الشاحب الآن، لكن لاو لان تقدم خطوة للخلف ملوحاً، محولاً المهمة إلى شخص آخر. نظر الجزار نظر من جانب إلى آخر، السكين في يده: ” من سيفعلها؟ لا أحد؟ حسنا أظن أنها من نصيبي.” عندها طوى أكمامه، مسح الشفرة بنعل حذائه، تحصن وأغمض عيناً واحدة، مثل نجار يستعمل الشاقول. جاعلاً هدفه في صدر الثور، ضرب السكين بداخله، وعندما سحبها نفر الدم وصبغ والدي بالأحمر .

الآن وبعد أن مات الثور ، نزل الجميع ، الدم الأحمر المتخثر المستمر في النزف من الذبيحة، يبقبق مثل الماء من نافورة ومطلقاً رائحة كريهة في هواء الصباح النضر. وقف الرجال من حوله مثل بالونات مفرغة، ذاوون وضعفاء بشكل ما. كان هناك الكثير ممن أرادوا القول، لكن لم يتفوه أحدهم بكلمة. إلا والدي، الذي أخفض رأسه بين كتفيه، فاتحاً فمه ليكشف عن أسنان صفراء لكن قوية، وقال،” أيها العجوز في السماء، لقد كنت خائفاً جدا!” .

عندها، التفت الجميع نحو لاو لان، الذي تمنى بوضوح لو يستطيع الزحف داخل جحر. حاول تغطية  ضعفه بإخفاض نظره نحو الثور، الذي كانت ساقيه ممدة بشكل مستقيم، الأجزاء اللحمية من أعضاءه بقيت مشدودة. واحدة من عينيه الزرقاوين بقيت مفتوحة، كما لو لتتحرر من الكره الداخلي. ” عليك اللعنة” قال لاو لان وهو يرفس الحيوان الميت. ” قضيت كل حياتك تتصيد الإوز البري، فقط لينقر فرخ الإوز لك عينك”، نظر نحو والدي. ” أدين لك بواحدة، ليو تونج، لكن أنت وأنا لم ننته.”

” مم ننتهي ؟” سأل والدي. ” لا يوجد شيء بينك وبيني.”

” ألم تمسها!” هسهس لاو لان.

” أنا لم أرغب أبداً بلمسها- هي أرادت ذلك،” قال والدي، بضحكة متفاخرة قليلاً. ” نعتتك بالكلب، ولن تدعك أبداً تمسها ثانية.”

في نفس الوقت، لم يكن لدي فكرة  عما كان يدور كل هذا ، مع أنه لاحقاً، بالطبع، اكتشفت بأنهم كانوا يتحدثون عن وايلد ميول.

لكن عندما سألت، ” ديه، عم تتحدث؟، قال، ” لا شيء الولد بحاجة لأن يعرف.”

” بني” قال لاو لان، ” ألم تقل بأنك أردت أن تكون عضواً في عائلة لان؟ فلماذا تدعوه ديه الآن؟”

“أنت لا تعدو أن تكون كلباً قذراً ” قلت.

“بني” قال، ” اذهب إلى البيت وأخبر أمك بأن والدك قد وجد طريقه إلى كهف وايلد ميول ولا يمكنه الخروج.”

هذا جعل والدي غاضباً كما لو أنه ثور، أخفض رأسه والتفت نحو لاو لان. ولم يكادا يقتربان من بعضهما البعض حتى اندفع الجميع نحوهما لتفريقهما. لكن، في ذلك الوقت القصير، تمكن لاو لان من كسر إصبع والدي الصغير ومزق والدي نصف أذنه. باصقاً عليها بغضب، قال، ” كيف تجرؤ على قول أشياء كهذه أمام ابني، أيها الكلب ابن الحرام!”

ترجمة: أماني لازار


[1] وحدة صينية لقياس المسافة.

Read Full Post »

/مقطع من رواية لاورهان باموق مترجم عن الانجليزية/النص الانجليزي نشر في النيويوركر

 

http://www.newyorker.com/fiction/features/2009/09/07/090907fi_fiction_pamuk

صِلات بعيدة

بَدأتْ سلسلة الأحداث والصُدَف التي غيرت مجرى حياتِي كاملة في السابع والعشرون من شهر نيسان لعام 1975، عندما وقعت عين سيبيل على حقيبة يد من علامة (جيني كولون) الشهيرة المعروضة في واجهة أحد المتاجر بينما كُنّا نتمشى في جادة فاليكوناجي مستمتعين بالامسية الربيعية المنعشة.

حفل اعلان خطوبتنا لم يكن بعيداً و كُنّا في حالة من النشوة والمعنويات العاليةِ. في طريقنا الى فواي ,  ذلك المطعم الجديد الفخم في نيسانتازي؛ لتناول العشاء مع أمي وأبي، وكنا نتناقش حول تفاصيل التحضيرات لحفل الخطوبة، الذي حُدّد في منتصفِ حزيران حتى يتسنى لنورسيهان- صديقة سيبيل منذ أيامِ الدراسة الثانويةِ في مدرسة نوتردام دي سيون في باريس- المجيء مِنْ فرنسا للحُضُور.

 حضَّرت سيبيل منذ مدة طويلة لفستان خطوبتها الّذي ستخيطه عصمت حريري- الخياطة الأغلى أجرا والأكثر طلباً في إسطنبول- وفي ذلك المساء تبادلت سيبيل وأمّي الرأي حول الطريقة التي سيُخيّطونَ بها اللآلئِ -التي أعطتْها أمي لها- على الفستان.

 لقد كانت رغبة عَمِّي المستقبليِ الصريحة بأن تكون حفلة خطوبة ابنتِه الوحيدة باذخة كما لو أنها حفل زفاف، وأمّي كانت سعيدة بتقديم كل ما بوسعها من المساعدة لتحقيق تلك الأمنية .

 أما بالنسبة إلى أبي، فقد كان مفتونا بفكرة أنه سيحظى بكنّة “دَرسَت في السوربون ” كما كان يقال في تلك الأيامِ بين بورجوازيي إسطنبول عن أيّ فتاة كانت تذهب إلى باريس لتلقي اي نوع من انواع العلوم.

 هذا حدث بينما كُنْتُ أوصل سيبيل الى بيتها ذلك المساء، مطوقا اكتافها القوية بحنان ، مزهوا  بكوني سعيدِاً ومحظوظِاً ، اذ قالتْ: “أوه، كم هذه  الحقيبة جميلة! “وبالرغم من أنَّ رأسي كان ما يزال تحت تأثير النبيذِ الذي شربته على العشاءِ، غير أني حفظت في ذهني شكل الحقيبة واسمِ المتجر، وفي اليوم التالي عُدتُ.

لم أكن من أولئك الرجال النبلاء، رقيقي القلوب، اللعوبين الذين يَبْحثونَ دائما عن أقل عذرِ لشِراء الهدايا لنسائهم أَو ليُرسلون لهن الزهورَ، مع هذا ربما كنت أتمنى أن أكون كذلك.

في تلك الأيامِ، ربّاتَ البيوت الضجرات ذوات الثقافة الغربية في الأحياءِ الغنيةِ مثل سيسلي، نيسانتازي، وبيبك لَمْ يَفْتتحْن “معارض فنية، “كما فعلن  لاحقاً، لكنهن أدرن المتاجر ، بتجهيزها بالحلي الرخيصةِ والاطقم الكاملة المهربة مع أمتعتِهن مِنْ باريس وميلان أَو بنسخِ مقلدة عن آخر الألبسةِ المعروضة في المجلاتِ المستوردةِ مثل (Elle and vogue)، حيث كن يبعن هذه السلعِ  بأثمان مضاعفة إلى ربّاتِ البيوت الغنياتِ اللواتي كُنّ يعانين من  الضجر مِثْلهن.

 كَانَت السيدة سيناي مالكة متجرسانزيليز (واسمه ترجمة صوتية لاسم الشارع الباريسيِ الأسطوريِ)، تقربنا من بعيد لجهة أمِّي، لَكنَّها لم تكن موجودة في المتجر عندما دخلته حوالي الساعة الثانية عشرَ حيث جلجلَ الجرس البرونزي الصغير المزدوج العقدِ مرتين جلجلة جعلت قلبِي يقفز من مكانه. كَانَ يوماً دافئا، لكن الجو داخل المتجر كَانَ باردَا ومُظلمَا. في باديء الأمر إعتقدتُ انه ما من احد في الداخل، عيني ما زالَتْا تتأقلمان مع الظلمة بعد نورِ شمس الظهيرة. ثمّ أحسستُ بأن قلبي إرتفعَ إلى حنجرتِي، بقوةِ موجةِ هائلةِ على وشك أَنْ تَتحطّمَ على الشاطئِ.

 ” أريدُ أَنْ أَشتري الحقيبةَ اليدوية المعروضةِ في الواجهة، “إستطعتُ قَول ذلك، مصدوماً لرؤيتها.

“هَلْ تَعْني حقيبة(جيني كولون) الكريمية اللون ؟ “

عندما التقت عيني بعينها، تَذكّرتُها فوراً.

كرّرتُ بنغمة حالمة :”الحقيبة اليدوية المعروضة في الواجهة، “.

قالتْ :”أوه، صحيح، “

وداستْ في الواجهة. وبلمح البصر خلعت فردة حذاءها الاصفر ذو الكعب العالي، فاردة قدمها العاريةَ، التي تم طلاء اظافرها باللون الاحمر بعناية، في أرضيةِ الواجهة، ومدت ذراعَها نحو المانيكان. عيوني سافرتْ مِنْ حذائِها الفارغِ الى سيقانِها العاريةِ الطويلةِ. وبالرغم من ان ايارلم يكن قد حل بعدُ، ولكنها كانت برونزية اللون.

 جعل طولُ ساقيها تنورتُها الصفراءُ المخرّمةُ تَبْدو أقصر. أخذت الحقيبة، عادتْ إلى المنضدة، وبأصابعِها القليلة الخبرة، أزالَت كراتَ المناديل المجعدة، مرية اياي داخل الحقيبة عبر الجيب ذو السحاب، الجيبان الأصغران (كلاهما فارغ)، وأيضاً جيب سري، الذي أخرجت من داخله  بطاقة كَتب عليها “جيني كولون، “طريقتها كانت توحي بالغموضً والجديةَ، كما لو أنَّها كَانتْ تُريني شيءَ ما شديد الخصوصية.

قُلتُ: “مرحباً، فوزون، “. “لقد كبرت! ربما لم تَعْرفُيني.”

“بالطبع، السيد كمال،  عَرفتُك فورا لكن عندما رَأيتُ بأنَّك لَمْ تَعْرفْني فكّرتُ بانه من الافضل أَنْ لا اُزعجَك.”

ثم كان صمت. نَظرتُ ثانيةً في أحد الجيوبِ التي أشارتْ إليها داخل الحقيبةِ. جمالها، أَو تنورتها، التي كَانتْ في الحقيقة قصيرة جداً، أَو شيء آخر ، زعزعَني كليا، ولم أَستطع أَنْ أَتصرّفَ بشكل طبيعي.

“حَسناً. . . ماذا تَفْعلُين هذه الأيامِ؟ “

“أَستعد لإمتحاناتِ دخول الجامعة. وأنا أَتي الى هنا كُلّ يوم، أيضاً. هنا في المتجر، أُقابلُ الكثير مِنْ الناسِ الجدّدِ.”

“ذلك رائعُ.اذن، اُخبرُيني، كَمْ سعر هذه الحقيبة ؟ ” مغضنة حاجبيها، نَظرتْ في بطاقة السعر المكتوبة بخط اليدِ في الاسفل: “ألف وخمسمائة ليرة.” (في تلك الايام، كَانَ هذا المبلغ يكاد ان يساوي اجرة ستّة اشهرِ لموظف حكومي صغير. ) “لكن أَنا متأكّدة من ان السيدة سيناي سوفُ تقدم لك  سعرا خاصّا. ذَهبت إلى البيتُ للغداء ومن المفترض ان تكون الان في قيلولة، لهذا لا أَستطيعُ الاتصال بها. لكن إذا كنت تستطيع أَنْ تعود في المساء. . .” “هذا لَيسَ مهمَا، “قُلتُ، وَاخرجت محفظتَي  بايماءة خرقاء ،  في الغالب سخرت منها فوزون فيما بعد- عَددتُ الاوراق النقدية الرطبةَ. لَفَّت فوزون المحفظة بالورق، بعناية لكن بإنعدامِ خبرة واضحِ، وبعد ذلك وَضعَتها في  كيس بلاستيكي. عبر كل تفاصيل ما كان يجري ادركت بأنّني اعجبت بذراعيها العسلية-المسمرة وايماءاتها الرائعة السريعة. عندما سلّمتْني الحقيبةَ بشكل مؤدّب، شَكرتُها. “رجاءً اوصلي سلاماتي إلى العمّة نسيبة وأبوكِ، “قُلتُ، بَعْدَ أَنْ أخفقَت في تَذْكر اسمِه حينها . ثمّ، للحظة، تَوقّفتُ: تَركَ شبحي جسمُي وكَانَ الآن، في زاويةِ ما من السماءِ، يَعانقُ فوزون ويُقبّلُها. توجهت بسرعة للبابِ. جلجل الجرس ، و سَمعتُ  تَغريد كناري. خَرجتُ إلى الشارعِ، مسرورا لإحْساْسي بالدفء. كُنْتُ سعيدا  لشرائِي الحقيبة؛ أحببتُ سيبيل كثيراً. قرّرتُ أَنْ أَنْسى هذا المتجر، وفوزون.

 على الرغم من هذا، على العشاءِ في ذلك المساء اخبرت أمِّي بأنّني مَررتُ بقريبتنا فوزون حيث كنت اشتري حقيبة  لسيبيل. قالت امي:”أوه، نعم، بنت نسيبة تَعْملُ في ذلك المتجرالذي تملكه سيناي، يا للاسف! “. “هم لم يَزُورونَنا حتى في ايام العُطَلِ. مسابقةِ الجمال وَضعتْهم في مثل هذا الموقف الصعب. أَمر بالمتجر كُلّ يوم، لَكنِّي لا أَستطيعُ ان اجبر نفسي على الدخول كي اسلم على الفتاة المسكينة ولايخطر في بالي ان افعل حقيقة. لكن عندما كَانتْ صغيرةً، تَعْرفُ، أنا كُنْتُ مولعة بها كثيرا. عندما كانت تاتي نسيبة لتَخْيط لنا ، كانت تَاتي معها، ، أحياناً. و كنت أُخرج لُعَبكَ من الخزانة، لتَلْعبُ بَهم بشكل هادئ بينما أمّها تعمل. أمّ نسيبة، العمّة ميهريفير، التي ترقد الان بسلامِ كَانتْ انسانة رائعِة، أيضاً.”

 “بالضبط ما قرابتنا لهم؟ “

لأن أبي كَانَ يشاهد التلفزيون ولا يعطي اذنا لما نقولهَ، إستهلّتْ أمَّي قصّةَ مُتقَنةَ حول أبيها، الذي ولد في نفس السَنَةِ التي ولد فيها اتاتورك، وتماما مثل مؤسس الجمهورية ، درس في مدرسةَ سمسي افندي.

 وعلى ما يبدو ان جدي كمال ادهم كان له زواج سابق قبل ان يعقد قرانه على جدتي، زواج مبكر جدا في عُمرِ الثلاثة وعشرون، إلى والدةِ جّدة فوزون، التي كَانَت مِنْ اصولِ بوسنيِة، ولقيت حتفها في حروبِ البلقان، أثناء إخلاءِ ايديرني.

 بالرغم من ان  الإمرأة السيئة الحظ لم تنجب أطفالَ من كمال ادهم، الا انها كَانَ لديها  ابنة، تدعى ميهريفير، مِن زواج سابق لها من  شيخ فقير، حيث كانت قد تزوجت في عمر صغير “. لذا العمّة ميهريفر جدة فوزون، التي كَانتْ قَدْ ترعرعت بين  تشكيلة غريبة جداً مِنْ الناسِ) وابنتها، السيدة نسيبة (أمّ فوزون)، لم تكن  قريبتنا بالمعنى الدقيق للكلمة؛ هم كَانوا كأنسباء لنا، ومع ذلك أمّي كانت تصر دوما على توجيهنا لمخاطبة نساء هذا الفرعِ البعيدِ للعائلةِ ب “عمّة.”

 أثناء زيارتهم الأخيرةِ لنا في احدى الاجازات، استقبلت أمَّي هذه العائلة الفقيرةِ (التي عاشتْ في شوارع التيسبيكية الخلفية) إستقبالا شديد البرودة مما تسبب لهم بمشاعرِ الأذى، بسبب ما حدث منذ سنتين حيث سمحت العمّة نسيبة لابنتِها بعمر الستّة عشرَ عاما التي كانت طالبة في مدرسة نيسانتازي الثانويةِ للبناتِ ودون ان تخبر احدا، ، بدُخُول مسابقة الجمال. أمّي، على الرغم من هذا الا انها كانت تَعَلم بأنّ العمّةِ نسيبة قد شجّعَت ابنتَها،حتى انها كانت تفخر بهذا العمل المثيرِ ، الذي كان يَجِبُ أنْ يُسبّبَ لها الإحْساْس بالخزي بدلا من الفخر، وهذا ما جعل قلب امي يقسو تجاه العمّةِ نسيبة، التي لطالما أحبّتْها وحمتها.

من جهتها، قدرت العمّةَ نسيبة أمّي دائماً، التي كَانتْ تكبرها بعشرون عاما وكَانتْ مساندة لها عندما كَانتْ  شابّة تَذْهبُ من بيت لبيت في أحياءِ إسطنبول الأكثر غِنى، للبحثِ عن العملِ كخياطة.

قالتْ أمّي :”لقدكَانوا في غاية الفقر “

  وخشية أن تُبالغُ، أضافتْ، “بالرغم من ذلك فهم لم يكونوا الوحيدين، يا بني ان كُلّ الاتراك كَانَوا فقراء في تلك الأيامِ.”

 أوصتْ أمُّي بالعمّةَ نسيبة لدى جميع أصدقائها، وكانت تَدْعوها إلى بيتِنا مرة كل سَنَة (أحياناً مرّتين)  لتَخْيط الثياب لبَعْض الحفلات أَو الاعراس.

أنا لَمْ أَرها كثيرا لأن زياراتِ الخياطة هذه كانت تحصل كثيرا اثناء دوامي في المدرسة،. لكن في عام 1957، في نِهايِةِ شهر اب، أمّي احتاجت الى فستان لحضور حفل زفاف بشكل عاجل، دَعت نسيبة إلى بيتِنا الصيفيِ، في السويدية. ذِهبتا إلى الغرفةِ الخلفيةِ في الطابقِ الثانيِ، المشرفُ على البحرِ، و كانتا تجلسان فوق بجانب النافذةِ، التي تطل على سعفِ النخيلِ، زوارقَ التجديف ،القوارب والأولاد الذين كانوا يَقْفزونَ على الرصيفِ.

عندها كانت نسيبة تفتح صندوق خياطتها، الذي كان غطائه  مُزَيَّن بمنظر لإسطنبول، وتجلسان مُحاطتينَ بمقصِّاتها، الدبابيس، شريط القياس، الكشتبانات، قطع القماش المخرم وموادّ أخرى، تضايقهما  الحرارةِ، البعوض، والخياطة المرهقة في مثل هذه الظروف ، وكن يتمازحن كأختين، ويَبْقين لما بعد منتصف الليل يعملن بجدّ على ماكينةِ خياطة امي من ماركة سنجر.

َاتذكّرُ بكري، الطباخ، حاملا كؤوس شرابِ الليمون الواحد تلو الآخرِ إلى تلك الغرفةِ (الهواء الحار مثقل بغبارِ القطيفةِ)، لأن نسيبة، التي كَانَت حبلى في العشرين من عمرها ، كَانَت تتوحم؛ عندما جَلسنَا على الغداء، أمّي كانت تمازح بكري، قائلة “مهما طلبت  الحبلى ،  يَجِبُ أَنْ تجلب لها، وإلاَّ فإن الطفل سَيَلد  قبيحا! “، وفي بالي ايضا، أَتذكّرُ نَظْرتي إلى بطن نسيبة الصغير بإهتمام شديد. لا بدّ وأن هذا كَانَ وعيي الأولَ لفوزون، مع ذلك لم يكن أحد يعَرفَ في ذلك الحين هل ستكون  بنتا أَو  ولدا.

قالت امي: “نسيبة لَمْ تُعلمْ زوجَها – حتى انها كَذبتْ بشأن عُمرِ بنتِها وادَخلتْها في مسابقةِ الجمال تلك، ” وهي تفكر غاضبةِ، “الشكرْ لله، انها لَمْ تَفز، لقد أُنقذوا من ذلك الخزي الاجتماعي . فلو ان ادارة المدرسةَ علمت بهذا، لكَانوا سَيَطْردونَ البنتَ. . . . لا بدَّ وأنْها أنهتْ المدرسة الثانويةَ . أنا لا أَتوقّعُ بأنّها سَتَكمل دراستها، غير اني لم اعد اعرف شيئا عنهم، منذ ان انقطعوا عن زيارتنا في العُطَلِ. . . . هَلْ يُمكنُ ان يوجد شخص واحد في هذا البلد لا يعرف اي نوع من الفتيات، هؤلاء الذين يشتركن في مسابقات الجمال؟ كَيفَ تَصرّفتْ مَعك؟ “

هذه كَانتْ طريقة أمِّي للقول بأنّ فوزون بَدأَ ت بمعاشرة  الرجالِ. أنا سمعت نفس الكلام مِنْ ِ أصدقاءِ نيسانتازي اللعوبين عندما  ظَهرَت فوزون في صورة مَع المشتركين في الدّور النّهائي الآخرينِ في صحيفةِ ميليت، لكني وجدت الامر برمته محرجا لذا حاولت ان لا أَبدي أي إهتمامِ. بعد هذا صَمتنَا، هَزّتْ أمَّي إصبعِها بشكل مشؤوم وقالتْ لي، “كُنْ حذراً! أنت على وشك الارتباط بانسانة مميزة جداً، سَاحِرة جداً، فتاة رائعة جداً! لماذا لا تُريني المحفظةِ التي إشتريتَها. ممتاز! “هي كَانتْ تنادي أبي” انظر! كمال اشترى لسيبيل حقيبة! “

“حقاً؟ “قال ابي، تعبيره السعيد يَفترض بأنّه رَأى واعجب بالحقيبةِ كإشارة الى مدى سعادة ابنه وحبيبة ابنه، بالرغم من انه لم يرفع  عيونه عن الشاشةِ.

عندما  تَخَرّجُت مِنْ مدرسة التجارةِ في أمريكا وانهيت خدمتي العسكريةَ،  طَلبَ ابي مني أنّ  أَسِيرُ على خطى أَخي وأُصبحُ  مديرا في شركته، التي كَانَت تنْمو بِسرعة فائقة،  وعندها عَيّنَني المديرَ العامَّ لشركة  التوزيع و التصدير التي يملكها سات سات بالرغم من صغر سني. سات سات كَانَ لديها ميزانية تشغيل عالية وانتجت أرباحَا كبيرة، الفضل ليس لي لكن إلى خُدَعِ المحاسبة المُخْتَلِفةِ التي من خلالها جرى تحويل أرباحِ مِنْ مصانعِ أبي الأخرى وأعماله التجارية إلى سات سات (الذي يُمْكِنُ أَنْ تترجم إلى إلعربية “بِع بِع” ) .

صَرفتُ أيامَي في تعلم ادق التفاصيل في العمل مِنْ قدماء المحاسبين الذين يكبروني بعشرون او ثلاثون سنة والموظفات صاحبات النهود الكبيرةِ من عمر أمِّي؛ وكنت على وعي بأني لن احظى بمثل هذه المسؤولية لولا كوني إبنَ صاحب الشركة، لذا حاولتُ أَنْ اظهر بَعْض التواضعِ.

في وقت الانصراف، بينما الحافلات وعربات الترام القديمة قدم موظفي سات سات تصدر ضجيج اقلاعها أسفل الدربِ، يَهْزُّ البنايةَ و مؤسساتِها،كانت خطيبتي سيبيل،  تأتي لزيارتي، لنمارسُ الحب في مكتبِي.

 على الرغم مِنْ افكارها الحديثةِ عن المساواة بين الجنسينِ التي عادت بها مِنْ أوروبا، الا ان طريقة تفكير سيبيل حول السكرتيراتِ كَانتْ لا تختلف عن طريقة أمِّي.

كانت تَقُولُ أحياناً: “دعنا لا نُمارسَ الجنس هنا. هذا يَجْعلُني أَحسُّ كما لو اني سكرتيرتك! “.

 لكن، بينما كنا نمَضي إلى الصوفا الجلديِة في المكتبِ، بدا واضحا  ان السبب الحقيقي لتحفظها كان ان  البناتِ التركياتِ، في تلك الأيامِ، كَن  يخفن من ممارسة  الجنسِ قَبْلَ الزواج .

 

 

يتبع….

ترجمة أماني لازار

Read Full Post »